قالت محدّثتي… بقلم : د. بثينة شعبان

 بثينة شعبان

بثينة شعبان

قالت محدثتي، وكانت قادمةً من بلاد العم سام عبر غزّة والضفة ثمّ الأردن إلى دمشق «لقد ذهلتُ كم هي صغيرة منطقة الصراع هذه التي ملأت الدنيا وشغلت الناس، وما فتئتُ أتوقّع أنها تمتدّ إلى خلف بحار وبحار» فأجبتها لماذا إذاً سرتُ مع قلوب الملايين منذ أكثر من أربعين عاماً عجافاً قاصدةً القدس ولمّا نصل بعد؟ لماذا يصبح المكان الأقدس، والأطهر، والأقرب إلى قلوب سكان الأرض جميعاً بعيداً عنّا بعد النجوم في سماء صحراوية صافية؟ والسبب هو أنّ حكّام الغرب وإعلامه ومثقفيه يحبّون التشدّق بالحديث عن الحرية وحقوق الإنسان، والفلسطينيون مكبّلون منذ ستين عاماً بقيود الهمجية، والسبب هو الوعود الغربية، وآخرها وعد بوش بالدولة الفلسطينية، بينما يزحفُ المستعمرون من عتاة الصهيونية ممن يقوّضون الأسس المحتملة لهذه الدولة فيقضمون الأرض، ويقطعون الزيتون، ويسرقون المياه، ويهجّرون أصحاب هذه الأرض إلى الملاجئ البعيدة، وبعد سنوات ينفقون، كما فعل بوش، بضع ثوان للتعبير عن «أسفٍ» زائف بأنّ «الدولة»، التي وعد بها، لن تقوم في عهده؟ أهوَ حلم فعلاً بالنسبة لمن يعملون على دفنه ويسير البعض منا معهم في الجنازة، ولا نرى الجنازة، بل نستمع إلى إيهاماتهم بأنّ هذا عرس أو أنه سيتحوّل إلى عرس بعد حين؟ وهم يسيرون في عملية التهجيرالمتواصل، والتّنكيل المستمرّ، والقتل اليومي، فيما يسود الصمت أرجاء العالم «الحرّ» و«العربيّ» أيضاً، وغيرهما كذلك، وكأنّ الجميع لا يرى ولا يسمع ولا يفهم حقيقة ما يجري. وينتقل التّهجير من طبريّة إلى العفولة، ومن صفد إلى النّقب، وإلى الجليل وعسقلان، ومن ثمّ إلى عكّا ويافا وحيفا، كلهم عرب مسلمون، فلا بأس عليهم بالنسبة لبلفور وترومان وورثتهما من دعاة حروب الفرنجة، ولكن هاهم مسيحيو القدس العربية يتعرّضون للتهجير، ويتقلّص عددهم من أربعين ألفاً ونيّف إلى عشرة آلاف فقط، ولا من يحتجّ فهم ليسوا محظوظين كمسيحييّ الموصل، فالمتهمون بتهجيرهم ليسوا «متطرّفين مسلمين»، ولكنهم «متطرّفون يهود»، وهؤلاء من يجرأ على إدانة جرائمهم! ولكلّ ذلك، لا يرفع العالم صوته في وجه ما يجري من إبادة لشعب فلسطين ودولته وهُويّته أو حتى يحاول إيقافه، بينما ينفق دعاة الحرية الساعات الإعلامية الطوال بالدفاع عن حقّ كتابة مقال أو نشر رأي لمن يهمّه أن يظهر رأيه!! وبعد كلّ هذا وذاك، ما زلنا نردّد أنّ الخطر وشيك على القدس ووشيك على الأقصى بينما يشيّد المستوطنون كنيسهم على أنقاض مسجد، والخطر واقع كلّ يوم على كلّ منازل القدس المقدّسة، وعلى بيت المشرق، وباب المغاربة، وعلى المقدسيين والعكّاويين الذين يُهجّرون، حالياً تحت صمت الجميع، من منازلهم العربية القديمة، ويحرق المستوطنون محالهم. لقد بدؤا اليوم يتحدثون عن أغلبية يهودية في مدن فلسطين العريقة، وعن أقلّية عربية في عدد من أقدم المدن العربية. أوَ رأيتم إذاً لماذا يعدُ قادة العدوّ أولئك العرب، الذين ما يزالوا يثقون بالوعود الغربية، بدولة فلسطينية، فيما يسيرون منذ سنواتٍ وسنوات في جنازتها لكي يغيّروا الواقع على الأرض، ومن ثمّ يطلبون، وفق شرائع وقوانين هم يسنّونها، تثبيت هذا الواقع دون أن يتوقّف أحد من العرب المختلفين، وكذلك من دعاة الديمقراطية، لمنعهم من تغيير هذا الواقع، ودون أن يحتجّ أحدٌ حتى على قطع شجرة زيتون، أو امتداد الاستيطان أو مضاعفته.
لماذا لا يرى العرب والعالم في انتهاك الصهاينة لحرمة أيّ منزل في القدس أو الخليل أو عكّا انتهاكاً يعادل في أثره انتهاك كنيسة في الموصل؟ ولماذا لا يقيم الشيوخ والسياسيون والإعلاميون الدنيا ضدّ تهويد الأراضي والمدن العربية، وضدّ التهويد المستهدف لسكانها كما حدث فعلاً تنصير وأسبنة الملايين من مسلمي الأندلس؟ جدار الفصل العنصري تمّ استكماله بهدوء إلا من احتجاجات بضع شبّان من فلسطين ويساريين غربيين ليضمّ الأراضي العربية الخصبة الغنية بالمياه، وليسلب الفلسطينيين المزيد من مصادر رزقهم، وليتمّ استكمال التّنكيل المنظّم بهم بهدف تهجيرهم، واستعمار أرضهم، وتدمير ثقافتهم، وإلغاء تاريخهم. والإعلام العربيّ لا يستبدل حتى لغة العدوّ ومصطلحاته التي يبرّر بها كلّ ما يقوم به من جرائم إبادة وتهجير واعتداء على الأقصى، والأحياء العربية في القدس وعكّا وحيفا ونابلس ورام الله. كم من البشر يعلمون بإجراءات العدوّ التي تحرّم إدخال الكتب والورق لأهل فلسطين في الضفة وغزّة، والتي تضع مئات العقبات في وجه وصول الطلاب إلى مدارسهم وجامعاتهم، كي تعيد الأميّة إلى صفوف الشعب الفلسطيني؟ كم من برلمانيي وبرلمانيات العالم يعرفون أنّ عزيز الدويك وزملائه من البرلمانيين العرب المنتخبين، في انتخابات شهد الرئيس الأمريكي كارتر بنزاهتها، يرزحون في غياهب السجون الصهيونية منذ ذلك الوقت؟ وكم من البشر يعرف اسم أصغر سجين في العالم وهو الطفل الفلسطيني يوسف محمد الزق، الذي يقبع في سجون الاحتلال الإسرائيلي؟ لماذا يضحك البعض حين يقرأون أنّ إسرائيل تحاول تسجيل الفلافل والتبولة والباباغنّوج باسمها؟! فالصهاينة لا يمزحون، إنهم يستوطنون حتى أسماء أطباقنا التاريخية، وليس المدن والثقافة والتاريخ وحسب. فالصهيونية حركة استعمارية تغتصب أرض العرب ومياههم، وتمتدّ حتى إلى غذائهم وحرفهم وحضارتهم. وكي يتخيّل البعض ماذا يمكن أن يكون عليه المشهد بعد مئة عام، عليهم أن يعرفوا ماذا حدث لثقافة وحضارة عرب الأندلس والتي كانت تشبه ثقافتنا غنىً وألواناً وروحانيةً وعطاءً متنوعاً أخّاذاً، وعليهم أن يتذكّروا مصير حضارات المايا والأنكا والأبورجينز. لقد دمّرها دعاة الديمقراطية حضارةً ولغةً وتاريخاً ووجوداً بشرياً. لماذا يجتمع المحامون العرب، والحقوقيون العرب، واتحادات الكتّاب العرب، واتحادات البرلمانيين والبرلمانيات العرب إذا لم يكن للدفاع عن حقّ الوجود لشعب فلسطين؟! أوَ لسنا قادرين على تشكيل المرجعية اللغوية والفكرية والثقافية التي تعيد القضية الفلسطينية من قضية تبرعات وإغاثة وخلافات إلى قضية حقوق شعب في أرضهم ووطنهم ومياههم وزيتونهم ومدارسهم وجامعاتهم؟ هاهم أصحاب الضمائر الحرّة في العالم يخاطرون بحياتهم لكسر الحصار عن غزّة، وها نحن نقرأ لمئات الأصوات الحرّة في العالم عن قناعتها بعدالة قضيتنا في وقت يتزعزع فيه عالم العدوان والحرب والسيطرة العسكرية والمالية. لدى العرب اليوم فرصة تاريخية أن يغيّروا معادلة ضعفهم بمعادلة عدالة قضيتهم. ولكن عليهم أن يوحّدوا التوجّه، وليعمل كلّ ما يناسبه، ولكن ضمن وحدة هدف واحد هو تخليص عرب فلسطين من جريمة الإبادة التي تعمل عليها الصهيونية ليل نهار مكرّسةً الأموال الطائلة لشراء ذمم الحكام والإعلام. لنتعلّم من الغرب بعض دروسه المفيدة بدلاً من استيراد سلعه الاستهلاكية وحسب، فقادتهم يجتمعون ويتفقون على إطار عام موحّد، ثمّ يطبّقون كلّ على طريقته ضمن هذا الإطار، ولنتعلّم من النساء العربيات مقاومتهنّ للتهجير والاحتلال. حين تلفّ المرأة الفلسطينية جذع شجرة الزيتون بجسدها لتحميها من جرّافة الاحتلال الإسرائيلي، تدرك هذه المرأة أنّ بقاء هذه الشجرة المباركة يعني بقاء شعبها وأمتها ودينها، وأنّ اقتلاع الشجرة هو إبادةٌ لها ولكلّ ما تمثّله من قيم وتاريخ ووجود. وحين يصرّ الفلاحون الفلسطينيون على قطاف موسم الزيتون في وجه إرهاب إسرائيلي يمثّله دوماً المستوطنون وأجهزة دولتهم الأمنية والمخابراتية، فهم يعلمون أنّ موسم الزيتون، الذي كرّمه القرآن المجيد، هو الذي يمثّل صمود الحياة الفلسطينية بوجه جريمة الإبادة الصهيونية التي تدور رحاها منذ ستين عاماً. قالت محدّثتي لماذا إذاً لا تُترجمون أقوالكم هذه إلى أفعال خاصةً في هذا الزمن، حيث انكسار شوكة الجيوش والعنف والحروب؟ قلتُ نحاول اليوم أن نسلّط الضوء على الفرصة كي يراها الجميع، ليمسكوا بحبل الله جميعاً ولا يتفرّقوا حفاظاً على أمة العرب وديارهم ومستقبل أبنائهم.

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

أكتب تعليقك