سوريا تستعد للحرب ضد إسرائيل..والأسد يشرف على المناورات العسكرية

كتب :  سامي مبيض

الرئيس السوري بشار الأسد خلال إشرافه على مناورات عسكرية

الرئيس السوري بشار الأسد خلال إشرافه على مناورات عسكرية

خلال أزمة السويس عام 1956، طورت اسرائيل عادة منتظمة تتعلق بانتهاك المجال الجوي السوري لردع السوريين عن دعم الجيش المصري، ولم يكن لدى السوريين رادارات في ذلك الحين، لذا، طور قائد سلاح الجو وليد مقبري خطة بحيث كانت مراكز الشرطة في البلاد مرتبطة بمركز قيادة الجيش في دمشق بخط ساخن على مدى 24 ساعة.
فعند تحديد طائرة حربية اسرائيلية ما في الاجواء السورية، يتصل افراد الشرطة هاتفيا بالضباط الأعلى منهم ويرسلون تقريرا عن اتجاهها، ارتفاعها وسرعتها المقدرة. اما مركز قيادة الجيش، فكان يتصل فورا بأقرب مركز شرطة لتعقب الطائرة بعد ذلك، ومن ثم يقوم بإرسال طائرات حربية سورية لاسقاطها او مطاردتها.

 

نسبة واحد في المائة
وفي إحدى هذه الحوادث، أقلعت 5 طائرات سورية لتنفيذ احدى العمليات وكانت تضم طيارا شابا هو حافظ الأسد، رئيس سوريا المقبل. وقد منعت هذه الطائرات من اسقاط الطائرة الاسرائيلية على الرغم من ان الطائرة كانت في مرمى الأسد، والسبب هو انها كانت تحلق فوق الاراضي التركية. وانتهكت الطائرة نفسها المجال الجوي السوري لاحقا ذاك النهار. واقلع سرب آخر مؤلف من 5 طائرات واسقطت الطائرة الاسرائيلية على الحدود اللبنانية من قبل ضابط يدعى لويس دكر. ونجا الطيار في حينه، لكن مساعده قتل. وعندما تم استجوابه من قبل اللبنانيين، قال الطيار الاسرائيلي انه كان هناك فرصة نسبتها واحد في المائة ان يتمكن السوريون من اسقاط طائرته. ولذا، فإن حقيقة نجاحهم في ذلك كان يعني أن الجيش السوري قد اصبح ‘خطرا’ بالنسبة لاسرائيل.
هذا كان قبل 51 عاما.
وفيما مضى خرقت 4 طائرات حربية اسرائيلية المجال الجوي السوري ،خارقة جدار الصوت لتصل الى قرية بعيدة هي تل الابيض الواقعة في جوار دير الزور، والتي تبعد حوالي 160 كلم الى الشمال من مدينة الرقة. وقال مصدر عسكري في سوريا: ان الاسرائيليين انتهكوا المجال الجوي السوري ‘من خلال الحدود الجنوبية، آتين من الجبهة المتوسطية باتجاه الجبهة الشمالية الشرقية’.
وقد جابهت الدفاعات الجوية السورية الطائرات الإسرائيلية مجبرة اياها على اسقاط خزانات وقودها لتصبح بذلك قادرة على الطيران على ارتفاعات أعلى وأسرع ومن ثم الهرب. ‘نحن نحذر حكومة العدو الإسرائيلي من هذا العمل الهجومي الفظيع، ونحتفظ بحق الرد بالطريقة المناسبة’، قال الناطق العسكري السوري.
وذكر شهود رؤيتهم للطائرات في حوالي الساعدة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، لكنهم اعتقدوا أنها كانت طائرات أميركية وليست اسرائيلية، وقد تسببت هذه الانباء باضطراب حول العالم، برغم ان ذلك كان متوقعا جدا من قبل المراقبين للجبهة السورية ـ الإسرائيلية. فقد كانت هناك تنبؤات باندلاع أعمال عدائية بين دمشق وإسرائيل منذ شهر يونيو، فكلا البلدين كان يحرك جيشه، رافعين بذلك من فرص نشوء حرب، الى حين أدلى وزير الدفاع الاسرائيلي ايهود باراك قبل أسبوع من العملية بتصريح قال فيه ان بلاده ستسحب جنودها من حدود الجولان، وكانت اسرائيل قد استولت على مرتفعات الجولان عام 1967 في حرب الأيام الستة، ومنذ ذلك الحين، والبلدان في حالة نزاع مرير.

رفع المخاطر
الحرب لم تكن خيارا، هذا ما ظهر من كلام الوزير الاسرائيلي، واضاف ان عملية تحريك القوات أدت الى رفع مخاطر حصول ‘حادث صدفة’ بين الجيشين، وهو أمر أرادت اسرائيل تجنبه. اما من ناحيتهم، فقد كان السوريون يقولون ان خيارهم الاستراتيجي هو السلام ـ وليس الحرب ـ مع إسرائيل، مذكرين العالم في كل مناسبة ممكنة بأنهم ارتبطوا بعملية السلام، بظل الرعاية الأميركية، على مدى 15 عاما، فإذا كان البلدان يريدان السلام، كما تتضمنه التفسيرات الرسمية، اذن ما الذي حدث تماما في 6 سبتمبر؟

اختبار الدفاعات
تقول احدى النظريات ان إسرائيل أرادت اختبار الدفاعات السورية، خصوصا بعد تقارير تقول ان دمشق تسلمت صواريخ بالستية جديدة من روسيا، أما أهداف التدخل، فقد تكون ‘استشعار الأعماق’ قبل دخول إسرائيل، فعلا، في حرب مع السوريين. وقد تلا هذا التفسير تفسير آخر لخبير اسرائيلي في قضايا مكافحة الارهاب هو بواز غانو الذي قال ان بلاده كانت ‘تجمع المعلومات الاستخبارية حول الصواريخ الطويلة المدى’، التي نشرتها سوريا في الشمال.
أما النظرية الثانية ـ والأقل مصداقية ـ فتزعم بأن اسرائيل أرادت رؤية ما اذا كان في إمكان طائراتها الحربية الوصول إلى ايران من دون ان يرصدها الرادار السوري، وبأن هذا كان تحضيرا لحرب مقبلة تتوقعها إسرائيل بين الولايات المتحدة وإيران.
وتزعم النظرية الثالثة ان اسرائيل كانت تبحث عن قواعد تدريب عسكرية لحماس، الجهاد الإسلامي وحزب الله. ونظرية رابعة تقول ان العملية لم تكن سوى استفزاز هدفت لأن تظهر للسوريين ان قوات الدفاع الاسرائيلية يقظة ومتنبهة وأنها ‘استعادت عافيتها’ من حرب الصيف مع حزب الله في العام الماضي، فالاسرائيليون أرادوا مشاهدة كيفية الرد السوري.
وقال نائب الرئيس السوري فاروق الشرع، في زيارة له الى روما، لصحيفة ريبابليكا الايطالية، ‘كل ما يمكنني قوله هو ان الصف العسكري والسياسي ينظران في سلسلة من الردود فيما نحن نتحدث الآن. فالنتائج وشيكة’. وعندما سئل عن نوع الانتقام المتوقع من السوريين، أجاب قائلا: ‘لا يمكنني الكشف عن التفاصيل’. ومن ثم تحدث الصحافي عن مناشدة الرئيس الاسرائيلي شيمون بيريس لسوريا، والتي رد عليها الشرع بالقول: ‘اعذروني للابتسام، فالحديث عن السلام ما هو الا تمويه لهجوم عنيف، ان ردود اسرائيل في ضوء تسلل طائراتها مثيرة للدهشة، مع قول رئيس الوزراء ايهود أولمرت انه لا يعلم شيئا عنها’.
وقد جاءت الردود السريعة الأخرى من حلفاء سوريا الرئيسيين، روسيا، تركيا وإيران، فالأتراك قاموا حتى باستدعاء سفير إسرائيل في أنقرة واحتجوا على الهجوم الإسرائيلي، اما وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي، فقد اتصل بنظيره السوري وليد المعلم معبرا عن استعداد بلاده للوقوف الى جانب دمشق، وقال الروس ان هذا الانتهاك ‘غير مقبول’ وأدانوه، في حين قال الأتراك انهم ‘قلقون’ بسببه..

الصمت الإسرائيلي
أما الولايات المتحدة، ويا للدهشة، فلم يكن لها أي تعليق على هذا الاختبار القاسي بكامله، لكن ما يجعل الأزمة ككل أكثر اقلاقا، هو الصمت الإسرائيلي، فلا مصادر مجلس الوزراء أو جيش الدفاع الاسرائيلي أو حتى مكتب رئيس الوزراء قاموا بالتعليق على هذا الانتهاك.
فهم لم يؤكدوا الامر ولم ينفوه، برغم ان اسرائيل كانت في الماضي تعلن بصوت عال عندما تنجز عملية كهذه، سواء في لبنان او سوريا اما المرة الاخيرة التي اخترقت فيها طائراتها الحربية الاجواء السورية فكانت في حزيران 2006.
وقبل ذلك ضربت الطائرات الاسرائيلية قرية عين الصاحب السورية قرب دمشق، وذلك في تشرين الاول 2003 وبحسب صحيفة الحياة اللندنية التي يعتبر مراسلها السوري ابراهيم الحميدي مصدر مطلع جيد على شؤون السياسية الخارجية لبلاده، فقد قالت بان سوريا تعتقد بان العملية كانت اختبارا دبلوماسيا وعسكريا لاختبار كيفية تفاعل سوريا معه وتضيف الصحيفة بان تحذير سوريا بالانتقام كما ترى ذلك مناسبا كان جادا، رادعا وغير تصعيدي.
حرب.. ما
ويدرك الإسرائيليون كل هذه الحقائق الصعبة، كما يدركها الشعب الاسرائيلي الذي يحمله، مع فريقه، المسؤولية عن كل المغامرة اللبنانية المشؤومة فمع وجود هزيمة كهذه في سجله، لا يمكن لرئيس الوزراء الحديث عن السلام مع السوريين.
اما هذه الحرب فيجب ان تكون اما مع سوريا او مع حزب الله، ففي خطابه الاخير مؤخرا امام البرلمان في شهر ايار، قال الرئيس بشار الاسد بأن القادة المهزومون (مثل اولمرت) يمكن ان يقوموا بامور غريبة مثل المضي الى الحرب بدلا من السلام مع جيرانهم، وفي خطاب له في تموز، اعاد الاسد التأكيد على استعداد بلاده للسلام قائلا: ان أكثر ما يمكن لسوريا القيام به هو ارسال سوري الى مكان محايد للتفاوض مع فريق ثالث، الذي بامكانه بدوره ان ينقل رسالة سوريا الى الاسرائيليين الذين ربما يمكثون في فندق آخر ان المحادثات المباشرة بين سوريا واسرائيل هي ايضا مسألة غير مطروحة في هذه المرحلة.
فأساس اي تعاون سوري سيكون حدود 4 حزيران 1967 كما طالب الاسد بضمانات قائلا بان سوريا، وبسبب تجربة التسعينات لا تثق بالاسرائيليين نحن لم نكن نثق بهم قبل التسعينات اما الآن فحالة عدم الثقة اكبر، وطالب الاسد بشيء مشابه للاتفاق الذي تم التوصل اليه مع الزعيم الاسرائيلي الراحل اسحق رابين، الذي وعد باعادة مرتفعات الجولان بالكامل الى سوريا اما السلام مع سوريا فكان قد اعترض عليه منذ البداية الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش عقب احتلال العراق عام 2003 عندما قال بان على سوريا الانتظار حتى يتم حل كل القضايا العالقة في الشرق الاوسط، وتلاه في هذا الموقف كل من رئيس الوزراء آرييل شارون، الذي لم يكن مهتما بالمحادثات مع السوريين، وخليفته ايهود اولمرت وكذلك نتنياهو.
وقد استمر عدم الاهتمام هذا حتى عام ،2006 ثم بدا، فجأة، أن إسرائيل تغير مسارها بخصوص سوريا، فالرأي العام في إسرائيل قد تحول، إذ يعتقد كثيرون أن سوريا وحدها بإمكانها توفير الامن لحدود اسرائيل مع لبنان. فصنع السلام مع السوريين، بحسب اعتقاد الاسرائيليين، بدا الموقف الاكثر منطقية على الاطلاق، بما ان ذلك سيعني، وبشكل اوتوماتيكي، جبهة هادئة مع حزب الله.
وفي اوائل هذا العام، ذكرت صحيفة هآرتز الاسرائيلية بأنه حصلت محادثات سرية في اوروبا بين الاسرائيليين ومواطن سوري خاص. وفي ابريل ذهبت رئيسة مجلس النواب الاميركي نانسي بيلوسي الى دمشق مع رسالة من أولمرت الى الاسد. أما الصحافة الاسرائيلية، فقد اشتركت جماعيا بهوس اعادة احياء مسار السلام السوري – الاسرائيلي. إذ شكلت ‘قصة سوريا’ العناوين الرئيسة في الصحافة الاسرائيلية، وبدأت مقتطفات مأخوذة من الصحف السورية في الظهور في الصحف الاسرائيلية الكبري، وذلك لمراقبة استعداد سوريا للسلام.

70% من الاحتياطي
ولم يكن السوريون متأثرين بالشروط الاسرائيلية للسلام، والتي تضمنت وقف التعاون السوري مع حماس، حزب الله وايران. وفي رد على ذلك، نشرت صحيفة ‘جيروزالم بوست’ مقالة يوم 11 يوليو تقول فيه ان الحرب مع سوريا ‘محتملة’. وتزامن ذلك مع تحريك جيش الدفاع الاسرائيلي لقواته على حدود الجولان ومع تقارير الصحف الاسرائيلية القائلة إن 70% من احتياطي الجيش يجرون تدريبات على طول هضبة الجولان. وصرحت اسرائيل ايضا بأن احدى وحداتها الشهيرة، لواء الجولان، أنهت لتوها تدريبا مكثفا بضروب الحرب واشار ‘غي هآزوت’ الضابط المسؤول عن الفرقة 91 المنتشرة على طول الحدود مع لبنان، الى ان: ‘الحالة الأسوأ هي نشوء حرب، وعلينا ان نكون مستعدين لما هو أسوأ’.
واضافت صحيفة ‘جيروزالم بوست’ إنه إذا ما اندلعت حرب مع سوريا، فإنها ستكون اسوأ بمرات، بالنسبة لاسرائيل، من مواجهتها مع حزب الله في عام ،2006 وفي حين كانت كل تلك الامور تخرج من اسرائيل، مما يضيء إشارة الخطر الأحمر، كانت هناك اشارات متعارضة ومتباينة لمسؤولين اسرائيليين. وقد اتت إحدى تلك الاشارات من رئيس هيئة الاركان في جيش الدفاع الاسرائيلي، المايجور جنرال موشيه كابلينسكي’ الذي قال: ‘لقد سمعت ما يقال. لكن نحن، وبحسب افضل تقييماتنا الذي هو تقييمي الشخصي ايضا، لا نتوقع حربا هذا الصيف من سوريا’. أما التحرك الاسرائيلي على الحدود السورية، فقد كان ردا على تحركات الجيش السوري، اضاف قائلا، داعيا الامر بالاجراء ‘الدفاعي’

خط حربي
وعلى كل حال، ذكرت ‘يونايتد برس انترناشيونال’ من مصادر مطلعة جدا في واشنطن أن ‘المواجهة بين سوريا واسرائيل قد تحدث هذا الصيف’. وقد ردد ذلك دنيس روس، المبعوث الاميركي للشرق الاوسط في حقبة الرئيس الاميركي بيل كلينتون، والذي ذكر كلامه في نسخة لصحيفة يديعوت احرنوت على شبكة الانترنت يقول فيه ان هناك خطرا جديا بخصوص نشوء حرب بين البلدين، مضيفا أن ‘السوريين يموضعون أنفسهم للحرب’. وفي هذه المرحلة، تعتبر كل الخيارات مطروحة على الطاولة، على الرغم من انه لم يتم التوصل بعد الى قرار سياسي للحرب من قبل اي من البلدين، لان الحرب ستكون مدمرة بالنسبة للشرق الاوسط المضطرب اصلا.
فإسرائيل والولايات المتحدة لا يمكنهما تجاهل الاخفاق التام في العراق. فهما عاجزتان عن التنبؤ بما سيكون عليه الرد الايراني تجاه حرب اسرائيلية مع سوريا، أو الكيفية التي سيتفاعل بها كل من حزب الله وحماس. وان الوسط العقلاني في الولايات المتحدة لن يسمح بالتأكيد بحصول ذلك – بسبب موقفهم في العراق المضطرب.
اخيرا، ان الاسرائيليين يفكرون مرتين حول ما يعنيه المضي بالحرب مع سوريا، على الرغم من ان الحرب مع جيوش تقليدية يمكن ان تكون احيانا اسهل من تلك التي مع جماعات تمارس حرب العصابات مثل حزب الله، فان الجيش السوري ليس جيشا يسهل مصارعته واسقاطه. فلديه دفاعات قوية، كما لديه نظام صاروخي مبني بشكل جيد – وليس صواريخ كاتيوشا فقط – والذي بامكانه ان يتسبب في ألم حقيقي داخل إسرائيل.
ويقول المسؤولون داخل النظام الاسرائيلي ان سوريا ستندم على افعالها اذا ما مضت باتجاه حرب ضد اسرائيل. اما السوريون فيقولون ان اسرائيل سوف تعاني من الحرب مع دمشق. فهم يبدون واثقين بأن اسطورة تفوق جيش الدفاع الاسرائيلي قد تناثرت بسبب ادائه البائس في حربه ضد حزب الله عام 2006. فعلى الرغم من انهم قد لا يفوزون بحرب مع اسرائيل، لكن بامكان السوريين، بالتأكيد تكبيد اسرائيل الخسائر. اما الامر المؤكد من كل الحديث الخارج من دمشق، فهو: ان السوريين لا يريدون الحرب.

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

أكتب تعليقك