صحافة اضرب واهرب…بقلم : يسري فودة

يسري فودة

يسري فودة

أيام غزو العراق.. وكانت أجواء الحادى عشر من سبتمبر لا تزال تمسك بتلابيب العالم، حاول صحفى أمريكى أعرفه جيداً اختراق صفوف الجماعات الإسلامية فى العراق وبعض الدول المجاورة له، لم يطلب مساعدتى ولم تكن لدىّ معرفة على الإطلاق بما كان يفعل، ولكن عندما نشر تحقيقه، وقد كان تحقيقاً جيداً، اتصل بى أحد المصادر التى التقى بها, كى يقول لى وهو حزين: «لماذا قدم لى فلان الفلانى نفسه على أنه مسلم شيعى, رغم أنه لم يكن من الصعب بعد ذلك أن أكتشف أنه يهودى؟».

الصحفيون الجادون المحترمون، الذين يحترمون أنفسهم فيحترمهم الآخرون، لا يفكرون فى أنفسهم وفيما يفعلون من منطلق «الوظيفة» Job، بل من منطلق «المسيرة» Career، إنهم يعلمون أن بناء الثقة والمصداقية يرتفع طوبة فوق طوبة، يوماً بعد يوم، سنةً فى أعقاب سنة، عملاً صادقاً يقود إلى آخر، يعلمون أن هذا طريق صعب لا نهاية له، يتصادف فى الوقت نفسه أنه الطريق الصحيح، وأن ما عداه لا يصمد أمام اختبار اللحظة، وأهم من ذلك، أنهم يعلمون أن ما ينبنى من ثقة ومصداقية على مدار سنوات طويلة يمكن أن ينهدم بسهولة فى ثوان معدودة.

من المفيد إذن أن نضع نموذج الصحفى الأمريكى الذى قام بذلك التحقيق فى العراق, أمام نموذج آخر لصحفى أمريكى آخر، كان العالم قد وصل إلى أقصى درجات الترقب قبل أيام من غزو العراق عام 2003، الأجواء فى فندق الرشيد فى بغداد قابضة، لم تفلح محاولات الوساطة فى وقف هوجة إدارة بوش الصغير، هبط على المركز الإعلامى أكثر من ثلاثمائة صحفى أجنبى، الوقت يمر بطيئاً وخاطفاً فى الوقت نفسه، يتسرب بفعل فاعل إحساس بـ«حتمية» وقوع الحرب، الشعار الرسمى لبعض كبريات الشبكات الأمريكية: Countdown «العد التنازلى».

السلطات العراقية تضع المراسلين الأجانب على نار: مدة التأشيرة لا تتجاوز عشرة أيام قبل أن يتعين البت فيها مجدداً، الأمريكيون يطردون مراسل وكالة الأنباء العراقية فى واشنطن بحجة «التجسس»، يرد العراقيون بطرد مراسل شبكة «فوكس» اليمينية المتطرفة بحجة المعاملة بالمثل، دمه ثقيل، يلبد على الحدود لتغطية العراق من عمّان، يطلب منى بعض الأصدقاء من «سى إن إن» الأمريكية و«سكاى» البريطانية وبعض الصحف الألمانية التوسط لدى مدير المركز الصحفى لتجديد تأشيراتهم، أفعل, يستجيب، لا لسواد عيونى، بل لأنه لم يعد سراً أن صدام حسين، الذى لم يفتح فمه لفترة طويلة، قد وعد بأنه حين يفعل سيكون ذلك من خلال قناة الجزيرة.

المراسلون فى تلك الأثناء لا يعلمون تماماً ما ينبغى عليهم أن يعدوا من تقارير، الرسالة من رؤساء تحريرهم: «انتظروا فى أماكنكم»، يمتلىء سطح المركز الإعلامى بأطباق الإرسال والمولدات الكهربية، وهواتف الأقمار الصناعية، وخيمات الهندسة الإذاعية، وأسلاك يتشابك بعضها فى البعض الآخر، ويمتد مترامياً بين هذه التفاصيل كلها فيما يبدو للغرباء عن المهنة فوضى، وإن كان فى الواقع نظاماً رائعاً فى عيون أصحابها، ثم الكاميرات وعواكس ضوء الشمس وبينهما ببغاوات: مراسلون فى آذانهم قطع بلاستيكية تمكنهم من التواصل، وفى أيديهم ميكروفونات عليها شعارات بعضها أراه لأول مرة فى حياتى.

يذهب بعضهم لإعداد تقارير لها معنى عن معاناة الشعب العراقى تحت الحصار فلا تذاع، مثلما حدث مع مراسل شبكة «إيه بى سى» الأمريكية، وضع «السيرك المتنقل»، كما وصفه زميل ألمانى، رحاله فى بغداد واستقر انتظاراً لساعة الصفر، بينما كانت هذه الأجواء كلها محل دراسة تحقيقية ضمن برنامج «سرى للغاية» حملت بعد ذلك عنواناً «العد التنازلى»، أى شىء يصدر عن الإدارة الأمريكية حقيقة إلى أن يثبت العكس، وأى شىء يصدر عن الحكومة العراقية دعاية جوفاء حتى لو ثبت العكس. حتى زيارة وزير العدل الأمريكى سابقاً، رامزى كلارك، المتعاطف مع موقف العراق، دعاية جوفاء.

ذات يوم، عدت إلى فندق الرشيد بعد يوم عمل فوجدت بهوه محتشداً ومصورين يثبون ارتفاعاً، ويقفزون فوق أكتاف جمع أحاط بشىء ما أو بأحد ما اختبأت تفاصيله تماماً فى الزحام، تواثبت حتى استطعت أن أختطف نظرة على «مُزة» من العيار الثقيل، قالوا لى إنها ملكة جمال العالم لذلك العام، وهى ألمانية وصلت إلى هنا بدعوة من عُدى، ابن الرئيس، وبينما أنا كذلك سمعت صوتاً يهتف بى بلهجة أمريكية: «يوووزرى!» التفتُّ ناحيته فعرفته على الفور، رغم أننى لم ألتق به قبل ذلك وجهاً لوجه، إنه عملاق الصحافة التليفزيونية الأمريكية ونجم شبكة «سى بى إس» لأكثر من ربع قرن: دان راذر.

«ماذا تفعل المدافع الثقيلة فى بغداد؟» بادرته بالسؤال، «لابد أن شيئاً ما على وشك الوقوع»، رد دون لف أو دوران: «سأكون صادقاً معك: نحن نأمل فى إجراء حوار مع طارق عزيز (نائب رئيس الوزراء العراقى آنذاك)»، فأجبته بدورى: «وسأكون أنا أيضاً صادقاً معك: نحن فى انتظار صدّام»، انبثق بريق من عينيه فأفصح على الفور عن براجماتية أمريكية: «هل لنا فى عقد صفقة رجل لرجل: من يحصل على أيهما أولاً يمنح الآخر جانباً مما حصل عليه، فماذا تقول؟» قلت: «هى إذن صفقة Deal».

فى مساء اليوم التالى، بينما كنت أتناول العشاء مع ديفيد تشيتر، مراسل شبكة «سكاى» البريطانية، اتصل بى دان راذر، وسألنى بلهجة مستعجلة إن كنت أود اللحاق به إلى المركز، قلت له: «لا أصدق أنك أتيت بطارق عزيز بهذه السرعة»، قال: «كلا، لقد أتينا بالرجل الكبير: صدام» قنبلة، فى طريقى إلى المركز كان تحليلى قد اهتدى بى إلى أن قراراً كهذا من جانب الرئيس العراقى لم يكن له سوى معنى واحد، وهو أن جميع السبل إلى الإدارة الأمريكية قد تقطّعت وأنه، وقد أدرك أخيراً وقوع الفأس فى الرأس، يريد الآن أن يلتف حولها وصولاً إلى الشعب الأمريكى الذى كان يهمه فى تلك اللحظة الحاسمة أكثر مما يهمه الشعب العربى.

غير أن مفاجأة أخرى من نوع مختلف كانت أيضاً على وشك الحدوث، قال لى دان: «خذ ما شئت من اللقاء، وإذا كنت مهتماً فأنا أيضاً على استعداد لأن أظهر معك على الكاميرا لأجيبك على أى سؤال، ربما ترى أنه يهم مشاهديك»، لم ينته الدرس عند هذا الحد، فعندما قلت له إنه ليس مضطراً إلى ذلك قال: «لقد تعاقدنا رجلاً لرجل وقد كنت أنت بوليصة التأمين لى ولا أقل من الوفاء بالوعد».

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليق واحد

  1. Diana:

    وفي نهاية الدرس نتعلم أننا في عالم مثل هذه المصالح تأتي أولا !!

    تاريخ نشر التعليق: 07/01/2012، على الساعة: 6:43

أكتب تعليقك