زريابُ في طنجة .. بقلم : أحمد إفزارن

 أحمد إفزارن

أحمد إفزارن

ما كان زريابُ يتصوّرُ أنْ سيكونُ له تلامذةٌ في طنجة.. فقد هجرَ بغدادَ في القرن التاسع الميلادي ليستقرّ في الأندلس، ويُنشئَ مدرسةً لتعليم الموسيقَى، فتطوّرتْ على يديْه آلاتُ موسيقية، وتطوّرَ هذا الفنُّ ليرفعَ من مستوياتِ الأداء والذّوق.. قرونٌ مرّتْ على زمن زرياب، وما زال الرجُلُ حاضرًا في ذاكرة الأجيال، حيث اسمُهُ يتردّدُ بكُلّ اللغات، في كل القارات.. وفي طنجة، المطلّة على العالم، شبابٌ يحملون اسمَه.. ويعزفون ويُنشدون مقطوعات أندلسية وصوفية قديمة.. دعاني رئيسُهم لحضور حصّة تدريبية، في مقرّها، بجوار «سور المعگازين»:

في السابعة مساءًا، كنتُ في المقرّ..

شبابٌ يدخلون تباعًا، وكلٌّ منهم يحملُ آلةً موسيقية.. هذه للإيقاع.. هذا عود، هذا كمان…

حوالي 20 شابًّا وشابّة تتراوحُ أعمارُهم بين العاشرة وقُرابة الثلاثين، ذكورًا وإناثًا، أخذوا مواقعم.. يُضافُ إليهم أربعةُ رجال يظهرُ من أعمارهم وأدائهم أنهم موسيقيون محترفون..

أعرفُ بعضَ هؤلاء.. ومنهم المعلم عبد الله، ضابطُ الإيقاع.. وأيضا بعضَ الشبابِ والشابّات..

وبدأ رئيسُ الفريق، الأستاذ العوّامي، أولى نقراته على الأورغ، بينما انشغلَ الآخرون في ضبط آلاتِهم..

وتدورُ في ذهني أفكارٌ عن «أبناء زرياب».. هم أيضا يحلُمون بموسيقى راقية..

وأسألُ نفسي: «ما المطلوبُ من هؤلاء سوى تطوير مواهبهم؟ وإتقانِ اللغة الموسيقية التي تُلغي الحدودَ بين البشر؟»..
وتتزاحمُ الأفكار..

وتمُرُّ الدقائقُ وهُم على هذه الحال من ضبط آلاتِهم..

ثم رفع رئيسُ الفريق رأسَهُ، وأومأَ بإشارةِ البداية.. بدايةِ العزفِ والإنشاد..

يعزفُ بيديْه، وعيناهُ تُراقبان كلَّ الفريق.. وبين الحين والآخر، يُعطي أوامرَ بعينيْه إلى هذا أو ذاك أو تلك.. يُنسّقُ بين العازفات والعازفين، والمنشدات والمنشدين، بإشارات قد لا تكونُ واضحة للعيان..

أنا قرأتُ الإشارات..

وقرأتُ الرّدود..

إنها لُغةُ العيون كانت سائدةً بين أعضاء الفريق..

وفيهم من كان بهذه اللغة الصامتة يشتكي.. يشتكي مثلاً من انقطاع خيط في عوده، والرئيسُ يُصدرُ إشارةً للبديل..

«أبناء زرياب»، مثل الموسيقيين المحترفين، يتحاورون بكيفيةٍ غيرِ مرئية، وهم يعزفون ويبتسمون ويضحكون ويتناقشون، دون أن يُثيروا انتباهَ الحضُور..

كنتُ مُنتبِهًا إلى أدائهم، وأيضا إلى حواراتِهم الصّامتة..

أثناء الإنشاد، كانوا يُبْرزون بعضَ الكلمات، ويُكرّرُونها، ويتفاعلون بينهم بإشاراتٍ خفيّة..

والمحترفون يشاركونهم..

وبين الحين والآخر ألتفتُ إلى رئيس الفريق..

يَداه تعزفان، وعيْناه تُصْدران الأوامر، وتُنبّهان، حتى لا يزيغَ أحدٌ عن جودة الأداء الجماعي..

وأمامه حرفيون يساهمون معه في ضبط الإيقاع العامّ..

عرفتُ عن قُرب كيف هي البيئةُ الحياتيةُ لأفراد الفريق العازف المنشد..

وعرفتُ الهيبةَ الفنّية التي تُخيّمُ على الجوّ، عندما تبدأُ آلةٌ في العزفِ وحدَها..

جميلٌ هو هذا العزفُ المنفرد..

تعزفُ آلةٌ وحدَها، ثم تلحقْ بها بقيةُ الآلات، فتُحدثُ أنغاما وإيقاعاتٍ وإنشاداتٍ كأنها العُرس..

بل هو العُرسُ الفنيّ الرفيع أتحفَنا به «أبناء زرياب»!

يتناوبون على العزف المنفرد، ثم يُعطَى المجالُ لحوارٍ بين آلتيْن.. حيث تصمتُ كلُّ الآلات، إلا الكمانُ والكمان..

ويتسَلْطَنُ الكمانان..

حوارٌ بين الثنائي الكماني يُساهمُ الجميعُ في إنجاحِه.. فكأنّنا أمام إشكالية لن يفُكَّ رموزَها إلا هذا الحوار الثنائي.. ولْنَقُلْ إنها أنثى وذكر يتحاوران بالأنغام، أمام العموم، ولكن هما وحدَهُما

يعرفان ما يقولان..

وبين الحين والحين، تصمتُ الآلات، ويصمتُ المنشدون، وينطلقُ فردٌ من الفريق، وحدهُ يُنشد.. وحدهُ يشدو..

يُغنّى على ليلاه.. يشكو.. والآلاتُ تسمع.. والعازفون يسمعون..

وما أن ينتهي الشادي، حتى يعود الفريقُ، بإجماعه، إلى التّعليق على ما سمع.. بأشعار من أرقى الأشعار الإنسانية..

أشعارٌ مشحونةٌ بالمشاعر.. مشاعر الأنغام وحُسْنِ الكلام..

فيها كلماتٌ مثلُ الشمس والقمر والمتَيَّمِ.. ووجْهِ الحبيب..

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليقات 5

  1. بلال البوزيدي:

    ليس بودي سوى أن أشكرك أخي أحمد على حضورك و على اعجابك بمجموعة “أبناء زرياب” و عن وصفك الشيق لأدائها و تعاملها, فأنت حقا قد قرأت الاشارات و استطلعت الردود منذ دخولنا الى المقر الى نهاية الأمسية, و بصفتي عضو في هذه المجموعة أحب أن أوجه الدعوة العامة نيابة عن رفاقي في الجمعية الى كل المولوعين و الغيورين والمتذوقين لهذا الفن الراقي لحضور أمسياتها وذالك كل يوم الاثنين تمام الساعة السابعة بمقر “جمعية الشيخ العلاوي” ف “أبناء زرياب” تتشرف بحضوركم و تتمنى لكم سهرات ممتعة.

    تاريخ نشر التعليق: 11/11/2009، على الساعة: 22:29
  2. تـــــســــــنــــيــــم بــــن تــــونـــــس:

    بصراحة حبيت طريقة وصفك لأبناء زرياب ، و بصفتي واحدة من أعضاء الفريق كل كلمة تحفزني لبدل مجهود أكثر و تحسين جودة الآداء
    شكر خاص لك على الحضور و على المقال ، و مجيـــئــك للحضور كل إثنين شرف كبير

    تاريخ نشر التعليق: 11/11/2009، على الساعة: 0:44
  3. إياد - دمشق:

    لقد شكلت ابتكارات زرياب وإبداعاته – الفنية منها والاجتماعية – محطة حاسمة في تاريخ الحضارة العربية في الأندلس, فهو الذي وضع أصول التراث الموسيقي والغنائي الأندلسي, وخلق للموسيقى والموسيقيين مكانة محترمة في المجتمع الأندلسي, وأقام أول معهد لتعليم الموسيقى والغناء في الغرب الإسلامي.

    تاريخ نشر التعليق: 10/11/2009، على الساعة: 17:31
  4. noamane:

    moi aussi j’ai assisté a la répétition d’hier et je partage votre point de vue surtout au niveau de la direction de chef du groupe Mr Awami c’est quelqu’un qui est professionnel et il dirige avec des signes et le reste du groupe c le seul qui les comprend.ce qui m’a plu plus ce groupe est un mélange entre les professionnels et les jeunes qui s’intéressent bcp a ce type d’art . on peut dire surement que cet art ne va pas disparaître a cause de ces jeunes

    تاريخ نشر التعليق: 10/11/2009، على الساعة: 17:15
  5. amal:

    jamil tbarkelah 3lihoum wey3tehoum ataoufi9 we ostad zeryab 3alih alef ra7ma we aghi ahmed besa7tek tamatou3 li3ichtih m3ahoum we ana kanchekrek bezaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaf

    تاريخ نشر التعليق: 10/11/2009، على الساعة: 16:16

أكتب تعليقك