صاحبة الجلالة… بقلم : سهيل كيوان

سهيل كيوان

سهيل كيوان

قد يشعر الإنسان في لحظة ما أنه حصان أو حمار، كلب أو نسر، لكنني ولأول مرة أشعر أنني – كرة قدم -! أتساءل وبذهول حقيقي..كيف لم تعتبر الكرة من أهم اختراعات البشرية في كل العصور، كيف يذكرون الطائرات والسيارات والبنسلين وأشعة إكس والكهرباء والهاتف وحتى السينما ويتجاهلون الكرة وتحديداً كرة القدم! علما أن جمهور كرة القدم أضعاف أضعاف جمهور أشعة إكس أو جمهور البنسلين.

هل رأيت مئات الآلاف خارجين إلى الشوارع لاستقبال شحنة من البنسلين! هل تعرضت حافلة للتكسير ورجم من فيها لأنهم من مشجعي التيار الكهربائي!هل اجتمعت وأصدقائك القدامى والجدد وأهل بيتك لمشاهدة التصوير بأشعة إكس!

ولا نبالغ لو قلنا إن الكرة لا تقل أهمية عن اختراع الأحرف الأبجدية، بدليل أن جمهور الكرة أكبر بكثير من جمهور الكلمة المكتوبة..عند العرب على الأقل!
هذا المخلوق المطاطي قادرعلى زرع الحقد بين الأشقاء وعلى تغيير مقادير ومصائر كثير من البشر كما يحدث لأشقاء لنا في هذه الأيام، ولهذا قالت العرب ‘من مات دون شباك مرمى فريقه فهو شهيد’!

صاحبة الجلالة كرة القدم انحنى لها عتاة السياسة وتوسلوا من خلالها رضى الجماهير، فكم ديكتاتور لم ينم ليلة لعبة ‘تقرير المصير’، وكم توسل وابتهل كأنها ليلة القدر! وكم حاكم أمر رئيس جهاز مخابراته باتخاذ ‘كافة الإجراءات’ و’الإجراءات كافة’ لضمان فوز الفريق الوطني، وكم طامع في الحكم توسل من خلالها الإطاحة بخصومه! وكم من المقموعين والجياع شبعوا وناموا ليلتهم هانئين سعداء وقد رأوا الكرة تقفز وقلوبهم معها إلى شباك الخصم!

كم من يمين وجدها فرصة لتصفية حساباته مع اليسار وكم يسار اتخذها ذريعة للسع اليمــــين! وكم هيـــئة أركان حرب حددت بدقة موعد الحرب وحتى اقتحام عاصمة العدو مستغلة حالة الخدر الكروية في العالم كما حدث لبيروت عام اثنين وثمانين.

بإمكان أي رجل سياسة الاعتراض على بناء جامعة أو جامع أو جسر أو مشروع لتحلية مياه البحر أو إقامة محطة قطارات جديدة أو فتح نفق أو الإعلان عن دولة من طرف واحد، ولكن هل سمعتم برجل سياسة جرُؤ واعترض على دعم فريق لكرة القدم!

كم من حزب ثوري حث كوادره على التغلغل بين جماهير الكرة لبث الدعاية والسيطرة على زمام الأمور من هناك!

في هذه الأيام ممكن لأي متطرف صهيوني أن يدخل المسجد الأقصى أو قبة الصخرة وأن يحرقهما، ورغم الادعاء بقداسة هذه المواقع لدى العرب والمسلمين فهم لن يتحركوا ولن تثور حميتهم كما تثور عندما تهتز شباك هذا الطرف أو ذاك!

والخائن ليس من يبيع الأوطان، بل هو من يقف مكتوف اليدين ولا يدعم الفريق شفهيا وكتابيا ورجما بالحجارة. المتواطئ هو الذي لا يبكي بمرارة ولا يلطم ويمعط شعره إذا خسرنا المباراة، وهو من لا يخرج إلى الشوارع غاضباً حاقداً لمواجهة جمهور العدو!

النقمة في البطون المتخمة قهرا تطلق باتجاه الفريق المنافس وجمهوره حتى ولو كان من الأشقاء والجيران والأنسباء، فكيف لا يفرح الديكتاتور! وكيف لا يأمر مستشاريه بتوزيع صوره في الصحف وهو في حالة عناق وهيام مع اللاعبين، ولماذا لا يتقبل التهاني من الرؤساء والملوك الأشقاء والأصدقاء إذا ما انتصر الفريق! ولم لا يُظهر كرمه ويمنح كل لاعب هدية ثمينة، (من عرق جبين أبنائه)! ولم لا يعلن الحداد لعدة أيام إذا ما خسر الفريق المباراة! بل لم لا يتدخل شخصيا ويوعز بعزل مدرب وتعيين آخر!

ألم يجئ في الأثر..عجبت لمن لا يجد القوت في بيته كيف لا يخرج ويلقي بطوبة إلى جمهور العدو!

يوم المباراة هو يوم حرية التعبير، هو يوم التعددية الحزبية والديمقراطية، في هذا اليوم يسمح للمواطن الغلبان أن يتف على الشرطي الذي تلقى أوامر عليا بتحمّل غضب الشعب مهما حصل! فهذا ليس جمهور عمال أو فلاحين أو طلبة غاضبين يطالبون بحقوقهم! فمن جاء المباراة بقلب نظيف لدعم المنتخب غفر له ما تقدم من ذنبه بين مونديالين!

عندما يدخل منتخب عربي إلى المونديال تتوحد الأمة، فلا فضل لحمساوي على فتحاوي أو إخواني على بعثي أو شيوعي ولا قومي على أممي ولا سني على شيعي أو درزي، ولا مسلم على مسيحي، أو ملكي على جمهوملكي إلا بقدر صراخه…واااااااااع جوووووول..الله أكبااااااااااار! في يوم الكرة يقف الديكتاتور مرتجفاً الى جانب أبسط جنوده مثله مثل بائع الطعمية وسائق سيارة الأجرة والحمال في الميناء، يقف مرتجفا لا يرجو سوى رحمة ربه بتأييد الفريق بهدف أو على الأقل بضربة جزاء أحد عشر مترا!

قال أحد الصالحين ‘إذا خرج فريق الأمة العربية من المونديال فالحقوا الأولى بالمعروف، الإيراني أو التركي إذا وُجد، فإذا لم تجدوه فالجار الإفريقي، فإذا خرج فعليكم بالأمريكي اللاتيني فإذا بقي الأوروبيون بعضهم ضد بعض فابحثوا بسراج وفتيلة عن لاعب في المنتخب فيه رائحة العرب مثل زين الدين زيدان وهذا أضعف الإيمان’.

كرة القدم إلى جانب جمالياتها تذكر بقباحة البعض، تذكر بذلك الثقيل الظل النتن الذي يريد أن يلعب رغم أنف الجميع، وإلا فإنه يحتجز الكرة ويمزقها بل قد يدخل الملعب ويكسر العارضات ويقتلعها ويمزق الشباك!

وعندما يسمح له المغلوبون على أمرهم باللعب لعلهم يمتصون عدوانيته فهو فوق الجميع، ممنوع تسجيل أية ضربة جزاء ضده سواء لمس الكرة بيده أو حتى لو كسر ساقاً أو رفس في بطن حارس المرمى فأغماه، فإذا تجرأ الحكم ورفع له بطاقة صفراء غضب وأدار للحكم ظهره، فإذا أصر الحكم واللاعبون على تطبيق أحكام الشرع الكروي سرق الكرة وحرم الجميع منها وقد يمزقها أو يلقي بها في هاوية لا يمكن إخراجها منها أبداً!

لا أجد شبهاً لهذا اللاعب ثقيل الظل في هذه الأيام سوى رئيس وزراء إسرائيل، فهو يريد إرغام لاعبي المنتخب العربي على اللعب وفق شروطه العدوانية وبدون أية روح رياضية من جانبه، يريد اللعب شرط أن تكون النتيجة محسومة مسبقاً لصالحه بتسعين هدفاً مقابل هدف يتيم وإلا فلا شيء، وبغير هذه الشروط فهو سيحرث الملعب ويمزق الكرة، بل وقد يقتل اللاعبين ويحوّل أرض الملعب إلى بحيرة من الدم ليس فقط لضمان فوزه بل لضمان بقائه وحيداً على أرض الملعب.

أتأمل نتنياهو وأتساءل…ألا يخشى هذا الرجل أن يستقيظ العرب في فجر يوم ما ويلاحظوا الشبه الشديد بين قبة الأقصى المبارك وكرة القدم..أين سيهرب من غضب الجماهير حينذاك..!

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

أكتب تعليقك