لو كان التعصبُ رجلاً لَ….؟….بقلم : محمد واموسي

محمد واموسي

محمد واموسي

يبدو أن الحرب تأبى أن تضع أوزارها بين مصر والجزائر حتى بعد أن فاز من فاز وخسر من خسر وتأهل من تأهل،فلم تعد المياه إلى مجاريها ولم تنقشع بعد الغيوم الكثيفة التي لبدت سماء العلاقات بين البلدين منذ أن أوقعهما سوء الحظ في مجموعة واحدة لإقصائيات كأس العالم.

كان الجميع يعتقد أن حسم “المعركة ” الرياضية بين الفريقين بتأهل الخضر إلى كأس العالم على أرض محايدة هي السودان،وعودة كلا الطرفين فريقا ومشجعين وبعثة رسمية إلى بلدهم،قد يدفع الطرفين إلى طي  صفحة الحرب ” الكروية ” ..لكن الظاهر أن صفحات عدة من تبعات هذه ” الحرب ” فتحت…

  • السودان يستدعي السفير المصري ويرفض ما نشرته وسائل الاعلام المصرية حول الاعتداء على مصريين بالخرطوم…
  • مصر تستدعي سفيرها في الجزائر للتشاور على خلفية العنف الذي صاحب مباراة البلدين في الخرطوم…
  • أنباء عن اعتزام الرئيس بوتفليقة إعادة النظر في العلاقات الجزائرية المصرية بعد مباراة السودان وأصوات تطالب بقطع العلاقات..
  • الرئيس المصري حسني مبارك يترأس اجتماع مجلس الأمن القومي المصري لبحث تداعيات مباراة مصر والجزائر…

هذه عينة من العناوين التي تناقلتها وسائل الإعلام بعد مقابلة مصر والجزائر،وكأن الأمر يتعلق بكوريا الشمالية وجارتها الجنوبية،وليس ببلدين عربيين مسلمين شقيقين يجمعهما الدم والدين والعروبة،ولست أدري لماذا انتابتني حالة من الغثيان وأنا أشاهد برنامجا على الفضائية المصرية اسمه ” البيت بيتك” وقد تحول إلى ما يشبه جناحا إعلاميا عسكريا،يخوض حربا  إعلامية موازية لحرب عسكرية.

في هذا البرنامج صعقت لما سمعته من سب وشتم للمشجعين الجزائريين ووصفهم علانية بأوصاف كالبربر والهمج والغوغاء،أوصاف لم أسمعها على أي قناة سواء كانت عربية أومصرية حتى عندما كانت آلة الحرب الإسرائيلية تحرق أطفال ونساء وشيوخ غزة بالفسفور الأبيض وتقطع جتثهم إربًا إربًا.

لا أقول هذا دفاعا عن الجزائر ولا عن مصر،بل فقط لوضع الأصبع على الداء،والتأكيد أن ماجرى ويجري الآن من توتر وحقد وتناحر بين الشعبين الشقيقين يضع الإعلام في كلا البلدين في قفص الإتهام،على اعتبار أن بعض الإعلاميين – أقول بعض الإعلاميين – هم من أشعلوا الشرارة الأولى لحفلة الشتائم والتعصب في كلا المعسكرين.

كان يفترض مثلا في الأشقاء المصريين والجزائريين أن يتخذوا إجراءات عقابية منذ ظهور الإرهاصات الأولى في تعبيء الجماهير،والتحرك ضد من تسبب في إشعال نار الفتنة وتأجيج مشاعر الغضب والتعصب لدى الجماهير ونمو الكراهية.

أعتقد أنه حينما يطلق هؤلاء المتطفلين على عالم الصحافة من ذوي الأخلاق الهابطة أو المعدومة العنان لأقلامهم، لتحريك مشاعر الكراهية بين الشعبين،والإساءة من خلال كتاباتهم الكاذبة وافتراءاتهم الباطلة إلى الآخرين ،يصبح لزاماً على الجهات ذات الاختصاص،الإسراع إلى وضع قوانين تكفل حقوق الآخرين وصيانتها من العبث والاساءة اليها من قبل امثال هؤلاء المأزومين اخلاقياً، لأن حرية الفرد تنتهي عندما تصطدم بحريات الآخرين..ولا أظن أن مثل هذه القوانين تعد إنتهاكاً لحرية الصحافة كما يدعي البعض.

يعتقد كثيرون أن ما تحمله كلمتا الصحافة والأخلاق من فرقة أكثر مما تحملانه من تقارب، وقد أدى استخدام الصحافة كأداة في صراعات اجتماعية وسياسية واقتصادية عديدة، على مدى عقود طويلة، إلى الإساءة إلى صورة الصحافة والنيل من صدقيتها لدى الجمهور،والدليل على ذلك ما يجري ويدور الآن بين المصريين والجزائريين.

ما يحدث اليوم بين مصر والجزائر شيء مخجل للطرفين معا، فقد أصبح كلا المجتمعين، بما فيهم مسؤلين كبار في الحكومتين،في مستوى وضيع هزيل،حينما تم ربط الكرة بكرامة شعب بكامله،لأن هذا التجييش للأمة وتهييئها نفسيا لدخول حرب لا مثيل لها،يكشف بما لا يدع مجالا للشك،مدى تخلفنا وتراجعنا وتذيلنا آخر قوائم  التطور والتفكير السليم.

المجتمعات الأوروبية التي عانت في السابق ويلات التعصب الرياضي لدرجة أنه كان يودي بأرواح الأبرياء ويخرب المنشآت،تنبهت مبكرا لهذا الفيروس وتصدت له بحزم،وأصبحت مبارياتها في كرة القدم  مهما علا شأنها ومهما كانت أهميتها ، مجرد مباريات كرة لا أقل ولا أكثر، يتحمس كل جمهور لفريقه الى درجة معقولة وبطريقة متحضرة ويتقبل في النهاية النتيجة النهائية سواء كانت في صالحه أو في صالح الطرف الآخر، وكفى الله المؤمنين القتال..ولا يربطها بشرفه وكرامته الشخصية ورموز وطنه.

في فرنسا مثلا وبعدما انتهت مقابلة الفصل المؤهلة إلى كأس العالم بين المنتخب الفرنسي ونظيره الإيرلندي على أرضية ملعب سان دوني الباريسي،وعلى الرغم من أن الهدف الذي منح ورقة العبور للفرنسيين إلى جنوب أفريقيا مشكوك في شرعيته، بعد أن حصر المهاجم الفرنسي تيري هنري الكرة بيده ليمررها لزميله الذي أودعها الشباك،سارعت الصحافة الفرنسية قبل الإيرلندية إلى فضح عدم شرعية الهدف لأنها الحقيقة التي شاهدها الجميع بأم عينه سواء في الملعب وعلى شاشات القنوات العالمية،الحقيقة التي لا يمكن تغييرها أو إخفاءها.

لم نقرأ مانشيطات في الصحف الفرنسية مثلا تقول ” الفرنسيون يدفنون إيرلاندا في أرض سان دوني “،ولم نقرأ أيضا في الصحف الإيرلندية “الجماهير الإيرلندية تطالب برد الإعتبار والإنتقام من الحقد الفرنسي”،لم تعلن الصحف الأوروبية مثلا أن “دبلن استدعت سفيرها في باريس للتشاور”،ولا ” الرئيس ساركوزي يعقد اجتماعا طارئا للمجلس الأمني المصغر لدراسة الرد على التشكيكات الإرلندية”،أبدا لم يحدث هذا.

لم تتكسر لا حافلة هذا الفريق ولا ذاك،ولم يتربص هذا بداك،ولم تبث القنوات التلفزية المحلية للفريق الفائز صور المشجعين يرقصون فرحا،نرى من بينهم رجال شرطة وقد نزعوا قبعتهم ” الأمنية ” وهم يقفزون فرحا مع الجمهور،ولم نرى صحافيين يفترض أن ينقلوا ما يجري بحياد وقد تحولوا إلى جنود مجندين لمناصرة هذا الطرف أو ذاك في هذه الحرب الإفتراضية..لم نرى هذا..لم نشاهد مثقفين كبار يتسابقون أمام الكاميرات للقول إن الفريق الفلاني لا يستحق أن يتأهل على حسابنا..لا لم يفعلوا ذلك.

تقدم الإيرلنديون بشكوى إلى الفيفا،وتمسك الفرنسيون بفوزهم على اعتبار أن الحكم قال إن الهدف شرعي ولا غبار عليه،لينحصر ما يمكن أن نسميه بالصراع بين البلدين في مكاتب الفيفا ودهاليزها ،فخرج العلم الإيرلندي في شوارع باريس جنبا إلى جنب مع العلم الفرنسي،كل طرف يردد أناشيد وهتافات مساندة لبلده في إطار من الإحترام المتبادل وعدم تعدي الحدود واحترام القوانين.

وفي المطار لم ينفرد أحد بأحد،ولم يعتدي هذا على داك،ولم يكسر هذا أنف الآخر،ولم تهاجم لا مكاتب شركة إير فرانس للطيران ولا الشركة الإيرلندية،لأن الأمر تعلق فقط بمباراة في كرة القدم وليس بحرب احتل فيها طرف أرض الآخر.

للأسف بين الجزائر ومصر لم يحدث هذا على الإطلاق،بل النقيض هو الذي تسيد الموقف،وللأسف – أقول للأسف – انساق بعض المثقفين والممثلين والسياسيين وراء هذا القطيع،فصار هذا الممثل أو ذاك المغني يعلن أنه سيقاطع مهرجانات الجزائر،وكأنه يأتي إليها على حسابه ومن ماله الخاص وليس المهرجان هو من يتكفل بكل شيء من تذاكر السفر و الإقامة الفاخرة إلى مصروف الجيب والليالي الملاح،وذاك يقول إنه قرر مقاطعة المسلسلات المصرية في القناة التي يديرها،وكأن من شأن خطوة كهذه أن تجعل الممثلين المصريين يسقطون في براثين العطالة وقلة الشغل.

لا أحد يمكن أن يزايد على الآخر في حبه لوطنه ولألوان علم بلده،ولا أحد يمكن أن يكون أكثر وطنية من التاني،لا فرق بين مصري وجزائري إلا بالتقوى،فيجب أولا وقف حملات التشكيك والتعالي والغرور،لأن لا دولة أكثر شأنا من الأخرى،ولا شعب يمكنه أن ينتقص أو يحتقر الآخر،الناس سواسية كأسنان المشط..كما أن سياسة نحن أمكم الحنون والدولة الكبيرة والدولة العظيمة ونحن لنا نفوذ دولي سياسة لم تعد تقنع أحدًا و أكل الدهر عليها وشرب.

يجب أن نزايد على بعضنا البعض بالعلم والثقافة والتقدم والتطور والكلمة الحرة،لا بالسب والشتم واللسان الطويل والفحش والبذاءة،ليس هذا من شيم ديننا الحنيف ولا من أخلاق أباءنا ولا أجدادنا..إنما الأمم الأخلاق ما بقيت..فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا…فمتى فسدت أخلاقنا سقطنا كما سقطوا، لأن الأخلاق هي التي ترفع من قدر المجتمعات والأمم.

للأسف لاعبو كرة القدم في كلا البلدين أصبحوا نتيجة لهذا الجنون والسخافة والتعصب الرخيص أبطالا للأمة، وكأن كرة القدم هي سبيلنا الوحيد والأوحد للتقدم والتطور والنهضة والحضارة،بينما نحن نرشق بعضنا البعض بترسباتنا الثقافية المتخلفة ونقط الضعف و الهوان والذل فينا.

أين مثقفونا الحقيقيون ؟ أين شرفاء الأمة ؟ أين حكماء البلد ؟ أين وأين وأين ؟

صحيح لو كان التعصب رجلا..

لتسربلت بالمتفجرات والقنابل..

وعانقته..



مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليقات 6

  1. مواطنة عربية:

    ما اروع المقال اشكرك اخي و اشكر كل مشارك في تعليقه.
    مستوى راقي جدا للمشاركات اول مرة اقرا تعليقات ما فيها الا كل تبادل احترام بين شعبين شقيقين لطالما تمنيت ان نبتعد عن تلك الفتنة و نتسامح بيننا.
    مند ما سمعت لعقلاء مصر كشيخنا صفوة الدعاة صفوت الحجازي . المحب للناس محمود المصري و غيرهم و كل ما قدمته قناة الناس المميزة. كما شاهدت على يوتوب محاضرة عنوانها الأوس و الخزرج و تصفيات كأس العالم للاخ فاضل سليمان. ادركت ان تلك الفئة الخبيثة الفاتنة لا تمثل ابدا الشعب المصري الطيب و هده الازمة على قدر ما اثارتنا و اسائت لنا جميعا على قدر ما ايقضتنا جميعا جزائري و مصري لعزلة و تجنب مشاهدة افلام او الاستماع لغناء شبه فنانين اسائوا كثيرا لمجتماعتنا الاسلامية كما قال الدكتور مظهر شاهين متوجها لعادل امام ماهي الرسالة التي قدمتها للمجتمع طوال 40 سنة من تمثيل.
    الفتنة التي ارادت ان تفرق بيننا ما اسائت الا مثالها في عزلهم و هدا اكبر انتقام لهم لان المصري اراه في عمرو خالد في وجدي غنيم في صفوت حجازي في الاخت الكريمة بنت مصرية و غيرهم لا في اديب غندور يسرا و اتباعهم.

    تاريخ نشر التعليق: 17/12/2009، على الساعة: 17:23
  2. عابر سبيل:

    شكرا على رزانتك و الله المقال الوحيد حتى الآن الذي اطلعت عليه و به مصداقية ، لا زال هناك حكماء يا سادة ، حتى لا يقولوا علينا يا أمة ضحكت من تــفــاهتها الأمم,

    تاريخ نشر التعليق: 23/11/2009، على الساعة: 2:20
  3. بنت السعودية:

    بوركت وبورك قلمك أخي محمد،مقال رائع لقد أصبت الحقيقة فعلا ووضعت أصبعك على الجرح

    تاريخ نشر التعليق: 22/11/2009، على الساعة: 5:51
  4. amel tunisie:

    moi je trouve ca dégo,franchement c’est la hante pour l’egypte et pour l’algérie

    تاريخ نشر التعليق: 20/11/2009، على الساعة: 14:15
  5. إيهاب:

    يا أمة ضحكت من جهلها الامم

    تاريخ نشر التعليق: 20/11/2009، على الساعة: 12:34
  6. أحمد أمة الإسلام:

    ما اقول يا اخوتي العرب لاتتفرقو وانا اقولها للجرائريين والمصريين الامة العربية تحتاج لكما في هذا الوقت كتحديين اكثر من اي وقت وانهم اليهود الملاعين هم من نشرو تلك الاقاويل الكاثبة التي لاتخرج من فمعربي مطلقا وضعف الامة في شتاتها فكيف وانتم راسها لا تتفرقو يا عرب وافيقو للمكيدة اليهودية\ وشكرا أخي محمد على المقال الرائع

    تاريخ نشر التعليق: 20/11/2009، على الساعة: 12:33

أكتب تعليقك