مهزلة جزائرية مصرية …بقلم : عبد الباري عطوان

عبد الباري عطوان

عبد الباري عطوان

تحتل اربع دول عربية المراتب الاولى على قائمة الدول الأكثر فسادا في العالم، اضافة الى افغانستان، حسب منظمة الشفافية الدولية، ولكن لم يخطر في بالنا مطلقا، ان تستخدم انظمتنا الرياضة من اجل تحويل الانظار عن فسادها ودكتاتوريتها القمعية، وبذر بذور الكراهية بين ابناء الأمة الواحدة، مثلما شاهدنا في الايام العشرة السوداء الاخيرة، التي بدأت وانتهت بمباراتي فريقي مصر والجزائر، في تصفيات نهائي كأس العالم الصيف المقبل في جنوب افريقيا.
هذا المخزون الكبير من الكراهية الذي انعكس في تصرفات النخب السياسية والاعلامية في البلدين جاء مفاجئا بالنسبة الينا، وربما لمعظم العرب الآخرين، بحيث يدفعنا لاعادة النظر في الكثير من المقولات حول الاخوة والروابط المشتركة، والانتماء الواحد للعرق والعقيدة.
نحن امام حرب حقيقية، وعمليات تجييش اعلامي ودبلوماسي لم يسبق لها مثيل، وكل هذا من اجل الفوز في مباراة كرة قدم بين فريقي دولتين وشعبين شقيقين، من المفترض ان الفائز من بينهما سيمثل العرب جميعا في هذه المسابقة الكروية الدولية.
عندما قرأت انباء عقد الرئيس حسني مبارك اجتماعا طارئا لاركان دولته، ابتداء من مجلس الوزراء ومرورا بقائد جهاز المخابرات، وانتهاء برئيس هيئة اركان الجيش المصري، تبادر الى ذهني ان مصر على ابواب مواجهة مصيرية مع اعداء الأمة والعقيدة، ولم اصدق ان هذا الاجتماع غير المسبوق منذ الاعداد لحرب العاشر من رمضان اكتوبر المجيدة عام 1973، هو لبحث كيفية الرد على العدوان الجزائري المزعوم في الخرطوم، الذي اسفر عن اصابة عشرين مشجعا مصريا.
هذه ليست مصر الكبيرة العظيمة، حاضنة الامة ورافعتها، وفخر العرب جميعا بتضحياتها وابداعاتها في الميادين كافة. هذه مصر اخرى لا نعرفها، وفوجئنا بها، وبعض سلوكيات اهل الحكم فيها، وحوارييهم خاصة، في وسائل الاعلام المقروءة والمرئية.
‘ ‘ ‘
الحكومة المصرية لم تسحب سفيرها في تل ابيب عندما اعتدت اسرائيل على لبنان مرتين، الاولى عام 1982، والثانية في عام 2006، ولم تطرد السفير الاسرائيلي وتغلق سفارته في القاهرة، عندما اجتاحت قواتها قطاع غزة، واستخدمت الفوسفور الابيض لحرق اجساد الاطفال والنساء، رغم ان هذا القطاع يخضع حتى هذه اللحظة للادارة المصرية قانونيا، وثلاثة ارباع ابنائه يرتبطون بروابط الدم او النسب مع اشقائهم في مصر.
ان يعتدي جزائريون على اشقائهم المصريين العاملين في عاصمة بلادهم، فهذا امر مستهجن ومدان وغير اخلاقي، وان يقذف مشجعون مصريون حافلة الفريق الجزائري وهو في طريقه من مطار القاهرة الى مقر اقامته، فهو امر معيب ايضا، ولكن لا هؤلاء، ولا اولئك يمثلون الغالبية الساحقة من ابناء الشعبين المصري والجزائري، وانما قلة منحرفة موتورة حاقدة.
الشغب الكروي امر عادي يتكرر اسبوعيا في مختلف انحاء العالم، بما في ذلك اوروبا ‘المتحضرة’، وهناك امثلة لا حصر لها عن اشتباكات بين مشجعين انكليز وفرنسيين او المان وروس، بل وبين مشجعي فريقين من المدينة الواحدة، يسقط فيها عشرات القتلى والجرحى، ولكن لا تتدخل الحكومات ولا تسحب سفراءها، وتترك الامور في نطاقها الكروي.
في اليوم نفسه الذي كانت تدور فيه احداث الحرب الكروية المصرية الجزائرية على ارض ام درمان السودانية، تقابل منتخبا فرنسا وايرلندا، وفاز الاول بهدف من جراء لمسة يد من احد مهاجميه (تيري هنري) اظهرتها عدسات التلفزة بكل وضوح، واعيدت اللقطة مئات المرات على شاشات التلفزة العالمية، بل واعترف اللاعب نفسه انه مارس الغش ولمس الكرة متعمدا، ولكن لم نر التلفزيونات الايرلندية تستضيف الكتاب والشعراء والفنانين والرياضيين الايرلنديين لتوجيه اقذع انواع السباب الى الشعب الفرنسي او حكومته، او حتى للاتحاد الدولي لكرة القدم الذي رفض طلبا باعادة المباراة تقدم به رئيس وزراء ايرلندا.
‘ ‘ ‘
الحكومتان الجزائرية والمصرية تعمدتا صب الزيت على نار الاحقاد، وانخرطتا في عمليات تعبئة وتجييش لمشجعي شعبيهما ضد بعضهما البعض، لاسباب سياسية مريضة وغير اخلاقية.
الحكومة المصرية كانت تريد فوزا يشغل الشعب المصري عن الظروف المعيشية المزرية التي يعيشها، جراء الفساد والبطالة، وبما يسهل عملية التوريث التي واجهت حملات شرسة عرقلت مسيرتها بعد دخول مدفعيات ثقيلة في المعركة ضدها، مثل السادة محمد حسنين هيكل، والدكتور محمد البرادعي، والسيد عمرو موسى.
الحكومة الجزائرية ارادت تحويل انظار الشعب الجزائري عن النهب المنظم لثرواته، وتفاقم معاناته، وركوب ابنائه قوارب الموت بحثا عن لقمة عيش على الساحل الاوروبي من البحر المتوسط، بسبب استفحال البطالة في بلد يعتبر الاغنى في محيطه، لثرواته الهائلة من النفط والغاز والزراعة والصناعة.
كان القاسم المشترك بين النظامين المصري والجزائري واضحا في استاد المريخ في ام درمان، حيث تصدر ابنا الرئيس مبارك جمال وعلاء منصة الشرف، جنبا الى جنب مع شقيقي الرئيس الجزائري اللذين مثلاه في المباراة. اليس هذا دليلا اضافيا على المحسوبية، والتوجه نحو التوريث، والضرب عرض الحائط بالدساتير، وتقاليد الانظمة الجمهورية المتبعة في العالم بأسره؟
وما نستغربه اكثر هو حال الغضب المصري الرسمي، وربما الشعبي ايضا، تجاه السودان الشقيق، الذي ليس له في هذه الحرب ناقة او جمل، ولم يستشر فيها، وانما جرى فرضها عليه من قبل اشقائه الشماليين ايمانا منهم بوحدة وادي النيل، الذين اختاروا الخرطوم كأرض اهلها اقرب اليهم لاستضافة المعركة الحاسمة.
‘ ‘ ‘
الحكومة السودانية يجب ان تتلقى كل الشكر، لا اللوم، من قبل نظيرتها المصرية، لانها نجحت، رغم امكانياتها القليلة، في توفير اجواء امنية طيبة، وسيطرت على حوالى اربعين الف مشجع من البلدين وانصارهما، ولم تحدث اي خروقات امنية داخل الملعب او خارجه، باستثناء اشتباكات محدودة ادت الى اصابة بعض المشجعين بجروح طفيفة، عولجت في حينها، ولم يمكث اي من المصابين ساعة واحدة في المستشفى. وحتى لو اصيب عشرون مشجعا مصريا نتيجة اعتداءات مشجعين جزائريين، وسكاكينهم، فإن هذا الرقم لا يذكر بالمقارنة مع مشاعر الكراهية المتأججة في اوساط الجانبين.
كان من المفترض ان تقدر الحكومتان المصرية والجزائرية الادارة المتميزة لنظيرتهما السودانية للأزمة، ونجاحها في منع مذابح حقيقية على ارضها، لا ان تقدم الحكومة المصرية على استدعاء السفير السوداني لابلاغه احتجاجا على تقصير حكومته في حماية المشجعين المصريين بالشكل الكافي.
ختاما نقول إننا شعرنا بالخجل، بل والعار، كأعلاميين ونحن نتابع الإسفاف الذي انحدرت اليه وسائل اعلام في البلدين، لم نتصور مطلقا ان يهبط مستوى بعض الزملاء الى هذه المستويات الدنيا، من الردح والتحريض ضد الطرف الآخر وحكومته وشعبه.
انها سابقة خطيرة، يندى لها الجبين، نعترف فيها بان نظامي البلدين صدّرا ازماتهما مع شعوبهما من نافذة مباراة كرة قدم، بايقاع اقرب شعبين الى بعضهما البعض في مصيدة الكراهية والاحقاد. لقد نجح النظامان بامتياز في مكرهما هذا، بينما يدفع الشعبان الطيبان، والامة العربية ثمنه غاليا.

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليق 11

  1. جزائري:

    نداء الى الاخوان الجزائريين
    الرجاء عدم الرد على هذا السفيه الذي يسمي نفسه عمر حاشا الاسم …..هذا حمار و بهيمة غبي نهض اليوم فقط من سباته …..الرجاء عدم الرد لان الرد على السفيه مذلة ..اتلسكوت على الاحمق جوابه …الى كل جزائري في قلبه ذرة من الكبرياء و حب بلده عدم الرد وشكرا
    تحيا الجزائر و الجزائريين

    تاريخ نشر التعليق: 18/05/2010، على الساعة: 18:51
  2. عمر:

    ايها الجزائربن تقالو مصر تركت غزه وتركت اخونهم الفلسطنيون اين انتم ياجزائريون امامك البحر المتوسط لو كان يجد عندكم قائد جزائري رجل بل يقتل اسرئيل انتم لاتجدون سواء الكلام والشتئم والارهاب ثم تقالوا مصر خانا انتم غير قدرين ان تتكلمو بلغه دينكم لا تعرفوا شيي في دين نحن مصرين نمتلك نور معرفه الاسلام و هو الارهر ياتي المسلمون من اخر العالم ليتعالمو كلام الله وقد زكر الله جلال جلاله مصر في القراءن

    تاريخ نشر التعليق: 18/05/2010، على الساعة: 17:52
  3. مصراوى 2010:

    ماشى يا عم الحطيست سبنا ليكم الغناء والعز والرقى قال يعنى انتم شبعنين دة الجزائر افقر دول العرب

    تاريخ نشر التعليق: 02/02/2010، على الساعة: 0:30
  4. رويدا:

    ال جزاير ال

    تاريخ نشر التعليق: 05/12/2009، على الساعة: 21:34
  5. طيب قرمي:

    صدق نزار قباني لما قال في شعره متى يعلنون وفاة العرب ؟
    أحاولُ منذ الطُفولةِ رسْمَ بلادٍ
    تُسمّى – مجازا – بلادَ العَرَبْ
    تُسامحُني إن كسرتُ زُجاجَ القمرْ…
    وتشكرُني إن كتبتُ قصيدةَ حبٍ
    وتسمحُ لي أن أمارسَ فعْلَ الهوى
    ككلّ العصافير فوق الشجرْ…

    أنا منذ خمسينَ عاما،
    أراقبُ حال العربْ.
    وهم يرعدونَ ، ولايمُطرونْ…
    وهم يدخلون الحروب ، ولايخرجونْ…
    وهم يعلِكونَ جلود البلاغةِ عَلْكا
    ولا يهضمونْ…

    أيا وطني: جعلوك مسلْسلَ رُعْبٍ
    نتابع أحداثهُ في المساءْ.
    فكيف نراك إذا قطعوا الكهْرُباءْ؟؟

    أنا…بعْدَ خمسين عاما
    أحاول تسجيل ما قد رأيتْ…
    رأيتُ شعوبا تظنّ بأنّ رجالَ المباحثِ
    أمْرٌ من الله…مثلَ الصُداعِ…ومثل الزُكامْ…
    ومثلَ الجُذامِ…ومثل الجَرَبْ…
    رأيتُ العروبةَ معروضةً في مزادِ الأثاث القديمْ…
    ولكنني…ما رأيتُ العَرَبْ!!…

    تاريخ نشر التعليق: 25/11/2009، على الساعة: 15:59
  6. د / محمد الخداش:

    لا تعجب يا عزيزي عطوان مما يحدث!!! لاننا عرب فكل شي جائز منا وفينا وعلينا وفيما بيننا ولا شي جائز لنا… تاريخنا يشهد بهذا وماضينا فيه الكثير مما لا نجرؤ حتى ع فتحه او تقييمه وحاضرنا لا يسر عدونا قبل حبيبنا ولا نحسد عليه البتة ومستقبلنا مجهول مجهول مجهول…ساستنا مشغولون بالجمهوملكية ونهب الشعوب وعلماؤنا منشغلون بأي الاقدام نبدأ عند دخولنا الحمام او بتغليف ست الحسن والجمال حواء اللهم لا حسد .. ومبدعونا اما باحث عن لقمة عيشه واما هائم ع وجهه متغرب في اصقاع الارض باحث عن رزقه بعد ان ضاقت به 14مليون كم2..تمتلئ بالاسلاك الشائكة والمخافر والكلاب…مايحدث بيننا وفينا وعلينا ليس الا القليل مما سيأتي نتيجة لخنوعنا وضعفنا وذلنا فالأيام لازالت حبلى بالكثير من المفاجأت والمفارقات والعجائب والغرائب…فنحن احفاد البسوس من تحاربنا بسب ناقة 40عاما ونحن اصحاب داحس والغبراء والسبب سباق خيلين…لا تعجب يا عزيزي عطوان … فلأننا عرب………………………………….. لا تعجب ايها المتنور الثائر… لا تعجب..لاتعجب!!!!!!

    تاريخ نشر التعليق: 25/11/2009، على الساعة: 3:17
  7. متابع:

    لقد عبرت عما في النفس .. شكرا لك استاذ عبد الباري وان شاء الله تعرف الشعوب حقيقة هذه الانظمة التافهة التي باتت تستخدم كل شيء بما فيها الاخوة والعلاقات بين الشعوب لبقائها على الكراسي وتوريثها ونهب ثروات الشعوب

    تاريخ نشر التعليق: 25/11/2009، على الساعة: 3:16
  8. جزائري:

    إلى كنت فكرك كاتب بتفهم
    على الأقل اكتب باللغة العربية حتى نفهم ما تقول. لا تنسى ا، جدك فرغون كان يتزوج مع اخته، فلا عجب ان تكون السلالة من……..

    تاريخ نشر التعليق: 24/11/2009، على الساعة: 12:39
  9. طيب قرمي:

    ليس لأني جزائري أحب بلدي سأكون موافق مع التعليق لكن سأوجه رسالتي عل و عسى ان يقرأها مروجوا الفتنة المصرية بل اقصد شعب الله المختار ( اليهود) الذين نسبوا انفسهم للفراعنة و نسيوا ان هناك صحابة رضوان الله عليهم اجتهدوا في فتح مصر ليصبح شعب مصر عربي مسلم أن يسنبوا انفسهم الى الاسلام .إن الشعب الجزائري و بعد كل ما جرى من تجريح لمشاعر الجزائريين من شتم و تطاول على رموز الثورة الجزائرية لا يحقد على المصرين لأننا على يقين أن الشعب المصري ليس هو الطاقم الذي شاهدناه على فضائيات الفتنة و نحن نعلم أن شعب مصر متعب من الفقر و الحرمان و الظلم و الجهل لذلك مسنا من بعضه و سامحهم الله إعتداءات متكررة و بغيضة نرجوا من الله عز و جل ان يجمع شمل المسلمين و نقول حسبنا الله و نعم الوكيل لأبناء الفراعنة الذين زرعوا بذور الفتنة

    تاريخ نشر التعليق: 23/11/2009، على الساعة: 16:38
  10. كنت فكرك كاتب بتفهم:

    كل ده ولسه فاكر ان كل الوساخة وقلة الأدب والقذارة بتاعة الجزائريين دي علشان مطش كورة
    دا انت عايش في غيبوبة

    تاريخ نشر التعليق: 23/11/2009، على الساعة: 11:34

أكتب تعليقك