حَجرُ البرادعي يُدمي المُستَبدين… بقلم : عبد الباري عطوان

عبد الباري عطوان

عبد الباري عطوان

من يتابع الاعلام الرسمي المصري، المكتوب منه او المرئي، والحملة الشرسة التي يشنها حاليا ضد الدكتور محمد البرادعي المدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، يتكون لديه انطباع راسخ بأن هذا الاعلام يمثل نظاما ماركسيا متطرفا، تخوض قواته المسلحة معارك دموية طاحنة لتحرير فلسطين من الاحتلال الاسرائيلي، والعراق وافغانستان من الاحتلال الامريكي.
فالدكتور البرادعي من وجهة نظر هذا الاعلام عميل امريكي، متستر على البرنامج النووي الاسرائيلي، ومتواطئ مع الولايات المتحدة ضد البرنامجين النوويين الايراني والكوري الشمالي، ولعب دورا كبيرا في تبرير الغزو الامريكي للعراق وتسهيله، بتأكيد وجود اسلحة الدمار الشامل العراقية.
سبحان الله، اصبح هذا الاعلام ونظامه حريصاً على البرنامج النووي الايراني، بل والكوري الشمالي ايضا، ومتعاطفاً مع سورية في مواجهة العدوان الاسرائيلي الذي استهدف منشآتها النووية المزعومة في منطقة الكبر قرب دير الزور في الشمال الشرقي، وهو الذي ابدى طوال الاعوام الماضية كل الشماتة في سورية، وضخّم بشكل مبالغ فيه حجم الخطر الايراني على الامة العربية، وكان اداة تحريض شرسة ضد النظام العراقي السابق ومحاولات الاطاحة به بالقوة العسكرية.
كل هذا العداء لامريكا واسرائيل، والتعاطف القوي مع ايران وسورية، بل ونظام الرئيس الراحل صدام حسين، جاء لان الدكتور البرادعي طالب بتعديل الدستور المصري، واجراء انتخابات رئاسية نزيهة برقابة دولية، واشراف قضائي كامل.
الدكتور البرادعي ارتكب جريمة كبرى لانه لمّح، مجرد التلميح، لاستعداده للترشح في انتخابات رئاسية نزيهة، ووصف النظام السياسي المصري بأنه دكتاتوري مستبد وغير ديمقراطي، ولا يوفر المناخ الشرعي للممارسة السياسية، فهذه منطقة محرمة عليه، او اي مصري آخر، ومحجوزة فقط للرئيس ونسله.
‘ ‘ ‘
نفهم ان يتبارى كتبة النظام، ووعاظ السلطان، في نحت شتائم جديدة من قاموس البذاءة الذي برعوا في استخدامه ضد خصوم نظامهم، مصريين كانوا ام عربا، على مدى الثلاثين عاما الماضية، في حملتهم الاخيرة ضد الدكتور البرادعي ابن جلدتهم، وحامل اعلى الأوسمة من رئيسهم، وهي بذاءة تتواضع امامها بذاءات الاعلام نفسه ضد الاشقاء الجزائريين، التي بلغت ذروة بشاعتها اثناء معركة التأهل لنهائيات كأس العالم الكروية الاخيرة، لكن ما لا نفهمه، ولا يمكن ان نتفهمه، ما ورد على لسان الدكتور مفيد شهاب وزير الشؤون البرلمانية والقانونية، واستاذ القانون الدولي، في كلية الحقوق جامعة القاهرة، ومربي اجيال من الخبراء ورجال القانون في مصر والعالم العربي بأسره.
الدكتور شهاب يرى ان الدكتور البرادعي ارتكب خطأ كبيرا بالحديث عن استعداده للترشح لانتخابات الرئاسة، لانه من وجهة نظر الدكتور شهاب ‘لم يذق طعم الفقر، ولم ‘يتمرمط’ كسائر المصريين’ حتى يسعى لحكم مصر.
هذه هي المرة الاولى التي نقرأ فيها ان من شروط الترشح لرئاسة الجمهورية في مصر ان يكون هذا المرشح فقيرا، معدما، بل ويعاني من مرض البلهارسيا وفقر الدم ويعتلي اسطح القطارات لعدم قدرته على دفع ثمن تذكرة السفر.
الامر المؤكد ان الغالبية الساحقة من الثمانين مليون مصري مستعدة لقبول شرطي الفقر و’المرمطة’، وليس تطبيقهما على مرشحي رئاسة الجمهورية فقط، وانما على جميع الطامعين لتولي مناصب وزارية او دبلوماسية.
الدكتور البرادعي يستحق الشكر مرتين، الاولى لانه فضح هذا الاعلام ‘الفاقد للمصداقية والمهنية والأمانة والحد الادنى من الاخلاق’، والاقتباس هنا من حديث ادلى به الى صحيفة ‘الشروق’ المصرية، والثانية لانه كسر حاجز الخوف، وارتقى بمستوى العمل السياسي في مصر، وتصدى لعملية التوريث من ارضية علمية وادارية متقدمة.
‘ ‘ ‘
مصر العربية كانت وما زالت بحاجة الى شخصيات مثل الدكتور البرادعي، وفي وزنه العلمي، وخبرته الادارية والقانونية العالمية، لكي يقرع الجرس، ويوقظها من سباتها في بحر من الفساد والديكتاتورية والعفن، ويذكرها، وشعبها، بمدى ضياعها، وحال التحلل التي تعيشها، والانحراف الكبير عن دورها كقوة اقليمية عظمى اصبحت ‘ملطشة’، وتحولت الى حارس امين لاسرائيل وعدوانها،علاوة على حماية المصالح الامريكية وحروبها في المنطقة ضد العرب والمسلمين.
فإذا كانت أرضية التنافس مع الدكتور البرادعي وامثاله ارضية ‘وطنية’، مثل التركيز على حتمية تدمير البرنامج النووي الاسرائيلي، قبل الحديث عن تدمير البرنامج النووي الايراني، والانحياز الى القضايا العربية العادلة، ومساندة المقاومة العربية في العراق وفلسطين ضد الاحتلالين الامريكي والاسرائيلي، فإن حظوظ الدكتور البرادعي في الفوز برئاسة مصر ستظل محدودة للغاية. ولكننا ندرك جيداً ان النظام في مصر لا يريد حتى ان يغير جلده، وسيستمر في سياساته الحالية والعمل على توريثها لنسله ‘المقدس’.
مصر تعيش حراكاً سياسياً غير مسبوق هذه الايام، وهو حراك صحي، ربما يسرّع باخراج البلاد من ‘الموت السريري’ الذي تعيشه حالياً، ويبث فيها حياة جديدة، تمهيداً لعودتها الى مكانتها الريادية في المنطقة والعالم.
المطلوب ان لا يُترك الدكتور البرادعي يواجه هذه المهمة الصعبة والثقيلة لوحده، حتى لا تنفرد به كلاب السلطة المتعطشة لنهش لحمه، وارهاب الآخرين الذين قد يتجرأون على السير على الدرب نفسه.
المسألة ليست في فرص فوز الدكتور البرادعي او عدمها، وانما في كيفية اصلاح بواطن الخلل في الحياة المصرية بمختلف جوانبها، والسياسية منها على وجه الخصوص، من خلال وضع دستور يفتح المجال لتنافس حر، في اطار عملية ديمقراطية شفافة، وحريات عامة، ورقابة برلمانية واعلامية حقيقية لسلطة تنفيذية تكون خدمة المواطن على قمة اولوياتها الوظيفية.
‘ ‘ ‘
مصر مليئة بالكفاءات والخبرات، فلماذا لا نرى اشخاصاً مثل طارق البشري، وسليم العوا، ومحمد حسنين هيكل، وعمرو موسى تنزل الى ساحة المنافسة، جنباً الى جنب مع الدكتور البرادعي في ‘مهمة انقاذ’ فدائية؟
سعدنا كثيراً عندما سمعنا ان السيد عمرو موسى مستعد للعودة من ‘منفاه الحالي’ في الامانة العامة للجامعة العربية، والترشح الى انتخابات الرئاسة، فالرجل يتمتع بخبرة سياسية وادارية مشهود لها بالكفاءة والتميز، حيث جمع بين الحسنيين، اي العمل العربي العام من خلال منصبه الحالي، والعمل الوطني على الساحتين المصرية والدولية، بحكم منصبه السابق، كما انه معروف بتوجهاته العروبية وايمانه بعمق مصر العربي.
الدكتور البرادعي القى حجراً كبيراً في البركة المصرية الراكدة وهو ما زال في فيينا ولم تطأ قدماه ارض مصر، ترى كيف سيكون الحال اذا ما عاد فعلاً، وبدأ معارضته الحضارية للنظام الحاكم وفساده وديكتاتوريته؟
نخشى على الدكتور البرادعي من مؤامرات النظام ورجالاته، نخشى على حياته، مثلما نخشى على سمعته من الضغائن والاحقاد وحملات ‘اغتيال الشخصية’ التي بدأت، ولا نعتقد انها ستتوقف.
ختاماً، نؤكد للمرة الألف، اننا نهتم بمصر وحاضرها ومستقبلها، انطلاقاً من ايماننا بأنها هي القاطرة، وهي إحدى أبرز بؤر التغيير ورافعاته في المنطقة العربية، فنهضتها نهضة للأمة، والباقي متروك لفهمكم.

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

أكتب تعليقك