مصر والجزائر : اعترافٌ متأخر…بقلم : عبد الباري عطوان

عبد الباري عطوان

عبد الباري عطوان

الدكتور مفيد شهاب وزير الشؤون القانونية والمجالس النيابية المصري فاجأنا، مثلما فاجأ الكثيرين، عندما اعترف بأن مشجعين مصريين كانوا وراء الاعتداء الذي تعرضت له حافلة كانت تقل لاعبي فريق الجزائر لكرة القدم قبيل مباراتهم مع نظرائهم المصريين على استاد القاهرة، للتأهل للتصفيات النهائية لكأس العالم الصيف المقبل في جنوب افريقيا.

هذا الاعتراف ‘المتأخر’، الذي نقلته وكالة انباء الشرق الاوسط الرسمية، وادلى به اثناء مخاطبته اجتماعا للحزب الوطني الحاكم، جاء ردا على محطات تلفزة مصرية ‘خاصة’ اصرّت على ان لاعبي المنتخب الجزائري هم الذين قاموا بالاعتداء على الحافلة، وحطموا نوافذها من الداخل، وشجّوا رؤوس زملائهم بقضيب حديدي كان في حوزتهم لحث الاتحاد الدولي لكرة القدم على إلغاء المباراة، او نقلها الى عاصمة أخرى، وهي رواية صدقها الكثيرون للأسف.

الدكتور شهاب، الذي أعرفه شخصيا حيث كنت أحد تلاميذه، ودرست على يديه مادة المنظمات والقوانين الدولية، لم يتردد في توجيه اللوم الى الدور الذي لعبه الاعلام المصري في الأزمة مع الجزائر، وخطورته. وأشار بأصبع الاتهام إلى قنوات تلفزيونية خاصة، مؤكدا أن العلاقات الدولية لا تحكمها الانفعالات، وأن المصالح أبقى من العواطف.

هذه خطوة جيدة، تعكس توجها تصالحيا من قبل الحكومة المصرية لطي صفحة الخلاف مع الجزائر، وإعادة الأمور إلى سيرتها الأولى، ولو بشكل تدريجي، الأمر الذي يتطلب توجها مماثلا من الحكومة الجزائرية، أو هكذا نأمل، لأن استمرار التوتر في العلاقات لا يخدم إلا ذوي النوايا السيئة في البلدين.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو عن صمت الدكتور شهاب، والعديد من المسؤولين المصريين الآخرين، طوال فترة الأزمة، وتجنبهم ذكر كل هذه الحقائق، حيث مارس بعض قنوات هذا الاعلام الخاص، المعزز بكتيبة من الفنانين ومقدمي البرامج المشهورين، كل أنواع الكذب والدجل، والتحريض ضد شعب شقيق، بل وضد روابط الدم والعقيدة والتاريخ التي تربط مصر بأشقائها العرب والمسلمين.

فظهور مسؤول مصري كبير في وزن الدكتور شهاب على شاشات التلفزة في ذروة الأزمة ساردا الحقائق، ومطالبا بلجم ‘حالة السّعار’ التي سادت قنوات تلفزيونية معينة، وبعض الوجوه الحاقدة على العرب والمسلمين، كان سيؤدي حتما الى التهدئة، وتجنب الكثير من الخسائر، ان لم يؤد الى منعها، وقطع الطريق على هذه الجوقة، والاضرار التي الحقتها بمصر ومصالحها، وعلاقاتها مع أقرب اشقائها.

بعض القنوات التلفزيونية المصرية، بل وبعض مقدمي البرامج فيها بشكل أصح، ينفذون، ونقولها بأسف، أجندات خاصة، ليست لها علاقة بمصر ومصالح شعبها، ويفتقرون الى الحد الأدنى من الثقافة السياسية، وفهم طبيعة العلاقات الدولية، وكل رصيدهم محصور في توجيه معلقات من الشتائم لخصومهم، أو خصوم من يقفون خلفهم، الذين يحركونهم عن بعد بالروموت كونترول، هؤلاء الذين نهبوا ثروات الشعب المصري وعرقه، وأقاموا دولة داخل الدولة.

ولا بد من التسجيل هنا، بأنه مقابل هذه الحفنة الحاقدة في الإعلام المصري، ونعترف بأنها حفنة مؤثرة، هناك مخزون كبير من العقلاء في صحف ومحطات تلفزة مصرية، كانوا صوت العقل، بإبرازهم الوجه المشرق والمسؤول لمصر وهويتها الوطنية العربية والاسلامية.

نعم.. بعض أوساط الإعلام الجزائرية خرجت عن الأصول، وتطاولت على الشعب المصري، وحرضت ضده بطرق بشعة، وروجت لأكذوبة تعرض بعض المشجعين الجزائريين للقتل في القاهرة، ولكن هذه الاوساط الاعلامية الجزائرية محدودة التأثير، ولا تقارن مطلقا بالمدافع الإعلامية المصرية الثقيلة في المقابل، التي جيشت كتائب وفرقا من الفنانين المعروفين، لنفث السموم وحفر جروح غائرة في نفوس الاشقاء الجزائريين، مثل قول احدهم ‘إنها ليست ثورة المليون شهيد.. بل المليون لقيط’، وهي كلمات معيبة لا يمكن إلا أن تمثل قائلها ومستواه الأخلاقي المتدني، وليس الشعب المصري الأصيل المعطاء الذي عانقت دماؤه دماء أشقائه الجزائريين اثناء حرب التحرير، وقدم آلاف الشهداء في خدمة قضايا أمته وعقيدته.

هذا الاعلام نفسه يخوض حاليا حملات تشويه، وإن كانت أقل حدة لأنها في بداياتها، ضد الدكتور محمد البرادعي الرئيس السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، لأنه ‘فكر’، مجرد ‘التفكير’، بالترشح لمنصب الرئاسة في الانتخابات المقبلة منافسا للرئيس مبارك أو نجله جمال.

مشكلة الدكتور البرادعي من وجهة نظر المجموعة المهيمنة على معظم أوساط الإعلام الخاص، وجميع صحف الدولة وتلفزيوناتها، أنه رجل مؤهل، يحظى بسمعة دولية، وقرر أن يوظف خبراته العلمية والادارية في خدمة بلاده.

الدكتور البرادعي ارتكب خطيئة كبرى عندما دخل ‘المنطقة المحرّمة’ على جميع أبناء الشعب المصري، باستثناء الرئيس مبارك ونسله، ولمّح، مجرد التلميح، إلى نواياه بدخول المعترك السياسي ولكن بشروط. الامر الذي فتح عليه حملة تحريض ‘مدبرّة’ يقودها بلطجية إعلام رجال الاعمال المرتبطين بالمؤسسة الحاكمة في البلاد، والمتحالفين مع لجنة السادات، ويتمتعون بعضوية الحزب الحاكم ودعمه.

قالوا إنه يحمل جنسية أجنبية، وعندما تبين لهم عكس ذلك، أشاروا الى أنه يفتقر الى التجربة السياسية والحزبية، التي تؤهله لتولي منصب رئيس الدولة، مثله مثل علماء أجلاء كأحمد زويل، وفاروق الباز وغيرهما. فجائرة نوبل تتواضع امام جائزة الرئاسة.

فإذا كان الدكتور البرادعي يفتقر الى الخبرة السياسية، وهو الذي تعامل مع أكثر القضايا السياسية العالمية خطرا وتعقيدا، مثل الملفين النوويين الايراني والكوري الشمالي وقبلهما العراقي، وقابل وتعامل مع جميع زعماء العالم الفاعلين والمؤثرين مثل جورج بوش الابن وباراك اوباما (امريكا)، وانجيلا ميركل (المانيا)، وغوردون براون (بريطانيا)، ونيكولاي ساركوزي (فرنسا) وديمتري ميدفيدف وفلاديمير بوتين (روسيا)، فمن هم الزعماء العالميون الذين قابلهم السيد جمال مبارك، وما هي المنظمات الدولية التي تولى زعامتها، والملفات الخطيرة التي تولى ادارة ازماتها؟

ربطنا بين التحريض الاعلامي ضد الشعب الجزائري والدكتور البرادعي ليس من قبيل الصدفة، لأن القصد من وراء هذا التحريض واضح، وهو مسألة الوراثة، وكيفية تسهيل تمريرها بأقصر الطرق وأكثرها سلامة.

فالذين صعّدوا ضد الجزائر اأرادوا أن يوظفوا النصر الكروي في خدمة هذه المحصلة في حال انجازه، وهذا ما يفسر تصدر نجلي الرئيس المشجعين في المباراتين الحاسمتين في القاهرة والخرطوم، او افتعال ازمة مع الجزائر لتحويل الانظار عن مشاكل مصر الداخلية المتفاقمة، بتصديرها الى عدو خارجي، وهذا ما حدث.

والذين يصعّدون حاليا حملاتهم ضد الدكتور البرادعي، ونحن لسنا من اصدقائه او مريديه على اي حال، يجدون انفسهم امام ‘بلدوزر’ تتمثل فيه كل الصفات التي تؤهله للمنافسة من موقع قوة، على منصب الرئاسة في حال ما قرر خوضها.

مصر وباختصار شديد، أمام مخاض حقيقي، بدأت إرهاصاته بارتباك أجهزة اعلام الحكم وحوارييه في افتعال ازمات، وقطع علاقات مع معظم الدول العربية، وحالة الحراك السياسي التي بدأت تتفاعل قبل الازمة الكروية الاخيرة مع الجزائر، واطلق رصاصتها الاولى السيد محمد حسنين هيكل، بمطالبته بمجلس امناء يحكم مصر، لفترة مؤتقة، ويشرف على انتخابات رئاسية نزيهة، واطلق رصاصتها الثانية السيد عمرو موسى عندما لم يستبعد نزوله الى حلبة المنافسة في اي انتخابات رئاسية مقبلة، ولكن قنبلة الدكتور البرادعي التي انعكست في بيانه الاخير، واستعداده المشروط لخوض معترك الرئاسة، ‘جبّت’ كل ما قبلها، ووضعت مصر امام عملية التغيير، وهي قادمة لا محالة.

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليقات 5

  1. محمد:

    “وليس الشعب المصري الأصيل المعطاء الذي عانقت دماؤه دماء أشقائه الجزائريين اثناء حرب التحرير، وقدم آلاف الشهداء في خدمة قضايا أمته وعقيدته”
    عن أي حرب تحرير تتكلم و هل هناك مصري واحد شارك في الثورة الجزائرية المباركة
    على كل لم ننتظر اعترافا من احد لان الرجال في الجزائر رجال بحق لا يكذبون و ينافقون

    تاريخ نشر التعليق: 21/10/2013، على الساعة: 21:29
  2. bzirtayeb:

    أحسن ما يعبر به عن الفكر الذي يتباه النظام المصري العميل وأزلامه من مثقفين واعلاميين ورجال دين هذه القصيدة المستوحاة من صورة ارسلها لي صحفي لموقعي في الفايس بوك
    وفيها اللاعب زيدان يقبل فتاة شقراء (بوش ابوش) كما يعبر عنها في الجزائر فكانت هذه شبه القصيدة عن فريق الساجدين وهي:
    فريق الساجدين سجد…
    وفي محراب الثغر يتعبد…
    اسجد يامسلم لله ولاتتردد
    فدين الفراعنة دين معقد
    ما جاء به الاسلام أو سيدنا محمد…
    كل فتوة يفتيها الفراعنة نفاق ونكد…
    حرفوا الاسلام فارفض دينهم ولاتترد..
    فريق الساجدين سجد…
    ومع الحسنوات والثغر يتعبد…
    زدها ياساجد قبلات ولاتتردد…
    شيخ الأزهرسيفتي حلال القبلات للمتعبد…
    لأن د ين الفراعنة ما جاء به سيدنا محمد…
    هو د ين الهوى ونظام الفسق:..
    لتدمير أمة سيدنا محمد…
    فريق الساجدين سجد.
    خذ الدين من الثغور…
    واربط جوادك في السيقان فاسرائيل وتد…
    وغيد مصريات النظام بها(( باراك)) يتلذذ…
    وعلى كواعبهن يصلي ولكن لايسجد…
    لأنه يحترم د ين شعبه والكنيس الممجد…
    فريق الساجدين سجد
    خذني يا ابراهيم لهذه الجميلة …
    فلن أتردد…؟
    سأهيم بين نهديها لأنها جارية فأتلذذ…
    قد تكفرني فأفتي: …. ؟
    انها ليست من أمة سيدنا محمد…
    انها جارية نظام زنديق لادين له …
    فلاتحرم ماأحل الله ولاتتردد…
    بلغ شبابنا المسلم ولاتفكر أوتتنهد
    ان جواري أي نظام فاجر:…
    أحلهن الله لشبابنا ليتلذذ…
    فهم سبايا عصرنا بدون حروب أونكد…
    لااسلام لأنظمة باعت شرف أمتنا…
    لتسجد وعلى شعوبها تستأسد…
    تدعي الاسلام …
    وتخذل أمة سيدنامحمد…
    دعني ياابراهيم اسجد…؟
    جمال هذه الجارية منه شيخوختي ترتعد..؟
    أأنتظر حور في الجنة؟:…
    وجواري نظام الكفرتغور لاتتردد…
    تقبل الاسرائيليين…
    وحرام على الاخوةوأهل البلد…
    فريق الساجدين سجد؟
    اهان أهلنا بمصر…
    ودمر نظام مصرأمة سيدنا محمد…
    ياأهلنا بمصر نحبكم …
    ولكن مع نظامكمالفاجر لن نسجد…
    سنزلزله…. سنزلزله …؟
    لأنه دمرأخوتناللمصريين والبلد…
    يريدنا اتباع د ينه في الجزائر…
    ونسى أننا أمة سيدنا محمد…
    لانريد للاسلام والأخوة بديلا ….
    وفي الفروسية مع أهل البلد…
    فثغورنالاتقبل الفاجرات….
    بل تقبل كل سيف مهند…
    يسله شعب مصر…
    على هذا النظام الزنديق المقيد…
    دمر العروبة والأخوة والاسلام …
    وفي محراب اسرائيل يسجد…
    وشهداؤنا في سيناء لن ننساهم…
    ولن يجبرناعلى نسيانهم عميل مستبد…
    فريق الساجدين سجد…؟
    وفي سجوده على الثغر سأتنهد؟؟؟
    أقرأ فتوى الجدار لأفتي كشيخ الأزهر وأتعبد؟؟

    تاريخ نشر التعليق: 11/02/2010، على الساعة: 20:20
  3. samy:

    أرسل النادي الأهلي شكوى ضد الشركة المنظمة للمباراة الودية التي جمعت بين منتخبي مصر ومالي، والتي أقيمت على ملعب استاد راشد، إلى الاتحادين الإماراتي والمصري بسبب عدم التزام شركة برومو سبورت صاحبة الحقوق الحصرية لمعسكر المنتخب بالإمارات بكافة الاتفاقيات بينها وبين النادي قبل وبعد وأثناء المباراة.

    وكانت الشركة قد اتفقت مع الأهلي على دفع 100 ألف درهم لتأجير الملعب للمباراة، ولم تلتزم بالاتفاق بخلاف التزامات أخرى تتعلق بتأمين ملعب المباراة والاتفاق مع شركة نظافة تقوم بتنظيف الملعب عقب المباراة.

    تاريخ نشر التعليق: 06/01/2010، على الساعة: 14:20
  4. samy:

    • ويجب الإشارة، إلى أن وزير الداخلية الجزائري، يزيد زرهوني، قد كشف بأن السلطات المصرية رفضت مقترحا جزائريا للتنسيق الأمني بين البلدين قبيل مباراة 14 نوفمبر بالقاهرة التي بدأت بالإعتداء على حافلة الخضر، وإنتهت بإعتداءات بالجملة والتجزئة في حق المناصرين الجزائريين.

    تاريخ نشر التعليق: 30/12/2009، على الساعة: 14:32
  5. مصرى:

    على فكرة يا اخ عبد البارى انت لا تجد اى مناسبة الا وتنفس سمومك وحقدك على مصر

    ولا ادرى لماذا رغم انك تعلمت ودرست بها ..

    حنانيك يا اخ عطوان ورفقا بنفسك .

    تاريخ نشر التعليق: 26/12/2009، على الساعة: 4:25

أكتب تعليقك