الانتخاباتُ العراقية تغييرٌأم إبادةٌ وإقصاءٌ وتزوير؟..بقلم : د.عمر الكبيسي

د.عمر الكبيسي

د.عمر الكبيسي

تضاعف الانتخابات البرلمانية العراقية الثانية بعد احتلال العراق ، أعداد الرسائل والنداءات الهاتفية والالكترونية التي يستلمها المناهضون للاحتلال من داخل العراق وخارجه تبحث عن جواب لسؤال: هل ننتخب أم لا ومن في رأيك ننتخب؟ ومع أني كتبت الكثير عن تفاهة العملية السياسية التي صممها الغزاة برمتها بما فيها الانتخابات الصورية التي تم الإعداد لها وقناعتي بأنها لم ولن تتمخض كسابقتها عن انفراج وتغيير لوضع العراق وواقعه المرير خلال السنوات السبع المنصرمة والعجاف.

 بكل صراحة لا اخفي على القارئ أن هذا السؤال أحسبه من أشد الأسئلة التي واجهتني في حياتي العلمية والعملية والسياسية صعوبة للإجابة عليه بلا أو نعم بشكل مباشر ومقنع لكثرة ما يحيط بهذه الانتخابات من ضبابية في الرؤى وما يحيط بها من توقعات وخلفيات وحيثيات حتى أصبحت حالة عدم التوافق والانسجام على المشاركة فيها أو عدم المشاركة قضية خلافية انعكست على تناقض الفتاوى وآراء وكتابات الساسة والتكتلات بشأنها وكأن الموقف منها وليس الانتخابات ذاتها هي القضية الأهم في نقاشات مجالس ومؤتمرات وندوات العراقيين العامة وشكل الموقف منها بحد ذاته موضع تشَّظٍ وخلاف يزيد من عنفوان حالة الانقسام والاختلاف الذي ينخر في الجسد العراقي نكداً ودماراً.

قد يشكك الكثير أن موقفي هذا غير متوقع وقد ترتب بناء على قناعات جديدة وهذا غير صحيح لقناعتي الراسخة بعدم إمكانية أن تكون هذه الانتخابات خطوة إجرائية لتحقيق مشروع وطني يؤسس لدولة عصرية مدنية في ظل ما يرافقها من أجواء العنف والاعتقالات والمداهمات والخطف والقتل واستغلال المال العام والتركيز على رموز سياسية فاسدة وعميلة فيما أقصيت رموز أخرى بمجرد معارضتها للسلطة واختلافها بالنهج والمشروع من رموزها وينادي فيها الجميع بالتغيير الذي لا يمكن أن يحصل إلا بتغيير اللاعبين وقواعد اللعبة التي يحددها الدستور المقيت والملغوم .

الذين كانوا بالأمس في الحكومة والبرلمان والمالكي وأربعة عشر وزيرا في حكومة اليوم يعدون الشعب بالتغيير! لماذا لم يحدث هولاء التغيير وهم في السلطة اليوم أما نواب الدورة الحالية فكلهم متساوون بجريمة مخالفة الدستور وما ترتب على عدم تعديله من جرائم بحق الشعب.العملية الانتخابية التي بدأت بتزوير وتبرير كاذب لاجتثاث شركاء الأمس لا يمكن أن تنتهي إلا بتزوير فاضح وكفى الله العراقيين شرَّ ما يخطط له دعاة الديمقراطية من أعمال عنف واقتتال إذا لم يحققوا بالرغم من تزويرهم ما يطمحون لتحقيقه. انتخابات تجري في ظل هذا الواقع بإشراف سلطة طائفية وقوات أمنية مسيَّسة وتحت مظلة الاحتلال لا يمكن أن تكون ديمقراطية أو منصفة للشعب كما لا يمكن أن تجيَّر نتائجها إلا لصالح الاحتلال.

 لماذا إذن الذهاب إلى الانتخابات؟ تقول ذلك بإصرار! هذا هو رأي شريحة كبيرة من المناهضين والمعارضين للعملية السياسية وكذلك شريحة كبيرة من الطبقات المسحوقة والمحرومة والمبتلاة من الشعب العراقي الذي تعبث فيه البطالة والفقر.

 المتحمسون للذهاب الى الانتخابات وتقدر نسبتهم بحدود40 بالمئة على أكثر احتمال يمثلون خليطا واسعا منهم الوطني والطائفي والقومي واليساري والليبرالي والنفعي وبالرغم من أن قسما كبيرا منهم يمثلون اتجاهات وطنية ويعرف كل ما ذكرناه من مثالب على الانتخابات والعملية السياسية لكنهم يشاركون لأسباب يحسبوها منطقية منها وجوب عدم إفراغ الساحة من الوطنيين والتصدي للتزوير والإقصاء وضرورة التحدي والعمل على التغيير ولو جزئياً والإسهام بدفع الضرر والمظالم وتحقيق المصلحة والمنافع وبناء مشروع وطني أو عروبي بوجه التحدي الطائفي والتوغل الفارسي وتعديل الدستور والاهتمام بالبنية التحتية والأساسية للمواطنين وبناء ما يمكن إعماره والحفاظ على وحدة العراق من التقسيم إضافة إلى أمنيات وأحلام لا تعد ولا تحصى مقابل حجم الخراب والدمار والفساد الذي عم البلاد والعباد .

باستثناء من سيذهب للانتخابات لدعم هذا المرشح أو ذاك أو هذه القائمة أو تلك لأسباب خاصة ومصلحة شخصية أو بدوافع طائفية أو وعود عرقوبية هناك جموع ستذهب للانتخابات بدافع التحدي والصمود بأمل التغيير والانفراج.وهناك جموع سوف لن تذهب إلى الانتخابات لأنها لا تريد أن تتغابى أو تعترف بالاحتلال ولا إجراءاته وتعد هذا الموقف ابسط أنواع التعبيرعن العصيان والاعتصام السلمي.

وفيما يذهب هذا ويعتكف ذاك هناك شراذم العنف والإرهاب وزمر القتل والتزوير ومجاميع التفجير ستقتل وتذبح وتفجّر وتزوَّر فليس في العراق اليوم سلعة ارخص من حياة البشر وسفك دم الإنسان.

وسواء اجتهد من قاطع فأصاب أو اجتهد من انتخب فأخطأ أو على العكس من ذلك فعلى الذين سيذهبون ويزحفون للانتخابات أن لا يخطئوا مرتين عليهم حقاً أن يبرروا ذهابهم بانتخاب من يعتقدون انه الأكثر وطنيةً ونزاهةً وسيرةً وسلوكاً وشجاعةً وثباتاً وليس الأكثر مالاً أو جاهاً أو تقلباً أو نفاقاً أو سرقةَ أو اختلاساً .لا تنتخبوا دعاة التقسيم والأقاليم ولا المعممين والطائفيين ولا السَّراق أو الطائفيين .ضعوا الله نصب أعينكم والعراق في ضميركم. لا تنتخبوا من قتل أو سرق أو أثرى ولا تنتخبوا من جاء على ظهور دبابات وآليات الاحتلال وساهم في جلب المعتدين والغزاة.

للذين سيقاطعون ويعكفون عن الانتخاب أجر اجتهادهم وعليهم أن يدركوا أن قناعتهم هذه تضع في أعناقهم مسؤولية وأمانة المقاومة والتحرير كل من موقعه وقدرته ولاشك أن خيار المقاومة بمعايير الزمن وتجارب الشعوب هو الأصح والأفصح والأرجح والأنصح والأفلح.

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

أكتب تعليقك