إمبراطورياتُ الورقِ والهواء..بقلم : يسري فودة

يسري فودة

يسري فودة

العهدة على ذلك المصدر الموثوق به الذى قال لى، ذات يوم، إن خامس ملوك السعودية، الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود، الذى استحدث لنفسه ولخلفائه لقب «خادم الحرمين الشريفين»، هو الذى نصح أمراءه، عقب توليه الحكم عام 1982 بتحويل اهتمامهم بالاستثمارت الجادة فى مصر وفى غيرها إلى سعى لتوطيد أركان إمبراطورية كانت ملامحها قد بدأت فى الظهور قبل ذلك بسنوات قليلة.. إمبراطورية من ورق وهواء الطريق إليها يمر من اتجاهين: تأسيس صحف وإذاعات وقنوات تليفزيونية من ناحية وشراء ما استطاع الأمراء والشيوخ إليه سبيلاً من ناحية ثانية.
 
كان هذا تحولاً ضخماً من سياسة «عروبية» جادة تضع أولويات العمل العربى فى مواضعها الصحيحة حتى عندما تختلف مع زعامات كبرى من حجم جمال عبدالناصر. وما لا شك فيه أن خروج أنور السادات عن الصف العربى بتوقيعه معاهدة سلام منفرد مع الإسرائيليين منح الفرصة لكيان عربى ضخم كالسعودية كى يلتقط الخيط وسط هيمنة مصرية إعلامية وثقافية وأدبية وفنية كانت فى تلك اللحظات تخطو أولى خطواتها نحو التآكل وفقدان الروح.

كان الاتجاه الثانى أسهل وأسرع وأكثر اتفاقاً مع العقلية الخليجية، فتم شراء عدد من الصحف العربية المرموقة، من أبرزها جريدة «الحياة» اللبنانية. تحولت عاصمة الإعلام العربى فجأة من بيروت والقاهرة إلى لندن، ولأول مرة فى التاريخ تنتشر أذرع إمبراطورية فى كل مكان إلا فى أرضها الأم، كما أنه لأول مرة فى التاريخ يدخل مستثمر فى شراكة مع مستثمرين آخرين لإنتاج سلعة إعلامية بهدف غريب، هو ألا تباع هذه السلعة. من أبرز الأمثلة الصارخة على ذلك تجربة الشراكة بين شبكة أوربت السعودية وشبكة بى بى سى البريطانية عام 1994 التى عشتها من الداخل مع زملاء لى من مختلف أنحاء العالم العربي.

إن الرسالة الإعلامية تسعى دائماً إلى تحقيق هدف من اثنين، سواء أدركه المرسل أو لم يدركه: فإما الحث على التغيير والإصلاح أو تكريس الأمر الواقع، وليس من الصعب تخمين أى من الهدفين يمكن أن يسعى إليه أكثر النظم العربية محافظة وتقليدية.

 تشترك معه فى هذا الهدف، بطبيعة الحال، وسائل الإعلام السلطوية فى معظم الدول العربية اللهم مع فارق واحد: أنها جميعاً لا تملك سطوة المال التى يملكها آل سعود، وإذا ملكته فهى إما غير قادرة فنياً أو غير راغبة سياسياً فى تخطى الحدود، ربما باستثناء قطر.

لكن نجاح قطر فى تجربة «الجزيرة» عام 1996 دفع إمبراطورية الورق والهواء السعودية، عندما اعترفت أخيراً باهتزاز عرشها الإخبارى، إلى الدخول فى طور جديد يمكن أن نسميه «طور الإغراق» سواء من ناحية النوع، بالتركيز على مساحات الترفيه وبالاستحواذ على مقابض التأثير عن طريق شراء الذاكرة وتوقيع العقود الحصرية، أو من ناحية الكم، بحيث يغلبك النعاس مروراً بكل ذلك الورق وكل هذا الهواء قبل أن يصل بك الريموت كنترول إلى ما قد نسيت الآن أنك كنت تبحث عنه.

واليوم ندخل طوراً آخر باعتزام الملياردير السعودى، الوليد بن طلال، تدعيم شراكاته مع الملياردير الأسترالى، روبرت ميردوخ، بما سيسمح، دون شك، لهذا الأخير بأن يضيف إلى إمبراطورية الورق والهواء السعودية بعداً جديداً أكثر خطورة. وبناءً على ما أحدثه هذا الصهيونى الذى يستحق وصف «الفاجر» فى كل من أستراليا والولايات المتحدة وبريطانيا، وما يحاول أن يفعله الآن فى تركيا فإنه من السذاجة ألا نقلق، ومن الجبن ألا نحاول المقاومة.

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليق واحد

  1. ام كلثوم الطيب الفرجاني:

    نعم ما قلته هو صحيح فالاعلام السعودى هو امبراطورية من ورق، فجأة اجتاح الفضائيات بقوة المال وليس بقوة المضمون والموضوعية والشرف المهنى ، نقدر ماقدمته من اعلام صادق وهادف في قناة الجزيرة وكنت متابعة لك باستمرار ونأسف حقا خروجك من هذه المحطة

    تاريخ نشر التعليق: 31/05/2010، على الساعة: 23:47

أكتب تعليقك