مفاجآت قمة سرت…بقلم : عبد الباري عطوان

عبد الباري عطوان

عبد الباري عطوان

تدني مستوى الاهتمام العربي والعالمي بالقمة العربية التي تبدأ اعمالها اليوم في مدينة سرت الليبية يعد مؤشرا واضحا على مكانة العرب وزعمائهم، على الخريطتين الاقليمية والدولية معاً. ولا نبالغ اذا قلنا ان العالم يهتم بشريط يصدره زعيم تنظيم ‘القاعدة’ اكثر بكثير من اهتمامه بمشاركة 22 زعيماً عربياً ووزراء خارجيتهم في قمة عربية، يصدرون فيها القرارات نفسها، في بيانات مكررة فاقدة القيمة، ومعروف مقدماً انها ستحفظ في ملفات النسيان بعد الانتهاء من تلاوتها في المؤتمر الصحافي الختامي.
الاهتمام بأشرطة زعيم تنظيم ‘القاعدة’ يأتي من كون التنظيم ما زال يلعب دوراً مؤثراً في السياسة الدولية، حتى لو كان هذا الدور سلبياً في نظر الكثيرين، بينما تبدو الحكومات العربية جثة هامدة دون اي حراك وغائبة عن دائرة الفعل والتأثير، اللهم إلا اذا جاء تحركها مرتبطاً بمشاريع امريكية، وبتعليمات من البيت الابيض.

واذا كان البعض ينفر من الاشارة الى تنظيم ‘القاعدة’ كمثل في هذا المضمار، وهذا من حقه، فإننا نعيد التذكير بالاهتمام العالمي بانعقاد المجالس الوطنية الفلسطينية بحضور فصائل منظمة التحرير قبل اتفاقات ‘اوسلو’، حيث كان يتهافت على تغطيتها اكثر من الف صحافي على الاقل، يشدون الرحال من مختلف انحاء العالم.

والسبب هو التمسك بخيار المقاومة.

يمكن تقسيم القمم العربية التي انعقدت على مدى الاربعين عاماً الماضية الى نوعين: قمم ناجحة، واخرى ‘باهتة’، فاقدة الاهمية. ومن المفارقة ان جميع القمم الناجحة التي شكلت علامة فارقة في التاريخ العربي، هي تلك التي اتخذت موقفاً صلباً على صعيد الحروب، من حيث اللجوء اليها او تأييدها او الاستعداد لها، اما القمم الفاشلة عديمة الاهمية والتأثير فتلك التي تبنت مبادرات سلام أو طالبت بتجديد الالتزام بها.

القمم الناجحة، والنجاح هنا مرتبط بالفاعلية والتأثير، تنقسم بدورها الى قسمين:

الاول: قمم عربية وطنية، مثل قمتي الاسكندرية والقاهرة عام 1964 اللتين انبثقت عنهما قرارات تاريخية مثل تأسيس منظمة التحرير والقيادة الموحدة والتصدي لمشاريع تحويل مياه نهر الاردن، او قمة الخرطوم التي انعقدت بعد هزيمة عام 1967 وصلّبت الموقف العربي، وقررت دعم دول المواجهة، ومهدت لحرب اكتوبر عام 1973. وقبلها حرب الاستنزاف التي استمرت لاكثر من الف يوم، وتكبدت خلالها اسرائيل خسائر مادية وبشرية كبيرة.

 الثاني: قمم انعقدت بهدف تبني المشاريع الامريكية في المنطقة، مثل تلك التي تداعى اليها القادة العرب بعد اجتياح القوات العراقية الكويت، واستضافتها القاهرة، وقررت مباركة استدعاء نصف مليون جندي امريكي الى الجزيرة العربية، في سابقة هي الاولى من نوعها، لاخراج القوات العراقية، وتدمير العراق، ومن ثم حصاره لاكثر من 13 عاماً، وقتل مليون من ابنائه، معظمهم من الاطفال.

هناك عدة ملاحظات حول سلوك ومواقف الزعماء العرب فيما يتعلق بالقمم بشكل عام، والعربية منها بشكل خاص، يمكن ايجازها في النقاط التالية:

اولا: معظم الزعماء العرب يلتزمون بالكامل بأي قرارات تصدرها القمم العربية اذا جاءت من خلال املاءات امريكية، وخاصة تجاه العراق وفلسطين، الاولى بشأن الحرب، والثانية بشأن السلام، وكانت هذه الاملاءات تأتي من خلال رسائل رسمية ترسلها الادارات الامريكية المتعاقبة الى الزعماء العرب قبيل انعقاد القمم، وقد ابرز الرئيس اليمني علي عبدالله صالح إحداها لأجهزة الاعلام قبل ان يلتحق بمحور ‘الاعتدال العربي’ ويصبح لاعباً أساسياً فيه.

ثانيا: يلتزم الزعماء العرب بأي قرارات تصدر عن قمم عالمية، اقتصادية او سياسية، يشاركون فيها، خاصة اذا جاءت بدعوة امريكية، مثل قمة الدول العشرين الاقتصادية، او قمم مكافحة الارهاب في افغانستان واليمن، مثلما حدث اخيراً في اليمن، ولكن من النادر ان يلتزم هؤلاء بأي قرارات تصدر عن قمم او اجتماعات عربية.

قمة الكويت الاقتصادية، وقمة الدوحة السياسية تعهدتا بتحقيق المصالحة العربية، وخصصتا حوالى الملياري دولار لاعادة اعمار قطاع غزة، وعدم ابقاء مبادرة السلام العربية على الطاولة الى الابد، وبحث البدائل عنها في حال لم يتم التجاوب معها اسرائيلياً.

قطاع غزة ما زال محاصرا، ولم يدخل دولار واحد الى اهله من المبالغ المخصصة للإعمار، وهناك اكثر من ستين الف منزل مدمر يعيش سكانها فوق او تحت انقاضها، اما مبادرة السلام العربية فما زالت على الطاولة نفسها، وستبقى كذلك على الحال نفسه في القمم العربية القادمة، مع فارق اساسي، وهو ان كمية الغبار المتراكمة عليها ستزداد كثافة، وحجم الاحتقار الاسرائيلي لها ولاصحابها سيتضخم.

المصالحة العربية متعذرة، وستظل كذلك، وربما تتفاقم الخلافات بعد القمة الحالية، فالأجندات مختلفة، بل متصادمة، فهناك من يضع ايران على رأس قائمة اعدائه، ويريد التحالف مع الغرب لهزيمتها، تماماً مثلما فعل مع الرئيس الراحل صدام حسين، وهناك من يرى ان اسرائيل التي تحتل الارض وتنتهك العرض وتهوّد المقدسات، هي العدو الاكبر للأمتين العربية والاسلامية، والهوة واسعة بين المعسكرين، وستزداد اتساعاً في الايام او الاشهر المقبلة.

السيد عمرو موسى امين عام جامعة الدول العربية خبير في نحت التسميات والمصطلحات ‘المخدرة’ للأمة العربية، فقد نجح في تحقيق ‘انجازين’ في هذا الاطار لتغطية عورات القمة والمشاركين فيها، الاول باطلاق اسم ‘القدس’ عليها، والثاني في انشاء مفوضية باسم المدينة المقدسة في الجامعة العربية.

اطلاق اسم القدس على القمة لن يمنع عمليات التهويد المستمرة لها، وخلق مفوضية لها في الجامعة يعني المزيد من البيروقراطية والمصاريف وعدم الفاعلية، تماما مثل مفوضيات الاعلام والبرلمان العربي ومراقبة البث الفضائي، كلها حجج وذرائع لتوظيف بعض ابناء المسؤولين الحاليين والسابقين.

المواطن العربي فقد الاهتمام كلياً بالقمم العربية، لانه بات يشعر بحالة من الغثيان تجاهها، والمشاركين فيها، ومن بات يتابعها فمن قبيل البحث عن مفاجآت او مفارقات مثيرة بين اروقتها، مثل وصلات من الشتم العلني بين بعض الزعماء، مثلما حصل في قمة شرم الشيخ (عام 2003) بين الزعيمين السعودي والليبي، او بين رئيسي وفدي العراق والكويت في القمة الاسلامية عام 2003 (عزة ابراهيم نائب الرئيس العراقي والشيخ محمد الصباح وزير الخارجية) او تبادل القصف بمنافض السجائر بين اعضاء الوفدين العراقي والكويتي اثناء قمة القاهرة صيف عام 1990.

لا نعرف ما اذا كانت القــــمة الحاليــــة في سرت ستــــشهد مفاجــآت من العيارين الثقيل او الخفيف، وان كنا نعتقد ان خيبة الامل اكثر ترجيحاً في هذا الاطار، لان الزعيم الليبي معمر القذافي، صاحب اكبر قدر من المفاجآت في القمم السابقة، هو رئيس القمة الحالية ومضيفها، ولكن كل شيء وارد، ولا بد ان في جعبته ‘مفاجأة ما’ تعوّض الاعلاميين مشقة السفر الى سرت، وصعوبات الاقامة، خاصة بعد غياب العديد من الزعماء العرب، والعاهل السعودي على وجه الخصوص.

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

أكتب تعليقك