البرادعي لرئاسة الولايات المتّحدة..بقلم : مرح البقاعي

مرح البقاعي

مرح البقاعي

يعتزم المفكّر المصري الدكتور محمد البرادعي، الذي يحمل الجنسية الأميركية والمصرية في آن، العودة إلى بلده الثاني الولايات المتحدة الأميركية وتشكيل ائتلاف يرعى تغييراً دستورياً يصبح بموجبه متاحاُ للأميركيين، من غير المولودين على الأرض الأميركية، الترشّح لمنصب رئاسة الدولة. خطوته التالية حين تعديل الدستور ستكون الترشّح، كمنافس مستقل، إلى سدّة المكتب البيضاوي العتيد في واشنطن!  

بالطبع لن يتعرّض البرادعي في حال تنفيذ السيناريو “المفترض” أعلاه إلى تنكيل من الشعب الأميركي، كونه مرشّح مزدوج الجنسية، ما يجعله عرضة للتعاطف مع بلده الأم وترجيح مصالحها على المصلحة الوطنية الأميركية؛ ولن يُتّهم بتبنّي أجندة سياسية ذات توجهات خارجية كونه ولد وتعلم في بلد أجنبي؛ ولن يلاحق قضائيا بتهمة تأسيس منظمة سياسية تدعو إلى إثارة الشغب والخلخلة السياسية من خلال المطالبة بتعديل الدستور؛ ولن يتقدّم أحد المواطنين الأميركيين “الشرفاء” بمذكرة إلى النائب العام يتّهم البرادعي بتشجيع القوى السياسية على التمرد وبتجييش القوى المعارضة للنظام الحاكم بغية زعزعة الاستقرار؛ ناهيك أن ترشحه للرئاسة الأميركية لن يثير حفيظة وسخط وتشنّج منافسين له محتملين على منصب الرئاسة في العام 2012 من أمثال سارة بيلين أو مِت رومني أو هيلاري كلينتون أو باراك أوباما… وغيرهم، ويجعلهم يسعون إلى الدفع بالبرادعي ـ مرغماً ـ للعودة إلى بلده الأم، وهي في هذه الحالة: مصر.

هذا اللغط السياسي والتنكيل بشخصية عامة تحاول دخول معمعة التغيير السياسي لن يحدث ولم يحدث في أميركا حين ترشّح باراك أوباما في العام 2008 لمنصب الرئاسة، رغم كونه أول أميركي من أصل أفريقي يصل إلى البيت الأبيض، ورغم ما عرف عنه من ميول وأهواء اشتراكية، ورغم نشأته في غير بلد آسيوي وتعرّضه للثقافة والتقاليد الإسلامية بعيداّ عن الذائقة السياسية الأميركية؛ لكن ذاك التنكيل الأعمى وفوبيا التوجّس يطال، حكماً، أي مواطن في مصر، وفي غير دولة من جاراتها العربيات، فيما لو يجرؤ على المطالبة بالتغيير السياسي وبحتميّة تداول السلطة، وفي مقدمتها الكرسي الرئاسي، في جمهوريات التوريث الملزِم.

محمد البرادعي، الحائز على جائزة نوبل للسلام في العام 2005، كان قد تبرع بحصته من الجائزة التي تناهز النصف مليون دولار إلى دور رعاية الأيتام في مصر لأن “الفقر وما ينتج عنه من فقدان الأمل يمثل أرضا خصبة للجريمة المنظمة والحروب الأهلية والإرهاب والتطرف” حسب تصريحه حين تسلّمه الجائزة المرموقة. البرادعي عاد إلى مصر بعد مسيرة اغتراب حقق فيها حصاداً مهنياُ دولياُ باسقاً، وخبرات دبلوماسية لافتة، ليسهم في التغيير المنشود الذي ترنو إليه شعوب المنطقة برمتها وعلى رأسها بلده الأول مصر. و

منذ إعلانه عن تأسيس ائتلاف وطني لتغيير الدستور يتعرض البرادعي لحملة شعثاء يستند منفذوها إلى أحكام قانون الطوارئ السيّء السمعة، حيث ترزخ مصر تحت كاهله منذ أعلنه جمال عبد الناصر عشية الهزيمة في الخامس من حزيران/ يونيو للعام 1967، واستمر في تطبيقه من بعده أنور السادات الذي لم يقرر رفعه إلا في شهر أيار/مايو للعام 1980، لفترة 18 شهرا فقط، وسرعان ما عاد الرئيس الحالي حسني مبارك ـ الذي تبوّأ الحكم إثر اغتيال السادات  ـ لفرضه من جديد، ومازال معمولاّ به حتى ساعة تحرير هذه السطور.

وفي مناورة ذكية على الهجمة المعارضة للتحرك السياسي الذي يقوده البرادعي ولإمكانية ترشحه لرئاسة في العام 2011، وكذا التفافاً على قانون الطوارئ ومادته الثالثة التي تنصّ على “وضع قيود على حرية الأشخاص في الاجتماع والانتقال والإقامة والمرور في أماكن أو أوقات معينة والقبض على المشتبه بهم أو الخطرين على الأمن والنظام العام واعتقالهم والترخيص في تفتيش الأشخاص والأماكن دون التقيد بأحكام قانون الإجراءات الجنائية”، قامت مجموعة من الشباب المؤيدين لمشروع البرادعي السياسي بتنظيم حملة تأييد على الـ “فيس بوك” لحشد الأنصار “افتراضياً” تجنباً لاجتماعات وحشود فعلية تحظّرها الحكومة وفق قانون الطوارئ. وقد وصل عدد المؤيدين للبرادعي على هذه الصفحة إلى ما يجاوز 163.000 نصير.

على جانب آخر، وتحت عنوان ” ظاهرة البرادعي” The ElBaradei Phenomenon نشرت مجلة Foreign Policy في عددها الصادر من واشنطن في تاريخ 28 شباط/ فبراير مقالآ تحليلياً نقلت فيه عن البرادعي خلال زيارته القصيرة لمصر ما مفاده :” الحكومة المصرية قد تواجه انتفاضة شعبية إذا استمرت في معارضتها للإصلاح” ، مضيفاً “أن الشعب المصري متعطش للتغيير المرتقب”. وأضافت المجلة التي تعنى بالسياسات الأميركية الخارجية على لسان المحرر Blake Hounshell قوله:”إن البرادعى شخص يحظى باحترام لافت فى مصر، ولن يمسه النظام، ولا أحد يستطيع أن يقود هذه الحركة سواه. لكن الأمر سيحتاج أكثر من مجرد لقاءات تليفزيونية، فعلى البرادعى أن يشمّر عن ساعديه وينزل إلى الشارع المصري ليتحدث إلى الناس العاديين، وليس عن بعد من مقرّ إقامته في فيينا؛ وعليه أن يحافظ على التوازن السياسي بين التيارات الليبرالية وأحزاب اليسار وجماعات الإسلاميين المعتدلين، وأن ينتزع تأييد أعضاء الحزب الحاكم من المترددين”.

استوقفتني طويلاً عبارة “البرادعي شخص لا يمسّه النظام” He is untouchable by the regime ، كما وردت في المقال السابق، وتساءلت بتشكّك: من سيحمي البرادعي حين عودته للإقامة والعمل السياسي في مصر من أي اعتداء معنوي أو مادي؟ وهل سيحظى البرادعي بحماية أفضل من تلك التي حظيت بها بانظير بوتو حين عودتها إلى بلدها باكستان لخوض الانتخابات بضوء أخضر وتيسير أميركيَين؟ وهل سيتنبّه الشعب المصري إلى أن هذا الحراك السياسي هو فرصته النادرة لتحسين حاله الراكد ومستقبله العتيم، وأن عليه أن يقف إلى جانب التغيير مهما كان الثمن غاليا؟ وهل سيتفقّه الغوغاء الذين يتهمون البرادعي بالازدواجية في الميول السياسية، وبالتمويه على أجندته الشخصية، أن من حسنات هذا الرجل، وليس من سيّئاته، كونه عاقر التجربة الغربية واحتفظ في دواخله على أواصر النوستالجيا والولاء لمسقط الرأس مصر في آن؟ وأخيراً هل سيعترف الناشطون والمشتغلون في الشأن السياسي أن من مصلحة مصر الوطنية، شعباً ونظاماً، أن ترحب بهكذا حراك سياسي، وتفتح نوافذها المكتومة لتستقبل أوكسجين التغيير الذي سيهيئ المناخ السياسي لانتخابات عادلة ونزيهة، وللتنافس المشروع الذي سيحمل الرجل الأكثر أهلية إلى سدة الحكم في مصر2011؟!

سلام

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

أكتب تعليقك