هُوياتٌ أوروبية…بقلم : الطاهر بن جلون *

الطاهر بن جلون

الطاهر بن جلون

السيد موريسي ذو الأصول الايرلندية والمغني السابق في فرقة سميث مستاء. وقد بلغ به الغضب حد رفض العودة إلى بريطانيا والاستقرار فيها. ينبغي التنويه بأن نرجسية المغنين فائضة وأن النجاح يفعل بهم الأفاعيل ويسمح لهم بأن يقولوا ويفعلوا ما يعن لهم. لكن المسألة هنا لا تتعلق بتقني لم ينجز عمله كما ينبغي أو بنقد سيىء منشور في جريدة.

السيد موريسي غاضب لأن الهوية البريطانية مهددة بالزوال. وقد صرح مؤخرا للمجلة الانكليزية ‘ نيو موزيكال’: ‘ المملكة المتحدة مكتظة بالأجانب. لقد أصبحت بلدا سلبيا يهزأ بالناس ويدفع بهم خارجا. وما دام تدفق الأجانب في ارتفاع، فإن الهوية البريطانية منذورة للغياب والتواري’ الأمر مزعج؛ أليس كذلك؟

أثناء استطلاع في التلفزيون الفرنسي، عبرت سيدة بورجوازية في كامل أناقتها وترتدي معطفا من فرو الفيزون عن غضبها الشديد من رشيدة داتي وزيرة العدل الفرنسية ( سابقا) بقولها: ‘ لتذهب إلى حال سبيلها. ما عليها إلا أن تعود إلى بلدها’. والحال إن رشيدة داتي فرنسية وابنة أبوين مهاجرين. كان الأب عامل بناء مغربياً فيما الأم جزائرية. لكنها تبقى في نظر البعض مهاجرة وأجنبية.

كان أحد مناصري اليمين المتطرف الفرنسي قد قال بأنه مع وجود كل هؤلاء اللاعبين السود، فإن فريق كرة القدم لا يمكن عده فرنسيا.

يمكننا أن نستمر وفق هاته الطريقة في تعداد ردود الفعل التي لها تعلق في الغالب بلون البشرة حيال التغيير الفيزيقي الجلي للعيان في المشهد البشري الأوروبي. إنها حقيقة لا يسع إنكارها. المملكة المتحدة وفرنسا وعما قريب إيطاليا وإسبانيا في طريقها إلى تغيير جلدها ووجهها ومظهرها، ذلك أن الحضارة اليهودية النصرانية ذات اللون الأبيض أشرعت أبوابها، ولم تعد مشكلة من الأوروبيين وحدهم ذوي الأسبقية في الوجود بعدد كبير من الأجيال.

يطرح ما سبق ذكره سؤال الهوية وكيفية تعريفها. ما الذي يعنيه أن تكون أوروبيا في الوقت الراهن؟ يسهم التدفق الكثيف للمهاجرين القادمين من بلدان غير أوروبية مثل إفريقيا والمغرب وآسيا في تحويل وخلخلة الحياة اليومية للمواطنين الأوروبيين الذين كانوا يعيشون بهدوء واطمئنان فيما بينهم.

 ولأنها كانت في حاجة ماسة إلى يد عاملة لكي تستمر مصانعها في العمل، فإن أوروبا الغنية والبيضاء التي كانت تتمتع بصحة اقتصادية جيدة سوف تضطر إلى استقدام ملايين المهاجرين كي تشغل اقتصادها وتستمر في العيش بالرخاء السابق ذاته.

لكن هؤلاء المهاجرين هم في المقام الأول رجال ونساء، وقد يحدث أن يمارسوا الجنس وأن ينجبوا أبناء، هؤلاء الأبناء ولدوا فوق الأرض الأوروبية ويحملون بطاقات هوية أوروبية وأسماء ذات وقع غريب، يتردد هؤلاء الأبناء على المدارس ويكبرون ويدرسون ويتمكنون من النجاح في حياتهم المهنية. أصبح بعضهم مثل صديقي فؤاد علام نائبا في مجلس النواب في روما، فيما تمكن البعض الآخر وإن كانوا قلة مثل فضيلة لعنان ذات الأصول المغربية من الوصول غلى منصب وزيرة للثقافة والإعلام المرئي والمسموع في بلجيكا الفرانكفونية، أو مثل رشيدة داتي وزيرة العدل الفرنسية وليست وزيرة للهجرة أو شيء آخر من شأنه أن يذكر بأصولها.

تتمثل عبقرية نيكولا ساركوزي في مباغتته الجميع بإقدامه على ما لم يجرؤ اليسار الفرنسي إطلاقا على فعله، وأن يسند وزارة هامة إلى امرأة شابة ابنة أبوين مغاربيين. لقد تميزت سيرتها بالكفاح، إذ تابعت دراستها وصارعت من أجل الحصول على موقع، يقينا إنها حصلت على المساعدة، لكن إرادتها في الانعتاق هي التي ساعدتها في النجاح.

كنت قد كتبت عام 1994 رواية صغيرة بعنوان ‘ نادية’ تروي حكاية ابنة مهاجرين جزائريين ترغب في أن تعيش جنسيتها وهويتها الفرنسية، سوف تقاوم وتواجه كل الأحكام المسبقة كي تبرهن على حقيقة مؤداها أنه حين تتوفر الإرادة، فإن النجاح يتحقق.

لقد تحدثت عن هذه الرواية لأنه حدث أن قريبا لرشيدة داتي ذكرني بها، يقينا إن الأدب يشتمل على هذه القدرة على أن يكون رؤيويا، لكنني أعترف بأنه لم يكن يلزمني أن أكون مشعوذا أو ساحرا لكي أحدس أو أدرك بأنه سوف يأتي يوم تصبح فيه ابنة مهاجرين وزيرة. ينبغي القول بأن هذا الحدث كان مفرطا في الندرة في فرنسا وأن تعيين أشخاص من أصول أجنبية في مسؤوليات سياسية كان يعتبر في الغالب ذريعة أو رمزا، ذلك أن الهوية الفرنسية شأنها في ذلك شأن الإنكليزية ثمينة. ولا يحق لأول وافد الحصول عليها.

عبرت مواجهات الضواحي الفرنسية في تشرين الأول ( أكتوبر) 2005 وتشرين الثاني ( نوفمبر) 2007 عن شعور بالغضب، لأن فرنسا لا تعترف بمئات الآلاف من الشباب الذين ولدوا فوق الأرض الفرنسية لآباء أجانب..كان جاك شيراك قد قال: إنها مشكلة هوية. لقد أدرك جيدا جذور الاختلال، لكننا نتساءل والحالة هاته : لماذا لم يبادر إلى فعل شيء على امتداد اثنتي عشرة سنة من ولايته الرئاسية. لم يفعل أي شيء لا هو ولا سلفه الذي كان علاوة على ذلك اشتراكيا، أعني فرانسوا ميتران. هاته الهوية ذات البشرة السمراء الغامقة والسوداء أحيانا تجد عسرا في التماس سبيلها إلى العقليات الغربية.

غير أننا نتساءل إذن عن هذه الهوية الأوروبية: مم تتكون؟ وأي شيء تشبهه؟

لا يستسيغ الكتاب هذا المفهوم للهوية. وكان أفضل من عبّر عن ذلك عملاقا الأدب في القرن العشرين: فرناندو بيسوا وخورخي لويس بورخيس. وقد عمدا كي يبينا افتقار الكاتب لأية هوية باستثناء الأدب إلى مضاعفة حضور ‘ الأنا’ وآثرا توقيع نصوصهما بأسماء مستعارة مختلفة ( بيسوا على وجه التخصيص).

يحدث لي غالبا أن أجد نفسي مضطرا إلى الإجابة عن هذا السؤال: هل أنت كاتب مغربي أم فرنسي؟ يتعلق الأمر بسؤال بوليسي، إذ أن الناس يرغبون في تحديد موقع لك. هل يزعجهم الكاتب الذي لا يوفر على هوية دقيقة؟

يستلزم مفهوم الهوية العلاقة بالآخر. قال لي طبيب نفسي في يوم ما إن الرضيع يربي في داخله الخوف من الغريب، بمعنى أنه يرفض أو يطرح جانبا رائحة شخص آخر ولا يطيق إلا رائحة حليب الأم. وينبغي لنا أن ننتظر الشهر الثامن لكي تبدأ العلاقة بما هو خارج العائلة في التشكل. ويعني ذلك أن مفهوم الهوية يتشكل في وقت مبكر جدا وأن لا معنى له إلا في سياق يعيش فيه أشخاص آخرون. يكفي أن نعلم الأطفال بأن هويتهم ليست متكلسة وجامدة وبأن لونها ليس نهائيا وبأنها تحتمل الاشتمال على وجوه وأشكال أخرى. لست أدري إن كانوا يلقنون لأطفال المدارس الأوروبية بأن الهوية الأوروبية في حركة دائبة. أما الدليل فنعثر عليه في المدارس ذاتها. وهو ما يشكل معطى موضوعيا يحررنا من أي شعور بالخوف والقلق.

 تشبه أوروبا الغد فصلا دراسيا أوروبيا باعتبار أن أبناء المهاجرين يستقبلون فيه بالوتيرة ذاتها التي يستقبل فيها الأطفال ذوو الأصول الأوروبية. يمكننا أن نأمل انطلاقا من هذا التبسيط للواقع اجتناب المشاكل في وقت لاحق. أما بالنسبة للمسؤولين، فالمشكلة لها تعلق بالإتيكا. ينبغي الإقرار بالواقع وما سوف يؤول إليه. تتقدم الهوية الأوروبية وتتحول بطريقة منسجمة وحركة التاريخ. أحب التعريف الذي يصوغه الفيلسوف الفر نسي ليفيناس لآداب السلوك ( إتيكا).

تتحدد بالنسبة له في نسيان الذات والانخراط في نظام الإتيكا يقتضي إيلاء الأهمية في المقام الأول للآخر والتوفر على الانهمام به. وعندما يتحدث المغني موريسي عن نهاية الهوية الأوروبية، فإنه يرفض الإتيكا ويعلي من شأن ذاتية مركزية لأوروبا.

أمر مؤسف؛ لأن المشهد الإنساني الذي يتحول لا يرتبط فقط برغباتنا أو إرادتنا البسيطة، ذلك أن الحياة تتكون من أشكال من الحركة والتغيير. وليس ثمة من وجود لما هو نهائي باستثناء الموت الذي يجمد ويوقف كل شيء. وكل هؤلاء الذين رغبوا في تجميد الهوية شموليون مثل الفاشستية أو التعصب الديني راهنا. كانت الهوية التي حلم بها هتلر هوية هستيرية و ‘ نقية’ علما بأن النقاء غير موجود. تعتبر العنصرية بالفعل هوية منغلقة على ذاتها إلى درجة تصبح فيها جنونا ولا تقبل بأي رافد خارج عنها. العنصرية هوية واقعة في إسار مفهوم للنقاء لا يقبل بأي مزيج. وهو ما يعتبر أمرا مستحيلا؛ إذ أن للمسألة تعلقا بنظام الباثولوجيا والموت.

الهوية الأوروبية لحسن الحظ حية، وينبغي فقط القبول بها والاستمتاع بذلك. ويلزمنا أن نتعلم رؤية المظاهر الإيجابية للمزيج وما يمكن أن يقدمه ويسهم في تحويله نحو الأفضل. ذلك أن العيش المشترك ليس سهلا، وينبغي لنا أن نتعلم العيش مع الآخرين وأن نقبل بالفكرة التي مفادها أننا لسنا بمفردنا ولن نكون كذلك على الإطلاق. ويلزم من أجل استشراف ذلك احترام القوانين والقواعد التي يتأسس عليها المجتمع. وهنا عمل بيداغوجي آخر وضروري كي نبني هوية أوروبية دينامية لن تكون أبدا متكلسة مثل تمثال في حديقة يقصدها اليائسون من الحياة كي يجودوا بآخر أنفاسهم..

* كاتب مغربي

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

أكتب تعليقك