قراءة في قرار مجلس الأمن الجديد حول الصحراء..بقلم : سعد الدين العثماني*

سعد الدين العثماني

سعد الدين العثماني

تباينت ردود الفعل على تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول الصحراء الذي عمم على أعضاء مجلس الأمن ، ويبدو أن رد فعل الحكومة المغربية كان غريبا وغير سليم لا موضوعيا ولا سياسيا. فقد خرج وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة السيد خالد الناصري في لقاء صحافي عقب انعقاد مجلس الحكومة واصفا التقرير بأنه كان في ‘منتهى الجدية والدقة والموضوعية’، ولم يسجل رد الفعل أي ملاحظة أو انتقاد لما تضمنه.

هذا التصريح هو عبارة عن إعطاء شيك على بياض للتقرير، كأنه كامل ولصالح المغرب مئة بالمئة، ولا يتضمن ما يمكن أن ينتقد أو يعاب. وهذا يعكس “العمش السياسي” لدى الحكومة، ويعكس سهولة اغترارها بجملة أو بضع جمل، أو ببعض الإيجابيات، وذهولها عن سلبيات أو اختلالات في التقرير قد تكون ذات تأثير مهم على ملف الصحراء.

وقد يكون من جملة ما دفع الحكومة وناطقها الرسمي إلى هذا ‘العمش السياسي’ ردود الفعل الغاضبة والمنتقدة للتقرير من قبل قيادة الانفصاليين.

صحيح أن التقرير تضمن إيجابيات لصالح المغرب، لكنه أيضا تميز بعدم التوازن لما يتحدث عن الخروقات التي ارتكبها الطرفان، فضخم خروقات الجانب المغربي، وتعامل بالتبسيط والتقليل لخروقات جانب الانفصاليين.

أما الإيجابية الأساسية لصالح المغرب فهي إشارة التقرير إلى أنه لأول مرة منذ 1976 يزور مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين مخيماتهم بتندوف (فقرة 45)، ثم قال حرفيا: “وناقش المفوض السامي مسألة تسجيل اللاجئين مع السلطات في كلا البلدين، ولا تتوافر إحصاءات دقيقة عن عدد اللاجئين في مخيمات تندوف” (فقرة 46). وهذه أول مرة يشار في تقرير للأمين العام إلى هذه القضية التي بقي المغرب يطالب بها باستمرار.

وكان قبل ذلك قد أشار إلى أن المغرب شدد أثناء المفاوضات الأخيرة على أن “الجزائر ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لا تفيان بالتزاماما الدوليةKإذ أما تمتنعان عن الاضطلاع بمسؤوليتهما فيما يخص اللاجئين على أرض الجزائر” (فقرة 16).

هذا أمر إيجابي، على الرغم من كون الإشارات إلى شكاوى مغربية من أوضاع حقوق الإنسان في مخيمات تندوف ورد في تقارير سابقة، لكن الإشارة إلى عدم توفر إحصائيات للاجئي المخيمات هذا أمر جديد. وإذا استثنينا هذه النقطة المهمة، ففي باقي الفقرات حاول التقرير حينا إمساك العصى من الوسط، وأحيانا ينحاز للانفصاليين. ومن أمثلة ذلك:
1 ـ عندما أشار التقرير إلى خطاب الملك حول الجهوية المتقدمة أورد مباشرة الرسالة التي وجهها زعيم الانفصاليين إلى الأمين العام يحتج فيها على الخطاب (فقرة 2). بينما عندما تحدث في الفقرة الموالية عن احتفال جبهة الانفصاليين بذكرى إعلان جمهوريتهم في المنطقة العازلة (فقرة 3)، لم يورد ردود الفعل المغربية، ولم يشر إلى مخالفة ذلك لقرارات مجلس الأمن ولاتفاقية وقف إطلاق النار. ولنا أن نتساءل هل أن وزارة الخارجية لم تراسل الأمين العام للأمم المتحدة تحتج على الخرق الفاضح الذي ارتكبه الانفصاليون؟ أم تجاهل الأمين العام مراسلتها؟ وفي كلتا الحالتين يجب أن تساءل الحكومة لماذا أهملت الموضوع في الاحتجاج أو في الموقف من تجاهل الأمين العام له.
2 ـ يورد التقرير العديد من الأخبار عن الانفصاليين ليست موضوع مراسلات للأمين العام من أي طرف. فيورد مثلا حرفيا ما ورد في إعلان ‘المجلس الوطني’ للانفصاليين من أن أولوياته لعام 2010 هي ‘ممارسة سيادة الدولة الصحراوية، وإعادة السكان إلى المناطق المحررة، وتعزيز جيش التحرير الشعبي الصحراوي، ودعم انتفاضة الاستقلال في الأراضي المحتلة في الصحراء الغربية’ (فقرة 3)، ثم قال التقرير: ‘وفي ايار/مايو أطلقت جبهة البوليزاريو قناتها التلفزيونية الجديدة’. ولم يورد في أي فقرة ما يوازيه من التأكيدات المغربية لا تصريحات ولا أخبارا. ولو بحثنا عن الأخبار المماثلة من جانب الصحراويين الوحدويين لملأنا المجلدات.
3 ـ لم يشر التقرير إلى عودة الكثير من قيادات الانفصاليين إلى أرض الوطن وتخليهم عن أطروحة الانفصال، مع أنه حدث وازن في الصراع القائم، يثبت مرة أخرى أن أطروحة الانفصال لا يتبناها إلا أقلية لا يمكنها أن تفرض توجهاتها على باقي أبناء الأقاليم الجنوبية.
4 ـ ركز التقرير في الفقرات 4 و5 و8 على تظاهرات قام بها بعض الانفصاليين في مراكز المينورسو أو في مخيمات تندوف، لكنه لم يورد أيا من أنشطة الصحراويين الوحدويين من تظاهرات ومطالبات وكشف لتجاوزات حقوق الإنسان في المخيمات ورفع دعاوى ضد المسؤولين عنها. وهذه الأنشطة هي الأكثر عددا وقوة من أنشطة الانفصاليين.

هذه بعض من مظاهر التحيز ضد المغرب في التقرير، وهي تثبت أن التقرير وإن تضمن إيجابيات لصالح المغرب، لكنه تضمن أيضا العديد من السلبيات، وبالتالي فإن وصفه بكونه في ‘منتهى الجدية والدقة والموضوعية’، ليس لا جديا ولا دقيقا ولا موضوعيا. وذلك في الوقت الذي سلك الانفصاليون استراتيجية التباكي والعويل والاتهام. صحيح أن ذلك يعكس جزئيا الإحباط الذي أصابهم بسبب فشل محاولاتهم لحصر المغرب في زاوية المتهم والمدان سياسيا وحقوقيا، لكنه كذلك يدخل في استراتيجية التضخيم والتهويل والضغط، والظهور بمظهر الضحية.

وقد أتقن الانفصاليون ومن يقف وراءهم فعلا هذا الدور، واستطاعوا انتزاع لقاء لزعيم الانفصاليين مع الأمين العام وتصريح لمكتب الأمين العام، ليس له قيمة من حيث الوزن السياسي ولا التأثير العملي، لكنه يعكس استراتيجية الفاعلية والإلحاح.

وحتى نفهم جيدا ما هو المطلوب على هذا المستوى من الحكومة أعطي مثالا بالتقرير الذي أعده المكتب الأوروبي لمكافحة الغش مؤخرا، والذي يتهم قيادة الانفصاليين ومن وراءهم بالفساد والتلاعب بالمساعدات التي يتلقونها من منظمات مدنية ودولية لفائدة المواطنين المحتجزين في مخيمات تندوف، وهو تقرير مفصل يدين بالحجج الدامغة قيادات الانفصاليين.

وهكذا فإن الواجب على الحكومة مراسلة الأمين العام للأمم المتحدة في الموضوع فورا، ومطالبته بالتحقيق في مصير المساعدات واتخاذ اللازم تجاه ذلك. ومن المفروض أن يجد ذلك صدى في تقرير الأمين العام المقبل حول الصحراء، وإلا فعلى الحكومة أن تحتج على سلوك يضخم الحدث الصغير أو المختلق، بينما يتجاهل الانتهاكات الجسيمة أو الخطيرة.

الخلاصة أنه ليس مفهوما لماذا تعطي الحكومة هكذا شيكا على بياض لتقرير الأمين العام، مع أن المفروض أن ترسل له رسالة تثمن الإيجابي وتنبه أو تحتج على جوانب النقص أو التحامل. أما المدح، ومجرد المدح، فليس موقفا لا سياسيا ولا موضوعيا، ولا يخدم مصلحة القضية.

* رئيس المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية المغربي

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليق واحد

  1. لبنى وهبي:

    تحليل جيد، وقد فقد الحزب فعدم إعادة انتخاب العثماني أمينا عاما زعيما يتمتع بعمق فكري رصين وبنظرة ثاقبة، نتمنى أن يعود وإلا فالعدالة والتنمية المغربي فقد الكثير

    تاريخ نشر التعليق: 06/05/2010، على الساعة: 14:59

أكتب تعليقك