مستقبلُ الصحافة العربية المستقلة .. بقلم : محمد كريشان

محمد كريشان

محمد كريشان

ما تخبئه الأيام للصحافة العربية المستقلة’ هو العنوان الذي اختير محورا لإحدى جلسات المنتدى العربي الرابع للصحافة الحرة الذي احتضنته بيروت في اليومين الماضيين ونظمه الاتحاد العالمي للصحف وناشري الأنباء.

الجلسة التي حضرها عدد هام من الصحافيين العرب المستقلين، خاصة أولئك الذين أوقفت صحفهم أو تعرضوا هم أنفسهم للاعتقال أو السجن أو المضايقات المختلفة، شكلت مناسبة جيدة لتبادل الآراء في التجارب المختلفة لأكثر من دولة عربية. اللافت هنا أن الكثير من القواسم المشتركة جمعت هؤلاء، ليس فقط في بعض مظاهر معاناتهم مع الرقيب وأجهزة الأمن والملاحقات القضائية المختلفة، وإنما أيضا في طبيعة ممارسات السلطة القمعية حتى لكأنك تظن أن هي نفسها في كل الدول العربية بعقليتها وشخوصها وأساليبها.

بالطبع العلاقة بين السلطة والصحافة في بلادنا العربية وفي غيرها غالبا ما اتسمت بالشد والجذب والكثير من انعدام الود، وقد وصفها برشاقة الأستاذ محمد حسنين هيكل في كتابه ‘بين الصحافة والسياسة’ بالقول إنها ‘علاقة مركبة بين طرفين كلاهما يحتاج إلى الآخر وكلاهما يحذر من الآخر، الصحافي يريد الأخبار ويريد استقلاله، والسلطة تريد الوصول إلى الناس ولا يهمها استقلاله’.

ولهذا لم يكن غريبا أن كانت جلسة النقاش في بيروت مناسبة لتبادل الشجون فيما يخص ما تعانيه الصحافة المستقلة في أكثر من دولة عربية.

في المغرب مثلا، جاءت الصحف المستقلة بلهجة جديدة تجاه السلطة والأحزاب السياسية في البلاد في نفس الوقت وبالتالي فقد كسرت تلك الثنائية التي سادت لسنوات بين صحافة رسمية تتغنى بالمنجزات وأخرى حزبية معارضة لا يهمها إلا قول العكس.

أما في تونس فقد كان مؤسفا استعراض أن ما عرفته ساحتها في ثمانينات وبداية تسعينات القرن الماضي من تجارب جريئة لصحف ومجلات شكلت نموذجا لتعايش راق بين تيارات فكرية وسياسية مختلفة قد اختفت بالكامل، ولم يعد ممكنا أن يرى القارئ ما كان متاحا قبل زهاء الثلاثين عاما من مقالات ورسوم كاريكاتورية لاذعة. وفي مصر فإن الصحافة المستقلة وإن كانت بلا أنياب، كما قال أحدهم،

إلا أنها استطاعت أن تنشر نوعية من المقالات من غير الوارد نشرها في ما يسمى الصحف القومية العريقة. أكثر من ذلك، بعض صحافيي هذه الأخيرة صاروا ينشرون في الصحف المستقلة ما لم يستطيعوا نشره في صحفهم. وفي اليمن ظاهرة طريفة سماها أحد المشاركين باستنساخ الصحف بمعنى أن السلطة تعمد في بعض الحالات وبوسائل مختلفة إلى دفع صحف مزعجة إلى الاختفاء ثم تعمد، عبر آخرين، إلى إصدار أخرى شبيهة لها في العنوان والشكل حتى أنك تظن أنها هي نفسها بينما الأمر مختلف مضمونا وتوجها.

أبرز ما تجلى من خلال استعراض بعض هذه التجارب وغيرها أنه من الصعب جدا الحديث عن أي صحافة مستقلة في بلادنا العربية بمنأى عن الحراك الاجتماعي والسياسي، فحرية التعبير ليست منفصلة عن مرحلة التطور التي وصلها هذا المجتمع أو ذاك ومستوى الحياة السياسية التي أفرزها.

ما هو موجود في هذه الدولة العربية أو تلك من صحافة مستقلة صلبة وصريحة لم يكن منــة أو تعبيرا عن قناعات ديمقراطية من هذه القيادة أو تلك. كله جاء لأن ما شهدته هذه الدولة من تحولات أو احتجاجات اجتماعية، خاصة إذا كانت للقوى السياسية والنقابية المعارضة دور فيها، فرض طبيعة تعامل مختلفة من السلطات التي وجدت نفسها مجبرة على خيارات لم تحبذها لكنها لجأت إليها مرغمة لمنع الانفجار الكامل.

أحد المشاركين لم يمنعه ذلك من التعبير عن اعتقاده بأن قوة الصحافة المستقلة وجرأتها تزداد كل ما كان هناك صحافيون شجعان مستعدون لدفع الثمن، لكن آخر رد بأنه يخشى في هذه الحالة أن يتحول الصحافيون إلى تلك الطلائع التي تسبق المشاة من الجنود فتنفجر في وجودهم حقول الألغام المزروعة، فيتوقف البقية لتحديد ما إذا كان سيمضون في طريقهم قدما أم يعيدون حساباتهم!.

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

أكتب تعليقك