الكاـــــــــبُ الأخرس… بقلم : بسام بلان

بسام بلان

بسام بلان

كلّما تفكرت في شؤون العالم العربي من شرقه إلى غربيه.. ومن شماله إلى جنوبيه، أتذكر الكلب الأخرس؟!

نعم؛ الكلب الأخرس الذي عرفه أهل قريتنا لسنوات طوال.. وعايشه الكبار والصغار، وملأت قصصه المجالس والمضافات.. وأكثر من ذلك ذاع صيته في عشرات القرى المجاورة، لدرجة أن الناس نسيوا اسم قريتنا الأصلي وصاروا يطلقون عليها اسم: قرية الكلب الأخرس.

أنا شخصياً أتذكره تماماً وأتذكر الكثرة الكاثرة من القصص التي رويت عنه؛ كيف لا وقد صار فزاعة حقيقية؛ للكبار والصغار. أما قصة هذا الكلب فلا تخلو هي الأخرى من الغرابة والطرافة في آن.

إنه أخ شقيق لأبناء كلبة المختار الأربعة، الذين ولدوا معاً في ليلة باردة جداً، حسب رواية المختار نفسه. فقد لفت انتباه أهل الدار أن جرواً من الجراء الخمسة يحاول العواء كما إخوته؛ فيفتح فمه ويرفع رقبته إلى أعلى ويشد على نفسه.. يحاول ويحاول، ولكن من دون جدوى. على ذمة المختار، و لأن الله عز وجل لا يترك مخلوقاً من مخلوقاته، فقد لقي هذا الجرو عناية خاصة من أمه.. وسخر له أهل الدار جميعاً، فكانوا يشفقون عليه أيما إشفاق، لدرجة أنهم كانوا خير معين لأمه فيه.

مرت الشهور وكان يكبر مع إخوته، و(حالته الصحية) كما هي لا تتغير. ولأن دور العناية الطبية كانت غير كافية للبشر في ذلك الوقت، فإن الحديث عن عرضه على (طبيب)، كان ضرباً من السخرية واللامعقول، ناهيك بأن بريجيت باردو كانت في تلك الأيام مشغولة بجمالها وفنها وأناقتها واصطياد المخرجين والمنتجين؛ فلم يكن معروفاً عنها بعد اهتمامها بالحيوانات واستعدادها لتكسير الدنيا من أجل آلام قطة أو كلب تعرضا لركلة من مستهتر أو قاسي قلب..ثم لم يعرف عنها أبداً انتصارها لقضايا “كلاب وحيوانات” الدول النامية (؟!).

المهم؛ لا أمل ولا رجاء، فالحالة ميؤوس منها ولا راد لقضاء الله وقدره. مرت الأيام وكبر الكلب وتعوّد الجميع عليه هكذا.. ولأن كل ذي (عاهة جبار عنيد)، بدأت تظهر على ذلك الكلب مظاهر غريبة غير مألوفة في أي نوع آخر من الكلاب؛ السلوقية كانت أم الجعارية.

(فصاحبنا) كان يمضي نهاره نائماً، وفي أكثر الأماكن عتمة وتمويها، ونادراً ما كان يخرج للناس في وضح النهار. إلى هنا وكل شيء طبيعي وغير مضرّ بأحد، أما الواقع فكان غير ذلك بالمرة؛ فقد تطورت حالة الكلب هذه، من مجرد وجود لا معنى له إلى أن أصبح أساس البلى والأذية في القرية كلها.. فقد أقّض مضاجع الجميع وأصبح مصدر الخوف الأوحد في طول البلدة وعرضها، بخاصة بعدما عضّ العشرات من الناس فأصابهم بالكَلَب وأدخلهم المستشفيات وأقعدهم لفترة طويلة عن أعمالهم ومشاغلهم.. فالناس، خصوصا أهل القرى والفلاحين، لا يخافون الكلاب أصلاً؛ فهم معتادون على هذا النوع من الحيوانات ويكاد بيت لا يخلو من واحد أو أكثر منها، ولكن في حالة الكلب الأخرس فالأمر مختلف جداً، لأنه ينقضّ على ضحيته من دون أن يصدر أي صوت أو ينبه؛ فلا عواء ولا تهمير ولاهم يحزنون؛ والضحية لا تشعر به إلا بعدما تكون الأنياب قد انغرست بالفخذ أو الخاصرة أو الظهر.

أما الشيء الأخطر فيه هو أنه لا يخرج لشخص إلاّ إذا كان وحيداً، ولم تحصل أبداً أن باغت شخصين أو أكثر معاً، سواء في الليل أم في النهار.

يوماً بعد يوم راحت الحوادث تتكرر والضحايا تزداد والكلب الأخرس يترسخ في عقول الناس، وخوفهم منه يكبر كما كرة الثلج. وما زاد الطين بلّة خيال الناس، الذي جعل منه أسطورة الأساطير؛ فهو تارة بحجم جمل وأكبر،وأخرى ينقضّ كما النمر على الضحية، وثالثة غضب من الله على الناس.. ورابعة وخامسة.. الخ.

أمام هذا الواقع الذي لا يطاق، تبرع كثيرون من شبان القرية لقتله وتخليص البلدة وأهلها منه، ولكن هيهات؛ فقد كان يزداد شراسة وحنكة في اصطياد ضحاياه كلما استشعر الخطر أكثر.. وكم واحد من هؤلاء (الأبطال) خرج إليه قاطعاً العهد أمام الكبير والصغير، بأنه سيعود برأس هذا الأخرس اللعين، وبعد غيبة تطول أو تقصر، يعود إلى أهله على آخر رمق بعدما يكون طريده قد تمكن منه وقام بالواجب تجاهه..أو أنه يتأخر فيدب الصوت في البلدة فيخرج الناس للبحث عنه فيجدونه مغدوراً بعضّة ومغمى عليه؛ فيلحقونه وهو يتهاوى على شرفات الموت.

أما في واقعنا العربي؛ فلو أمعنا النظر لوجدنا المئات من هذه الكلاب الخرساء تمعن بنا عضّاً ونهشاً، حيث لا تكاد تخلو منها مؤسسة اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية عامة أو خاصة.. حتى أننا نجدها في المؤسسات ذات النفع العام كما في المؤسسات التطوعية في الكثير من الأحيان، لدرجة أن البلاد العربية قد أصبحت تسير في عكس اتجاه مسار الأمم والشعوب الأخرى جرّاء هذه البلوى.

لنتأمل الأرقام التالية، وكلها صادرة عن مؤسسات إقليمية وعالمية مرموقة، ثم لنفتش بعد ذلك عن الكلب الأخرس:

* يمتلك الوطن العربي 61 في المئة من احتياطي النفط العالمي و25,5 في المئة من احتياطي الغاز ولديه أرصدة في البنوك والأسواق العالمية ما بين 1000 و2400 مليار دولار أمريكي.
* إجمالي دخل دول الجامعة العربية كلها أقل من نظيره في إسبانيا.
* من المتوقع أن يبلغ معدل البطالة في العالم العربي في نهاية العام 2010 أكثر من 25 مليوناً.
* الفجوة الغذائية العربية أكثر من 21 مليار دولار، ولا يستغل أكثر من ثلث الأراضي الصالحة للزراعة فيه.
* 207 ملايين عربي يعيشون على ما بين 1- 5 دولارات يومياً.
* 50 في المئة من النساء العربيات و30 في المئة من الرجال أميون.
* يشكل العرب 5 في المئة من سكان العالم ولا يطبعون أكثر من 1,1 في المئة من إنتاج العالم في مجال الطباعة.
* يترجم العرب أقل من كتاب واحد سنوياً لكل مليون من السكان، بينما تترجم المجر 519 كتابا لكل مليون من سكانها.
* حوالي واحد ونصف في المئة فقط من السكان في الدول العربية يستخدمون شبكة الإنترنت.

كل ما سبق ما هو إلاّ نقاط قليلة في قائمة طويلة عريضة لم نتطرق فيها للعصبيات الدينية والمذهبية، ولا لواقع الديموقراطيات والحريات وسواها. وبعدها نسأل أنفسنا عن موقعنا بين الأمم!

لنعترف بصراحة أمام أنفسنا قبل الآخرين أن ثمة كلباً أخرس يقبع في كل تفصيلة من تفصيلات حياتنا.. ولنعترف بخطورة هذا الكلب ولا نتركه يكبر ويترعرع بين ظهرانينا،علينا كشفه وهو جرو صغير قبل أن تقسى أنيابه و يتربص للانقضاض بها علينا.
همسة:

على الرغم من كل ما للكلب الأخرس من مساوئ وأخطار، إلاّ أنه لا يخلو من إيجابية؛يعمل للوصول إلى الأهداف والغايات بصمت مطبق.. ومن دون ضجيج.. وهذه سمة لايعرف العرب،منذ أن كانوا، لدرجة أن كثيرين تجرؤا بوصفهم ” قنابل صوتية”!

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليق واحد

  1. ابو سامر:

    بارك الله فى عقلك وعلمك,لقد اصبت الهدف في الصميم.فقد انتشرت اعمال الظلام
    على مستوى الحكومات الجبانه المذعوره , والتى تسمى اعمال الظلام , الامن القومى.

    تاريخ نشر التعليق: 02/07/2010، على الساعة: 12:19

أكتب تعليقك