الأشجارُ اللبنانية المقدسة…بقلم : عبد الباري عطوان

عبد الباري عطوان

عبد الباري عطوان

الشجرة التي اصرت الدورية الاسرائيلية على اقتلاعها ليست شجرة مقدسة تستحق ان تسفك بسببها دماء جنديين لبنانيين وصحافي، ولكنها تشكل تطورا جديدا عنوانه سقوط ثقافة الخوف التي هيمنت على المنطقة طوال الثلاثين عاما الماضية على الاقل.

اسرائيل اقتلعت اشجارا كثيرة في الماضي، واغارت على مدن، ومراكز تدريب، وانتهكت اجواء في العمق العربي، واحتلت اراضي واقامت مناطق عازلة، واحزمة امنية، وهي مطمئنة الى انعدام اي رد فعل عربي حقيقي لتفوقها العسكري الكبير، وذراعها الضاربة القوية، وفوق كل هذا وذاك نجاحها في ارهاب الانظمة الرسمية العربية، وبث حالة من الرعب في اوساط قياداتها.

الصورة تتغير بسرعة، لتراجع دور الانظمة امام ظهور لاعبين جدد في المنطقة، بدأوا يقلبون المعادلات، ويحطمون ثقافة الخوف، فهناك المقاومة في العراق، وطالبان في افغانستان، و’حماس’ و’الجهاد الاسلامي’ في قطاع غزة، و’القاعدة’ في اكثر من بلد وفوق هذا وذاك حزب الله في لبنان، وجنوبه على وجه التحديد.

فعندما يحذر بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي من استهتار حركة ‘حماس’ و’حزب الله’ ولبنان بعزيمة اسرائيل، في اشارة الى اطلاق صواريخ على ميناء ايلات عبر سيناء، والاشتباكات الاخيرة بين القوات الاسرائيلية ووحدة تابعة للجيش اللبناني على الحدود، فانه يضع اصبعه على الجرح الاسرائيلي النازف ماديا ومعنويا، وهو سقوط هيبة اسرائيل، وفقدانها لعنصر التخويف او الترهيب، الذي وظفته بدقة متناهية، وفاعلية كبرى في تركيع الانظمة الرسمية العربية واذلالها.

نتنياهو بات يدرك جيدا ان ‘توازن رعب’ يتنامى حاليا في المنطقة، خاصة في لبنان، ولم تعد يد اسرائيل طليقة للضرب دون عقاب، او تحمل تبعات ذلك، وهذا ما يفسر حالة الارتباك السائدة حاليا في اوساط النخبة الحاكمة في تل ابيب.

فالجيش اللبناني الذي طالما راهنت عليه امريكا واسرائيل ان يكون ندا للمقاومة ومقاولا بالباطن لتأمين الحدود الاسرائيلية الشمالية جنبا الى جنب مع قوات ‘اليونيفيل’ الدولية كسر هذه القاعدة في الاسبوع الماضي، وكشف بقوة عن معدنه الوطني الاصيل، عندما لم تتورع احدى وحداته عن التصدي للقوة الاسرائيلية التي حاولت انتهاك الحدود، وقدم ثلاثة شهداء احدهم مسيحي والآخر مسلم، علاوة على صحافي، وجرح صحافي آخر، مما يؤكد مجددا فشل هذا الرهان وسقوطه.

التناقض المفترض بين الجيش اللبناني وحزب الله يتآكل بسرعة، ويكشف عن تكامل، وربما تبادل ادوار ايضا، مع بروز هويته الوطنية، بعيدا عن التقسيمات الطائفية، وفي معزل عن فساد النخبة السياسية اللبنانية وصراعاتها المستمرة.

هناك نظرية تروج لها بعض الصحف العبرية تقول بأن وحدة متعاطفة او مخترقة من حزب الله هي التي بادرت باطلاق النار على الدورية الاسرائيلية بقرار شخص من قائدها، ولكن هذا التشكيك في وطنية الجيش اللبناني لا يجد من يشتريه، والا لماذا تناشد الحكومة الاسرائيلية كلا من فرنسا وامريكا بوقف تسليح هذا الجيش وتمويله، بعد ان تيقنت بانه لا يمكن ان يكون وكيلا لها في لبنان مثلما كانت تأمل ويأمل حلفاؤها في بعض الاوساط اللبنانية.

في صيف عام 2006 خاضت اسرائيل حربا استمرت اكثر من 33 يوما ضد المقاومة الاسلامية في جنوب لبنان بسبب اسر جنديين بينما خسرت جنرالا كبيرا في المواجهة الاخيرة مع الجيش اللبناني ولم تحرك ساكنا، ولجأت الى التهدئة والشكوى الى مجلس الامن الدولي.

اسرائيل خائفة، بل مرعوبة، من المواجهة المقبلة، لانها تدرك جيدا ان اي انفجار عسكري في جنوب لبنان سيؤدي الى حرب اوسع نطاقا، بقدرات تدميرية عالية في الجانبين، اي انها لن تكون نزهة، وربما يدفع العمق الاسرائيلي ثمنا باهظا، حيث من المشكوك ان تحميه ‘القبة الحديدية’.

ولعل ما يخيف اسرائيل اكثر حاليا هو اتساع نطاق حملات نزع الشرعية عنها في الغرب والعالم بشكل عام منذ صدور تقرير غولدستون عن جرائم الحرب في قطاع غزة، وارتكابها مجزرة سفن الحرية في عرض البحر المتوسط. فقد باتت في نظر الكثيرين من اقرب حلفائها دولة مارقة تشكل عبئا امنيا واخلاقيا على عاتق حلفائها، حتى ان ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا اتهمها بتحويل قطاع غزة الى معسكر اعتقال بسبب حصارها المستمر منذ اربع سنوات، وهو ما دفع شمعون بيريس رئيس اسرائيل الى اتهام بريطانيا وبعض سياسييها بمعاداة السامية.

المنطقة العربية تقف الآن على حافة الحرب، ولبنان قد يكون احد ميادينها، والقرار الظني المتوقع صدوره عن المحكمة الدولية واتهام بعض عناصر ‘حزب الله’ بالتورط في عملية اغتيال المرحوم رفيق الحريري قد يكون ‘المفجر’ الذي تنتظره اسرائيل وامريكا.
المحكمة مسيسة، وقراراتها موجهة وفق الاهداف الامريكية والاسرائيلية، والاستناد الى قرارها بتبرئة سورية لاثبات موضوعيتها وعدالتها، يثبت من وجهة نظرنا عكس ذلك تماما.

نشرح اكثر ونقول انه عندما كانت سورية مستهدفة امريكيا واسرائيليا جرى توظيف المحكمة لاخراج قواتها بشكل مهين من لبنان، واجبارها على العودة الى المفاوضات غير المباشرة مع اسرائيل عبر تركيا، ووقف تعاونها مع المقاومة العراقية، واغلاق حدودها في وجه المتطوعين السلفيين المتسللين عبرها للانضمام الى ‘القاعدة’ واخيرا اجبارها على مثول بعض قياداتها الامنية امام المحققين في فيينا.

السوريون انحنوا امام عاصفة المحكمة، ورضخوا مكرهين لشروطها، لتجنب المواجهة في وقت يعانون حصارا عربيا ودوليا، وتهديدات أمريكية واضحة بتغيير النظام، وتكرار تجربة الحرب في العراق وحققت مناوراتهم نجاحا كبيرا في هذا الصدد.

فعندما انحسرت العاصفة الامريكية، انسحبت سورية من المفاوضات غير المباشرة، واعادت نفوذها الى لبنان عبر بوابة حزب الله، وقوضت تحالف الرابع عشر من آذار الذي كان يشهر لها سيف العداء، وها هو السيد وليد جنبلاط يزور دمشق اكثر من زيارته لبيروت. اما السيد سعد الحريري فيتغنى بعلاقاته الخاصة والمتميزة مع الرئيس السوري بشار الاسد.

حزب الله حل محل سورية كهدف جديد للمحكمة الدولية، ولذلك لا بد من ‘شيطنته’ وتجريمه من خلال قرار دولي بإلصاق تهمة الارهاب والاغتيال به. ورفضه تسليم اي من عناصره قد يؤدي الى لجوء المحكمة الدولية الى مجلس الامن لاستصدار قرار ضد حزب الله، الامر الذي قد يعطي الضوء الاخضر لاسرائيل وبدعم من امريكا وبعض العرب لغزو لبنان مجددا.

اسرائيل لا تتحمل امارة اسلامية في قطاع غزة في الجنوب، بزعامة حركة حماس، مرشحة للتوسع وامتلاك اسباب القوة لتصعيد المقاومة، واخرى في الشمال بقيادة حزب الله الذي يمتلك 40 الف صاروخ في ترسانته من مختلف الاوزان والاحجام.

وقد تقدم على عملية ‘انتحار’ باشعال فتيل الحرب أملا في الخروج من مأزقها الراهن، واستعادة هيبتها المنهارة.

الحسابات الاسرائيلية في حرب تموز/يوليو عام 2006 ثبت خطؤها، وربما يأتي هذا الخطأ مضاعفا في حال شن اي عدوان جديد على لبنان، لان المواجهة قد تتم مع النسبة الاكبر من اللبنانيين في جبهة موحدة من الجيش والمقاومة معا.

ثقافة الخوف سقطت وتناثرت اشلاؤها، واذا بقي لها وجود ففي نفوس بعض الانظمة العربية المتواطئة اصلا مع اي عدوان اسرائيلي للقضاء على ثقافة المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق وافغانستان. ومن المفارقة ان اسرائيل باتت الاكثر خوفا من الحروب، بعد ان كانت من اكثر المتحمسين لها، والفضل في ذلك كله يعود الى عودة الكرامة متجسدة في المقاومة والتمرد على الاذلال الامريكي الاسرائيلي والرسمي العربي ايضا.

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليق واحد

  1. أبو العبد:

    الرائع في الأمر أن هيبة الأنظمة العربية تابعة لهيبة الصهاينة وبسقوط هيبة الصهاينة تسقط هيبة الحكام

    تاريخ نشر التعليق: 08/08/2010، على الساعة: 10:32

أكتب تعليقك