متسولة في ” الشانزيليزيه” – بقلم : أسيل سامي *

أسيل سامي

أسيل سامي

حين كنت أتمشى في شارع الشانزيليزيه الشهير في العاصمة الفرنسية باريس،شعرت بغبطة وفرح وأنا أردد في قرارة نفسي أنني حين أعود سأحدث الأهل والأصدقاء عن هذا المكان الجميل،لأصف لهم روعة ساحة قوس النصر العجيبة التي تتفرع منها ثمانية شوارع باتجاهات مختلفة.

في الشانزيليزية هذا الشارع العريض بأرصفته، المتنوع بمحلاته حيث الأغنياء يتناولون طعامهم في المقاهي  المفتوحة ،وحيث السيارات الفارهة المتوقفة على جانب الرصيف، تمر على مسامعك كافة اللغات واللهجات وتشاهد أشكال وألوان الملامح والجنسيات والأزياء .

حركة دأوب حتى في منتصف الليل.. محال الملابس والعطور ومعارض السيارات تغريك بالدخول، لكن ترددك يمنعك وأنت تخمن الأسعار.

في غمرة هذه البهجة والأجواء الباريسية الساحرة في عاصمة الأنوار، يستوقفك منظر يشل حركتك ويصدمك.. منظر لمتسولة افترشت الأرض جنب الرصيف،بعد أن ارتدت ملابس توحي بأنها مسلمة،تمد يدها لرواد الشارع الباريسي، وتتمتم بعبارات تستعطفهم من خلالها علها تكسب عطفهم و يجودون عليها ببعض اليورووات.

أينما أدرت وجهك أو وليته في هذا الشارع، تصادف نساء بنفس المواصفات يحترفن التسول على نفس الطريقة،التسول يالنسبة لهؤلاء النسوة إما مصدر رئيسي ووحيد للرزق ،أو ربما يتعلق الأمر بعصابة تتخذ من التسول مهنة بطريقة ذكية جدا،تتمثل في ارتداء ثياب توجي بأن هؤلاء المتسولات مسلمات،في محاولة لاستعطاف السياح العرب و الخليجيين في باريس وما أكثرهم في شهور صيف العاصمة الفرنسية.

هاتان السيدتان اللتان صادقتهما يبدو أنهما احتارا المكان بعناية دقيقة..الشنازيليزية ،وهما متيقنان أن ما ستحصلان عليه من سائح واحد يغني عن صدقات مائة شخص،عكس ما سيكون عليه الأمر  في مكان آخر أقل رواجا سياجيا.

لكن ومع ذلك يظل السؤال مطروحا و بقوة.. أليس عجيبا وغريبا هذا المنظر المستفز في وسط الشانزيليزية؟

المعلومات تقول إن لا أحد في فرنسا يشكو الحاجة و الفقر كما هو متعارف عليه في المجتمعات الفقيرة،كتلك ربما التي تنجدر منها هؤلاء المتسولات، ومهما كانت الظروف هناك مؤسسات اجتماعية تعنى بالمحتاجين وتوفر لهم المأوى والعمل والمساعدة المالية.

لماذا اللجوء إلى هذا السلوك المشين، وإذا كانت هذه السيدة مسلمة حقا فالأمر بالتأكيد سيثير الاستهجان أكثر فأكثر، أما إذا كانت من أصول عربية فالطامة ستصبح أعظم،لأن العرب ليسوا في حاجة إلى ما مزيد من نظرات التخلف والاشمئزاز التي ينظر بها إليهم في بعض الدول الغربية،خاصة و أن الأصابع باتت تشير نحوهم في كل ما يتعلق بجرائم السرقة أو التخريب أو حتى ما يسمى بالعمليات الإرهابية.

أعود إلى متسولة الشانزيليزية التي يبدو أنها ليست رائدة في هذا “الكار”… فالغريب أن هذه الظاهرة هذه ليست في الشانزيليزيه فقط إنما في أماكن وأحياء أخرى من فرنسا فبعضهم يستغل عاهته الجسدية لعرضها عند إشارات المرور لاستعطاف جيوب الناس، وكأننا في بلد عربي لا يقيم اعتبارا لحقوق الإنسان ويغرق أغنيائه في سبات عميق.

لو قدر لك أن تكون غنيا و أنت الذي تعيش في أحد أفقر أحياء مدينة عربية ؟ هل كان سيسعدك هذا أم أنك ستفضل أن تكون  متسولا في زاوية من زوايا شارع الشانزيليزية ؟

مقارنة لا معقولة لا أدري لماذا خطرت في بالي وأنا أشاهد تلك السيدة التي افترشت أرض الشانزيليزيه.. وراحت تمارس لعبتها في التسول الراقي على أرصفته .

* إعلامية عراقية مقيمة في الدوحة

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليقات 5

  1. الحاج على سيف:

    اختى العزيز التسول اصبح مهنة وحرفة وهناك مدارس لتعلم فن التسول اصبح التسول الان بالسيارات والتكاتك ومكبرات الصوط واصبحت البنت تتزوج الان على سمعتها فى التسول بتجيب كام فى اليوم وعلية العوض

    تاريخ نشر التعليق: 03/09/2010، على الساعة: 17:19
  2. صالح نعيم الربيعي:

    عزيزتنا الكاتبه المتألقه اسيل سامي
    تحياتي لك
    ليس غريبا ان تجدين مثل هؤلاء النفوس المريضه
    قسما ليس هو حاجه ة ابدا
    انه سلوك مريض يجب اجتثاثه
    امتناني لك

    تاريخ نشر التعليق: 24/08/2010، على الساعة: 22:35
  3. رغد الحديدي:

    سيدتي الفاضلة…يفرحني جدا ان اقرأ لعراقية تكتب على هذا النحو الحديث الذي يفتقر له اعلامنا ..خصوصا النساء وعن تسأولك الاخير ..انت عراقية وانا متأكدة انك كنت تفضلين البقاء في بلدك بابسط مستوى على ان تكوني احد اثرياء بلد غير بلدك ..لكنها الحرب ومانفعل حيالها ..لك تحياتي

    تاريخ نشر التعليق: 23/08/2010، على الساعة: 23:07
  4. وفاق الشعلان:

    لماذا تستغربين من التسول ايتها السيده المثقفه ؟ فحرفة التسول او مهنة التسول تدر ارباحا” خياليه واول مااكتشفت في عالمنا العربي واذا شاهدتي احد الافلام العربية عن التسول سوف تفهمين انها ارقى مهنه حيث يجردون الفتياة من انوثتهن بعمليه بسيطه كي تبقى تتسول ولا يغريها الرجال في الشارع واعلمك ان في العراق لااحد يستطيع الحصول على المال اليومي مثل المتسولين . فلما الدهشه هناك تخلف في عالمنا العربي بزوال الكرامه من شخصياتهم ليمدوا ايديهم في طلب المال . شكرا للمتألقه الرائعه اسيل سامي ونتمنى ان نشاهدك اجمل واجمل .

    تاريخ نشر التعليق: 14/08/2010، على الساعة: 14:06
  5. نور غزال:

    اذا كانت هذه المتسولة مغربية فانها ليست فردا من عصابة وانما هي طالبة لجوء تسولي .المتسولون المغاربة لم يعودوا يجدون موطئ قدم لهم في المدن المغربية بعدما اكتظت شوارعها بالمتسولين الافارقة الذين تسد في وجوههم ابواب الهجرة السرية .

    تاريخ نشر التعليق: 11/08/2010، على الساعة: 18:58

أكتب تعليقك