بالون اختبار قبل اتخاذ القرار !!! – بقلم : عماد الدائمي *

عماد الدائمي

عماد الدائمي

تفاجئ العديد من المتابعين للأوضاع التونسية من داخل البلاد وخارجها بالدعوة الصادرة منذ أيام عن اللجنة المركزية لحزب التجمع الدستوري الحاكم للرئيس بن علي “لمواصلة قيادة البلاد في المرحلة القادمة”، في إشارة صريحة للاستمرار في رئاسة البلاد بعد انتهاء ولايته الأخيرة دستوريا وقانونيا بعد أربع سنوات من الآن.

ولعل المفاجأة لا تتعلّق بنوايا هرم السلطة التأبيدية أو التوريثية المعلومة لدى القاصي والداني، بل تتعلق أساسا بالشكل والتوقيت وصدور الدعوة دونما إعداد وتهيئة إعلاميّة ونفسيّة.

إن القراءة المتأنية لنص البلاغ الصحفي الذي تضمّن تلك المناشدة ودراسة المصطلحات التي تم استعمالها في النص، ثم مقارنة مختلف الصيغ المعتمدة في المواقع الإعلامية التي تناولت “الحدث” يسّرت لنا الوصول إلى استخلاصات قد تكون مفيدة لمعرفة الجهة التي تقف وراء هذه الدعوة والهدف المخفي المراد منها.

1ـ من يقف وراء هذه المناشدة :

عند متابعة كرونولوجيا نشر خبر مناشدة الحزب الحاكم للرئيس بن علي “قيادة تونس في المرحلة القادمة”، تبيّن أنّ ذلك الخبر صدر أوّلا في تقرير غير ممضى لوكالة تونس افريقيا للأنباء عُنون ب “فحوى اللائحة العامة للدورة الثالثة للجنة المركزية للتجمع الدستوري الديمقراطي”  بتاريخ 17 جويلية 2010.

وقد نقلت التقرير بصيغته الكاملة دون تحوير أو تصرّف أغلب وسائل الاعلام الرسميّة والصحفيّة التونسيّة، مثل جريدة الصباح ، والملاحظ ، وموقع السياسية “المستقل” ، وأساسا موقع أخبار تونس الذي نقلت عنه الخبر أغلب وسائل الاعلام العربية (الجزيرة، محيط، ايلاف،الدولية، الرياض السعودية، الشروق الجزائرية، الخليج الاماراتية، القدس العربي، ..).

وجاءت صيغة التقرير، الذي اُفتتح مباشرة بالمناشدة،  كملخّص طويل للائحة العامة المذكورة أعلاه. غير أنّ المثير للانتباه أنّ تلك اللائحة العامة في حدّ ذاتها لم تنشر على موقع حزب التجمّع الدستوري الحاكم، كما جرت العادة في نشر لوائح مؤتمرات الحزب واجتماعات لجنته المركزية .

والأغرب من هذا أنّ التغطية المفصّلة لأشغال اللجنة المركزية تلك على صفحات ذلك الموقع (في 5 تقارير مختلفة من قاعة الاجتماع))خلت من أيّ إشارة لتلك “المناشدة”، وكذلك خلت تغطية  جريدة الحرّية الناطقة باسم الحزب لذلك “الحدث” في عددها ليوم 17 جويلية  من مثل تلك الاشارة. ولم “تنتبه” جريدة التجمّع لتلك المناشدة إلاّ في عددها ليوم 20 جويلية في مقال عنونته “مناشدة الرئيس بن علي مواصلة قيادة تونس للمرحلة القادمة”، صيغ بالطابع التزلّفي المعهود. وقد اُضيفت إلى فحوى المناشدة جملة توضيحيّة لمن لم يفهم المقصود “.. وبأن يكون مرشّح التجمّع الدستوري الديموقراطي سنة 2014”.

ولا يعني حديثنا عن هذا الإغفال أو التأخير في نشر المناشدة تشكيكا في دعم الحزب الحاكم لنوايا التأبيد أو التوريث التي تنتاب رئيسه، ولا في صدقيّة صدور مناشدات للاستمرار في الحكم من أفراد ترعرعوا على الصنميّة وعلى الاستهانة بالدستور.

ولكنّنا نجازف بالاستخلاص بناء على ما تقدّم وانطلاقا من فهمنا لآليات اتخاذ القرار لدى السلطات التونسية، أنّ الترويج لهذه المناشدة ونشرها في هذا التوقيت بالذات وبهذا الشكل لم يكن عفويّا أو اعتباطيّا، إنّما جاء على الأرجح بقرار واع ومدروس من دوائر القرار الضيّقة في محيط مستشاري الرئيس المقرّبين لخدمة أهداف محدّدة سنتناولها لاحقا.

2 ـ بالون اختبار بامتياز :

“بالون الاختبار” هو أداة تستعملها الحكومات أو قوى الضغط المختلفة أو وسائل الإعلام لنشر أخبار تستهدف قياس الرأي العام أو جسّ نبضه أو جلب اهتمام قطاع محدّد والتأثير عليه.

وتنطبق كل خصائص بالون الاختبار على خبر “المناشدة” الذي نحن بصدد تحليله وهي كالتالي:

أ ـ عنصر المفاجأة: حيث فاجأ الخبر أغلب المتابعين باعتبار حدوثه دون مقدّمات، أثناء العطلة الصيفيّة وفي ظل فراغ سياسي كبير، وبسبب تبكيره الشديد، حيث جاء 4 سنوات كاملة قبل نهاية ولاية السيّد بن علي وموعد الانتخابات الرئاسية القادمة.

ب ـ سرّية المصدر أو الغموض حول الجهة التي “صنعت” الخبر وروّجت له : حيث كشف التحليل السابق أنّ المصدر الأوّل للخبر لم يكن ترجيحا الجهاز الإعلامي للحزب الحاكم. كما أنّ التقرير الذي أطلق الخبر، والذي كان دون إمضاء، خلا من أي أسماء لأعضاء محدّدين في اللجنة المركزيّة بادروا إلى “المناشدة”.

ج ـ عنصر الصدمة أو “جرأة” الخبر: حيث أنّ خبر مناشدة الرئيس المواصلة في الحكم بعد انتهاء ولايته الأخيرة دستوريا يعني بالضرورة دعوة للانقلاب على الدستور مرّة أخرى لتمكين الرجل الذي اكتسب شرعيّته من شعار “لا للرئاسة مدى الحياة” من الاستمرار في الرئاسة لولاية سادسة رغم تقدّمة في السنّ. ولا شكّ أنّ مثل هذه الدعوة مثيرة للصدمة والاشمئزاز والتندّر ليس فقط في صفوف المعارضين، بل لدى فئات واسعة من التونسيين، ناهيك عن الرأي العام العربي والدولي المتعوّد على مثل هذه “الروائح” التي تفوح من أحذية الأنظمة المتجمدة  التي لا زالت تقاوم تيار الانفتاح والديموقراطية في العالم.

د ـ اختصار الخبر وتعمّد الغموض في مضمونه: حيث تعمّد صانعو “البالون” اختيار مصطلحات فضفاضة تلمّح إلى معنى محدّد ولكنّها قد تحتمل معاني أخرى مختلفة. حيث اعتمدوا لفظ “مواصلة قيادة تونس” كتلميح ل “الاستمرار في رئاسة البلاد”. ولكنّ كلمة “القيادة” تتحمّل أيضا معاني التوجيه والعناية والقدوة، كما أنّها غير محصورة منطقيّا في مؤسّسة رئاسة الجمهوريّة. وقد رأينا في بلدان أخرى رؤساء سابقين ينتقلون إثر إنتهاء ولايتهم إلى مجالس الشيوخ أو إلى هيئات استشاريّة عليا تُوجّه سياسات البلاد (مثل مجلس تشخيص مصلحة النظام في ايران)   أو يصيرون مثل مانديلا رموزا وقدوات. كما اعتمد محرّر الخبر لفظ ” .. في المرحلة القادمة” في تلميح للدورة الرئاسية القادمة (2014ـ2019)..

ولعلّ تعمّد الغموض يهدف إلى تخفيف وطأة الصدمة، وإلى دفع النّاس للتفكير في مضمون الخبر والتجادل والتحاور حوله وذلك أمر يسهّل سبر آراء الرأي العام ومعرفة توجّهاته. ويبدو أنّ “متزلّفي” جريدة الحرّية لسان الحزب الحاكم لم يدركوا هذا المقصد حيث قتلوا الغموض وبدّدوه بإضافتهم الدعوة لترشيح بن علي للانتخابات القادمة في فحوى المناشدة. وهو ما يؤكّد مجدّدا أنّ الموضوع لم يطبخ في قيادة الحزب بل في مستوى أعلى.

ه ـ تجنّب التعليق على الخبر إثر نشره توضيحا أو تأكيدا أو تكذيبا، إدامة للغموض وحرصا على متابعة ردود الفعل وقياس اتّجاهات الرأي قبل اتّخاذ أي قرارات. وفي هذا الإطار نفهم تجنّب الإشارة من قريب أو بعيد لموقف الرئيس من هذه المناشدة.

وهو موقف قد يدوم أشهرا عديدة في انتظار توضّح الصورة ومعرفة مسار الأمور.

3 ـ الأهداف الخفيّة لهذه المناورة الإعلامية :

على الرغم من أنّ صيغة الخبر وسياقاته تفترض أن يكون الهدف من إطلاق هذا البالون هو إعداد الرأي العام الوطني والخارجي وتهيئته لتقبّل قرار منتظر بالانطلاق في عمليّة تحوير الدستور لإلغاء الفصل 40 الذي يحدّد السن القصوى للترشح (75 سنة) ويحرم السيّد بن علي من الاستمرار في الحكم.

وعلى الرغم من “السوابق” المتعددة للرئيس بن علي ولحزبه منذ عهد الرئيس بورقيبة في تطويع الدستور والنّصوص القانونيّة لخدمة نزوات التمديد والتأبيد، تذهب في اتّجاه تأكيد هذا التوقّع. فإنّنا نعتقد أنّ هذا الهدف ليس إلا الخيار “أ” ضمن قائمة خيارات متعدّدة تخدم كلّها مصالح الأسرة الحاكمة ودوائر المصلحة المحيطة بها.

حيث يُدرك صنّاع القرار (أي مُطلقو البالون) جيّدا أنّ التمديد لبن علي هذه المرّة لن يكون بالسهولة التي كان عليها في المرّتين السابقتين، لتزايد العداء الداخلي وأساسا الرفض الخارجي لهذا التمشّي، ولاهتراء شرعيّته وتقدّم سنّه وتدهور صحّته بشكل يُذكّر تماما بأواخر العهد البورقيبي.

ولعلّ الصعوبة الحقيقيّة لهذه المأموريّة هي ما يُبرّر التبكير جدّا بطرح موضوع التمديد على الرأي العام لجسّ النبض ومعرفة ردود فعل مختلف الأطراف ودراسة إمكانيات تمرير هذا الخيار من عدمها قبل اتخاذ قرار حاسم في هذا الاتّجاه أو ذاك.

ولا شكّ أنّ صمت الرئيس بن علي وامتناع محيطه المقرّب عن التعليق عن هذا الموضوع سيتواصل لمدّة طويلة، ستتكثّف خلالها من ناحية المناشدات (الطوعيّة-التزلّفيّة والمفروضة) ومن ناحية أخرى المناورات الداخليّة مع قوى المصلحة والمفاوضات مع القوى الخارجية ذات النفوذ والتأثير.

أمّا إذا تعذّر مسعى التمديد بسبب فيتو خارجي أو تنازع داخلي أو تخلّي شخصي، فلن يكون مفعول هذا البالون إلا ايجابيا. حيث سيوجّه أنظار الرأي العام نحو وجهة خاطئة، ويكثّف مشاعر السخط والرفض تجاه هذا الخيار. وهو ما سيساعد على تمرير خيارات أخرى قد يتطلّب أغلبها تحويرا دستوريّا محرجا ومحفوفا بالمخاطر من مثل سيناريوهات التوريث لصالح زوجة الرئيس صاحبة النفوذ المتزايد على مؤسسات الدولة (والذي يمرّ عبر إحداث منصب نائب رئيس يتولّى الخلافة عند الشغور)، أو لصالح صهرهما المفضّل السيّد صخر الماطري (وهو ما يتطلّب تخفيض السنّ الأدنى للترشّح من 40 سنة إلى أقلّ من 34 عمر السيد الماطري سنة 2014).

وفي ظلّ غياب مؤشّرات قطعيّة عن نوايا الرئيس بن علي في خصوص التمديد أو التخلّي في أعقاب ولايته الحالية، فإنّه يسعنا أن نضيف للاحتمالات السابقة احتمالا يبدو سرياليا في الوهلة الأولى ولكنّه ممكن نظريّا: أن يكون قرار التخلّي قد اُتّخذ أصلا وأن يكون هذا “البالون” هو جزء من الإخراج لتحسين الخاتمة وتسهيل عمليّة التوريث، تلميعا لصورة الرئيس وضمانا لمصلحة الوريث المحتمل وقوى المصلحة النافذة والحزب الحاكم. وعلى الرغم من أنّ هذا الاحتمال هو الأفضل لمصلحة “الأسرة الحاكمة” والنظام عموما، فإن أغلب المتابعين والفاعلين في الساحة السياسية المعارضة يشكّكون في إمكانية حصوله تشكيكهم أصلا في وجود نيّة عند السيّد بن علي لتوريث الحكم ما دام في النفس رمق، ومادامت الساحة تعجّ بمتزلّفين يصفّقون و”يناشدون”، ومادام الشعب ونخبه السياسية غير قادرين على قلب المعادلة وافتكاك زمام الأمور. ويحضرني هنا قول للصديق الدكتور منصف المرزوقي الذي ينصح من أراد استقراء موقف السلطة من قضيّة ما أن يفكّر مليّا في الموقف الأقرب منطقيّا لمصلحتها ثمّ يبحث عن الموقف النقيض تماما وسيجد هناك غالبا الموقف الذي سيتم اعتماده!

4 ـ صدّ المناورة .. أو مسؤولية قوى البلاد الحيّة ؟

إذا كان الهدف من إطلاق “بالون اختبار” هو جسّ نبض الرأي العام قبل اتّخاذ قرارات مصيريّة تهمّ مستقبل البلاد والعباد، فإنّ ردّة فعل نخب البلاد وقواها الحيّة يجب أن تكون على درجة كبيرة من القوّة والصرامة والتنظيم كي تتمكّن من إرباك حسابات أصحاب القرار والتأثير على خياراتهم.

قد يقول البعض أنّ ردّة فعل الرأي العام قد تُؤخذ بعين الاعتبار في الديموقراطيّات التي تحترم شعوبها وتخشى غضبها. أمّا في الأنظمة التي لا تُلقي بالاً لرأي الرعيّة، فلا أمل في صدّ القرارات أو التأثير على المسارات. ولكن الواقع يُثبت أنّ تلك الأنظمة الفاقدة للشعبيّة فقدانها للشرعيّة تخشى ردّة فعل شعوبها أكثر من الأنظمة ذات الشرعيّة، غير أنّ ضعف ردود الأفعال وتشرذم الفاعلين وتشتّتهم يطمئنها ويشجّعها على التمادي.

والصّحيح أنّ ما تخشاه تلك الأنظمة أكثر في ظلّ ضعف مؤسّسات المجتمع وأحزابه هو الضغط الخارجي، ودعوات الدمقرطة والتداول وتحسين الواجهة التي ترفعها الدول الكبرى بضغط من مجتمعاتها المدنيّة، وتسعى أحيانا لفرضها، قطعا بشكل منقوص أو مشوّه، كلّما قدّرت وجود أخطار حقيقية على الاستقرار والمصالح الإستراتيجية من مثل الانتفاضات الشعبيّة التي قد تقلب المعادلات وتعيد رسم الخرائط ..

إنّ أشدّ ما يراهن عليه “مُطلقو البالون” في الفترة القادمة، وما سيسعون بالتأكيد للوصول إليه بكل ما أوتوا من وسائل الحزب ومقدّرات الدولة، هو بثّ الإحباط في نفوس نخبة البلاد ومثقّفيها ورجال أعمالها وعامة النّاس، وإقناعهم بأنّ ما هم مُقدمون على إعداده من تمديد أو توريث حاصل لا محالة، وأنّه قدر لا أمل في ردّه ولا فائدة ترجى من مقاومته، وأنّه لا بدّ، للحفاظ على المصلحة، من القبول به أو على الأقلّ النأي بالنفس عن مصادمته.

إنّ مسؤوليّة النخب الواعية، من قوى معارضة ونقابيين وناشطين حقوقيين وطاقات شبابية مهتمّة بالشأن العام دون انتماءات ومستثمرين وغيرهم من أبناء الشعب الكريم، أضحت اليوم مضاعفة لإطلاق حملات شعبيّة متعدّدة الأشكال والوسائل والسقوف من أجل التصدّي لمخطّطات التأبيد والتوريث التي تستهين بذكاء الشعب وتمتهن كرامته وترتهن مستقبله. ولا شكّ أنّ مثل هذه الحملات المتزامنة ستخلق ديناميكية متصاعدة قد تدفع سريعا نحو أشكال متقدّمة من التنسيق ربّما تقود إلى بروز مشاريع إنقاذ وطنيّة جدّية تحظى بتأييد قطاعات واسعة من التونسيين، كما كان عليه الأمر في مصر الشقيقة.

إنّ ما يجري اليوم بأرض الكنانة من حراك شعبي متزايد ضدّ توريث الحكم لجمال مبارك، وما أدّى إليه ذلك الحراك من إرباك لبرامج الرئيس مبارك وحزبه الحاكم الذين لا يزالان عاجزين قبل أقلّ من سنة عن الاستحقاق الانتخابي القادم على مواجهة المصريين بخيارهم (بين التمديد والتوريث)، إن كانوا أصلا قد تمكّنوا من الاختيار،  ليقدّم الدليل والنموذج على قدرة المجتمع، عندما يريد، على إرباك مخطّطات الرّاغبين في احتكار السلطة والضغط عليهم بشكل مباشر أو غير مباشر عبر زعزعة ثقة وحماية وطُمأنينة شُركائهم وضامني شرعيّتهم في الغرب الحريصين على مصالحهم الإستراتيجية طويلة الأمد أكثر من حرصهم على مصير شخص ليس إلاّ بيدقا في نظرهم لن يتردّدوا في استبداله قبل أن يفاجئوا ب”كش مات”.

* كاتب تونسي

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

أكتب تعليقك