رابح سعدان..من منقذ للجزائر إلى حبل المشنقة ! – بقلم : خضير بوقايلة *

خضير بوقايلة

خضير بوقايلة

أيام قليلة ويتحول مدرب المنتخب الجزائري لكرة القدم (السابق) رابح سعدان إلى مجرم خطير أفل ما يستحقه الإعدام شنقا، والسبب هو أنه عجز للمرة الألف في جعل فريقه يحقق الفوز تلو الفوز.

 محاربو الصحراء أخفقوا في كسر عقدة الهجوم وخرجوا مدحورين من مباراة رسمية أمام منتخب تانزانيا في إطار افتتاح المنافسات التأهيلية لكأس إفريقيا للأمم 2012، من حظ سعدان أن المنتخب الجزائري لم ينهزم واكتفى بالتعادل أمام فريق لا يرقى إلى مصاف الكبار وإلا لقدموا رأسه قربانا قبل أن يغادر ملعب مصطفى تشاكر في مدينة البليدة.

طبعا الكلام هنا عن رابح سعدان الشيخ والمدرب القادر المقتدر الفذ العبقري الذي رفع رأس الجزائر عاليا بين الأمم، رابح سعدان الذي جمع حوله ملايين الجزائريين ومنحهم جرعة زائدة من النخوة والوطنية وفتح لهم الجنة من أوسع أبوابها.

سعدان محبوب الجماهير ومعبود السلطة بمفاتيحها الأساسية والثانوية ووزرائها والتابعين تحول في رمشة عين إلى جاهل حقير خائن لا يهمه سوى جمع المال والسمسرة والبزنس الداخلي والخارجي.

ماذا حصل حتى حدث هذا التحول الرأسي في مواقف الناس من الرجل؟ بماذا أجرم الشيخ سعدان حتى انهالت عليه سكاكين الجزائريين وتخلت عنه السلطة بل وأوحت له بضرورة تقديم استقالته من منصبه حفاظا على (هيبة الدولة) من أن تمرغ في الأوحال؟

الجزائر تعادلت ولم تنهزم مع تانزانيا، وللذين يتمتعون بقوة الذاكرة نقول إن التعادل خارج وداخل الديار كان السمة الأبرز في مشوار الشيخ منذ واقعة أم درمان.

 منتخب الخضر وصل إلى الدور نصف النهائي في كأس أمم إفريقيا الأخيرة بفوز واحد والباقي كله تعادل وانهزام، وفي نهائيات مونديال جنوب إفريقيا خرج المنتخب الجزائري ومدربه مرفوعا على كثير من الأكتاف والألسن مع أنه لم يحقق مع أشباله أكثر من تعادلين وانهزام واحد وصفر فوزا.

 ومع ذلك قرر من قرر أن محاربي الصحراء الأشاوس خرجوا من ملاعب جنوب إفريقيا بنتيجة شاحبة ومن أول دور، لكن الهزيمة خرجت من ألسنة سحرة فرعون محلاة بطعم الفوز فقالوا لنا مثلا إن المنتخب الجزائري فاز بصفر مقابل صفر وفاز أيضا عندما تلقى هدفا في شباكه أمام سلوفينيا مقابل صفر.

 وبما أن الفوز كان حصيلة الشيخ سعدان في نهائيات كأس العالم فقد كان لزاما على وصايته ممثلة في الاتحاد الجزائري لكرة القدم أن تجدد الثقة فيه وتشجعه على مواصلة مشواره الذي تميز به وأبدع في جعل الجزائريين يستمتعون بالهزيمة ويبتلعونها هنيئا مريئا فوزا مبينا.

ولا أفشي سرا إذا قلت إن كثيرا من وزراء حكومته فخامته حسدوا المدرب رابح سعدان على المكانة التي حظي بها في أوساط الجزائريين خاصتهم وعامتهم وعلى المهارة التي يتمتع بها في تحويل الهزيمة إلى نصر مبين يستحق عليه جزاء حسنا.

ولعل كثيرا من هؤلاء الوزراء تقربوا من الشيخ وطلبوا منه وصفته السحرية حتى يجربوها في أبناء شعبهم ويتحولوا أبطالا، مع أنهم لا يحتاجون مثل ذلك بعد الحصانة التي وجدوها من رئيسهم وقوائم إنجازاتهم العظمى التي تزخر بها نشرات الأخبار في تلفزيون البلد الرسمي والوحيد.

الذين أوتوا الحكمة والعلم الغزير في علم الكرة اختلفوا بشأن المصير الذي آل إليه رابح سعدان، فمنهم من قال إن مغادرته جاءت متأخرة ومنهم من رأى أن الوصاية ظلمته عندما جددت عقده في أعقاب الانتصار الساحق الذي حققه في المونديال، ومنهم من قال إنه كان عليه أن يستمر في مهمته لأننا لسنا إلا في بداية المشوار والمباريات المقبلة ستنزل بردا وسلاما على الناس، ومنهم من كان يعتقد أن الرجل مظلوم وقد دفع إلى رمي المنشفة رميا وهناك أيضا من تساءل لماذا لم يستقل الشيخ كما كان مقررا بعد نهاية المونديال الأخير.

 ونسي هؤلاء أن الناس سيقولون عنه إنه مجنون بل خائن لأنه انسحب من المعركة وسجله حافل بالانتصارات.

دعونا يا ناس نتفق هل كان مسار شيخ المدربين ومعيد البسمة والفرحة إلى وجوه الجزائريين مشرفا وإيجابيا وهنا لا بد أن نستغرب من سرعة التخلي عنه لمجرد أنه تعادل مع تانزانيا وفي أول مقابلة من مقابلات تصفيات كأس إفريقيا إضافة إلى أن التعادل بل حتى الخسارة ليست غريبة على الفريق في مجمل مساره، وإما أن سعدان كان مدربا فاشلا وكان يراكم الهزيمة تلو الهزيمة وهنا أيضا لا بد أن نسأل الذي أو الذين قرروا تجديد عقده قبل أقل من شهرين لماذا فعلتم ذلك؟

المشكلة الشائكة في كل هذه الحكاية هي أن سعدان وأشباله تحولوا في الجزائر إلى أسطورة وتفوقوا في كل الاستطلاعات على الجميع وصار الشعب والسلطة مجتمعين ينظران إليهم على أنهم مخلّصو الجزائريين من كل همومهم وآفاتهم ومصائبهم.

بقدرة قادر تحولت كرة القدم ومنتخب الجزائر في هذه اللعبة إلى برنامج تنموي وطني خصص له فخامة الرئيس وحاشيته مجلسا وزاريا خاصا واعتمدوا إثره خطة تنموية مستدامة قوامها الرياضة عموما وكرة القدم خصوصا. لم يعد أحد يتكلم عن التعليم والشغل والبطالة وفرص العمل والعجلة الاقتصادية وبناء السدود والطرق والمساكن، مع أن الجزائريين غارقون في هذه المشاكل إلى نواصيهم.

 لكنهم مع ذلك عقدوا مع السلطة تحالفا شيطانيا وقرروا السكوت عن كل آفة وتعليق آمالهم وأحلامهم في أقدام غزال ورفاقه واستمروا في غيهم حتى يوم الجمعة الماضي. ومع ذلك فإن ملايين المحللين والمدربين والخبراء والفنيين الرياضيين في الجزائر (يقال إن عددهم خمسة وثلاثون مليونا بعدد أفراد الشعب) لا يزالون متعلقين بأرجل اللاعبين لكي يرفعوا لهم رؤوسهم ورأس بلدهم عاليا إلى جانب الدول الكبرى.

مارادونا وكابيلو ودومينيك وغيرهم من الذين حققوا نتائج توازي أو أحسن مما حققه الشيخ سعدان غادروا ومنهم من تعرض لعقوبات تأديبية لكن الأمر لم يتجاوز حدوده المنطقية والطبيعية، لماذا؟

 لأن الإنكليز والأرجنتينيين والفرنسيين وغيرهم لم يكذبوا على أنفسهم ولم يصدقوا أكاذيب من قبيل أوهام سحرة فرعون وكبيرهم الذين خادعوا ملايين المساكين وجعلوهم يصدقون أن مفتاح حل أزمة الجزائر صار في يد رابح سعدان، فكانت الخيبة على قدر الوهم.

 لو سلك الجزائريون طريق غيرهم من الأمم وفرقوا بين الكرة كرياضة وملاذ للترفيه الخسارة فيها كالانتصار أمران متلازمان وحتميان وبين الرهانات الكبرى والخطط التنموية وبرامج الحكومات التي يعتمد عليه الشعب ويتوقف عليها مصيره وتعتمد عليها المؤسسات المالية والمنظمات المالية الدولية في قياسات مؤشراتها.

* كاتب وصحافي جزائري

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

أكتب تعليقك