دعاة الجهل – بقلم : يسري فودة

يسري فودة

يسري فودة

على طريقة الإمام على بن أبي طالب، كرم الله وجهه، يمضي نجم جريدة «الإندبندنت»، روبرت فيسك، الذى التقى أسامة بن لادن ثلاث مرات، فى مواجهة عشاق نظرية المؤامرة وشعاره: «ما جادلت جاهلاً إلا غلبني وما جادلت عالماً إلا غلبته».

هذا الرجل صاحب المنهج الشجاع والنظرة الثاقبة والأسلوب الممتع فى آنٍ معاً، الذى يؤمن بأن المهمة الأولى للصحفي هى أن يتحدى السلطة، أى سلطة، قضى حتى الآن 34 عاماً مراسلاً لشؤون الشرق الأوسط من خلال موقعه فى بيروت غطى أثناءها أحداثنا الكبرى، وهى كثيرة لا يتسع المقام لسردها جميعاً.

من صور المذابح فى صابرا وشاتيلا إلى صور جمال مبارك فى بولاق الدكرور، مروراً بأخرى جسام فقد أثناءها سمعه فى إحدى أذنيه فى حرب الخليج الأولى وأوسعته الغوغاء ضرباً مبرحاً عندما هجم الأمريكان على أفغانستان واشتغلته الآلة الدعائية القذرة لإسرائيل ولأصدقاء إسرائيل وحاول زعيم القاعدة أن يدخله فى زمرة المسلمين.

على هذه الخلفية لابد أن يفاجئك عنوان مقال له كتبه قبل ثلاث سنوات: «حتى أنا أشك فى حقيقة الحادي عشر من سبتمبر». عندما سألته عن ذلك قبل يومين جاءت إجابته مذكرة تفسيرية مفحمة لهؤلاء الذين لا يفهمون ولأولئك الذين لا يريدون أن يفهموا: «كنت أعلم أننى سأندم على كتابة ذلك المقال، لأن كل الذين يؤمنون بنظرية المؤامرة قالوا: (هه، روبرت فيسك يشك مثلنا الآن فى الرواية الرسمية)».

يمضي فيسك فيقول: «من المؤكد أن تسعة عشر رجلاً يقولون إنهم مسلمون نفذوا هذه الجرائم فى حق الإنسانية، ولا أعتقد أنها من تخطيط بوش، كما تقول نظرية المؤامرة». وأحد الأسباب الجيدة وراء هذا الاعتقاد فى رأيه هو أن «بوش والجيش الأمريكي فشلوا فشلاً ذريعاً (وهذه ترجمة مهذبة لكلمة screwed up) فى كل ما فعلوه فى الشرق الأوسط ولم يكن لهم أن يستطيعوا القيام بعملية كالحادى عشر من سبتمبر».

ومن حصافة الرجل أنه لا يترك المتشككين عرايا، فهو يبدأ بالاتفاق معهم على سلسلة من المفارقات الغريبة التى سبقت الأحداث ورافقتها وأعقبتها، ويعذرهم لقلة المتاح من المعلومات، ومن ثم يخلص إلى أن «هناك الكثير الذى لم نعرفه بعد عن الأحداث، ولا يعنى هذا صحة موقف المؤمنين بنظرية المؤامرة، ولكن طالما استمرت السرية سيزعم هؤلاء أنهم على حق».

هذا النوع من المتشككين الذين يقصدهم فيسك هو فى معظمه حسن النية يفتقر إلى المعلومة، وهو على استعداد لتقبلها حين تتاح أمامه. ويمكننا نحن أن نضيف إليه ثلاثة أنواع أخرى: نوع حسن النية يفتقر إلى المعلومة ومهما قدمتها له مقشرة لا يتزحزح عن موقفه (كبعض هؤلاء الساخطين من كل شىء، اليائسين من انصلاح العالم). ونوع ثان له أجندة خاصة لا يترك للمعلومة حرية الوصول بنا فى نهاية المطاف إلى الحقيقة، التى ربما لا تتفق مع مصلحته، أو مع ما يعتقد أنها مصلحته (كبعض هؤلاء الذين يظنون أنهم يدافعون عن الإسلام بإنكار دور القاعدة).

وأما النوع الثالث فهو هذا الصنف من الشخصيات العامة، ومن بينهم من يوصفون بالإعلاميين، الذين يعيشون حياتهم كما تعيش الطفيليات دون أى إحساس بالمسؤولية تجاه الآخرين وتجاه المجتمع .. يلقون بآذانهم إلى الشارع فيستنتجون أن طريقهم إلى الشهرة والمال سيكون أقصر وأسهل إذا أسمعوه ما يعرفون أنه سيستلطف سماعه، ومن ثم يساهمون عمداً مع سبق الإصرار والترصد فى إشاعة الجهل والتخلف والتنبلة، وذلك كله من باب «جربناها ونفعت».

استقيموا يرحمكم الله.

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليقات 4

  1. nabila:

    الله يكثر من امثالك ياريت لو كان منك 10في العالم العربي

    تاريخ نشر التعليق: 29/09/2010، على الساعة: 23:19
  2. عبدالرحمن الجزائري:

    يعجز القلم على اعطائك حقك … و لكن كتبت فأفحمت، بارك الله فيك و في ذويك

    تاريخ نشر التعليق: 25/09/2010، على الساعة: 1:07
  3. عبود على الحدود:

    الله عليك ياأستاذ يسري , تذكرت سري للغايه وأجمل الأيام
    آآه ليتك تعود

    أعذرني , نسيت المقال

    تاريخ نشر التعليق: 23/09/2010، على الساعة: 4:29
  4. نزهة/ المملكة المغربية:

    مقال اكثر من رائع.. واصل تالقك و اتحفنا كما عودتنا دائما.
    اعانك الله.

    تاريخ نشر التعليق: 16/09/2010، على الساعة: 22:07

أكتب تعليقك