عنف …عنف…عنف – بقلم : أسيل سامي *

الإعلامية العراقية أسيل سامي

الإعلامية العراقية أسيل سامي

أوحت إلي المشاهد التي نشرتها “الدولية” في موقعها لمعلمتين تسيئان معاملة تلاميذتهما  في سوريا ، أوحت لي بكتابة هذا المقال.

بات مؤكدا أن العنف أصبح السمة السائدة في عصرنا هذا سواء في دولنا العربية أو في المجتمعات الأجنبية،عبر تجليات مختلفة قد تبدأ بعنف الأزواج ضد زوجاتهم أو أطفالهم و تمر بعنف أرباب العمل ضد مرؤوسيهم ولا تنتهي بالعنف المسلح.

العنف قد يأخذ أيضا أشكالا مختلفة..فهناك العنف النفسي الذي لا تستخدم فيه القوة الجسدية بالضرورة لكن ضرره النفسي قد يكون أكثر إيذاءا من الضرب،ولعل الأمثلة على هذا النوع من العنف كثيرة كيف لا وبعض الأزواج من ضعاف النفوس يتخذون منه سلاحا يرفع في وجه زوجاتهم، فتراه إذا اختلف معها أو كان غير راض عن أداء مهامها في المنزل يحرمها من الخروج من البيت أو يجردها من ممتلكاتها الشخصية كالهاتف النقال أو يمنعها من رؤية أهلها وأصحابها.

هناك من يجبر الزوجة على ترك عملها والتفرغ للأعمال المنزلية…وهناك من يقايض غض طرفه عن عملها بمساهمتها بجزء غير يسير من أعباء المنزل المادية،وكلها طرق عنف وضغط نفسي ترضى بها الزوجة المقهورة في مجتمعاتنا على مضض لتخلف آثارا نفسية كبيرة لديها…. أما العنف الجسدي المتمثل في الضرب،فأكاد أجزم أن كثيرا من الزوجات تذوقن شتى أطباقه،الظاهرة استفحلت في مجتمعاتنا كما في المجتمعات الغربية بشكل مخيف.

وإذا أردت الهروب من الواقع والبحث عن عوالم أخرى بعيدة عن العنف وجدته أمامي  من جديد متجليا في أفلام و مسلسلات ، فكم مرة سعيت دون جدوى للتنقل بين مئات الفضائيات التلفزيونية بحثا عن فيلم رومانسي أو اجتماعي أو كوميدي،فلا أجد بينها سوى أفلام العنف والرعب و “الآكشن” تباغتني مشاهدها التي تقشعر لها الأبدان .

ألا تلاحظون معي أن الأفلام القديمة وحدها تتسم بالرومانسية ربما لأنها لا تنتمي لهذا العصر ، بل و حتى أغاني هذا الزمان لا تخلو من مشاهد العراك والتكسير والضرب… ألم أقل لكم إننا نعيش في عصر العنف !؟

أطفالنا أنفسهم باتوا معتادين على مشاهد العنف سواء عبر الشاشة أو حتى في الألعاب الألكترونية التي تستوحى معظم أفكارها من فنون القتال والمطاردات والجريمة .

وبالعودة إلى المشاهد التي عرضتها “الدولية” على موقعها الألكتروني فإنها  أفرزت ردود أفعال مختلفة طالب العديد من كتابها بفرض أقسى العقوبة بحق المعلمتين ومنهم من طالب بتقديمهما للعدالة ومحاكمتهما

واستشهد الكثير من المعلقين بمعاملة الأطفال في الغرب،بل و وضعوا مقارنات و بمصير المعلمتين العنيفتين لو أن فعلهما هذا جرى في دول أوروبية مثلا.

إنسانية البشر هي واحدة على اختلاف الشعوب والأديان والأعراق، خلقنا بعقول ومنطق وأحاسيس وضمائر مماثلة …لا يهمني إن كان الغرب أكثر أم أقل منا إنصافا في معاملة الأطفال….ما يؤرق ضميري وأي ضمير حي أن يستغل ضعف الأطفال الذين لا حيلة لهم في ممارسة العنف ضدهم ..عنف ربما تكون أسبابه ضغوط نفسية ومشاكل أسرية أو اجتماعية تخص هؤلاء المعلمات وتنعكس بشكل عنف جسدي جماعي ضد أطفال لم يرتكبوا ذنبا سوى أنهم لم يحضروا دروسهم بشكل جيد أو ربما أو كانوا مشاغبين ساعة الدرس.

دوار العنف يداهمني حتى وأنا أكتب هذه السطور  فأخاله جدران تطبق علي  من الجهات الأربع فأتذكر خبرا قرأته قبل بضعة أعوام  مفاده أن أبا ضرب أبنه ضربا مبرحا لأنه لم يحصل على علامات متفوقه في امتحانه، بمعنى أنه اجتاز الامتحان لكن لم يحصل على علامة كاملة ولم تستطع الأم تخليص إبنها من بين يدي الأب المفترس ولم تفلح صرخاتها وتوسلاتها واستنجادها بالجيران في إنقاذ الطفل المسكين فكانت نتيجة تلك النوبة الجنونية الهوجاء من الضرب أن لفظ الطفل أنفاسه بين يدي والده وأودع الأب السجن. وقد بقي أثر  تلك الحادثة سيئا على نفسي لأيام وها أنا أعود لأتذكرها.

أما المشاهد التي رأيناها على موقع “الدولية” فليست الأولى من نوعها في بلد عربي ولن تكون الأخيرة بالتأكيد، وما كان لهاتين المعلمتين أن يفتضح أمرهما لولا أنهما وقعتا في فخ نصبتاه لنفيسهما دون علم وهو توثيقهما لعملية عقاب الطلاب الجماعية وضرب الأطفال بمسطرة خشبية كبيرة بالصوت والصورة، وليس أسهل من تداول المشاهد المصورة عبر الهواتف المحمولة وشبكة الانترنت التي أصبحت عملية يسيرة ومتاحة للجميع.

دعونا نعترف أن العنف ظاهرة طاغية في مجتمعاتنا العربية بشكل واضح لا حاجة لتسليط الضوء عليه . فمن عنف الأزواج إلى عنف  أرباب العمل وعنف التفجيرات الذي يحصد الارواح ويستغل لأهداف سياسية ، ليظل التساؤل الطافي على السطح هو لماذا تحولت إنسانيتنا إلى حيوانية وعقولنا ومنطقنا ولسان حواراتنا إلى عصي ومساطر وسكاكين تغرز في نفوس المظلومين ذلا وقهرا وآلاما مبرحة ؟

وكيف هو السبيل إلى معالجة هذه الظاهرة واقتلاعها من جذورها ؟ وهل هناك وقفة جادة من أصحاب القرار والعقلاء والمنصفين لمعالجة هذا المرض الذي استفحل في مجتمعاتنا وصار جزءا من حياتنا اليومية ؟

* إعلامية عراقية مقيمة في الدوحة

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليقات 10

  1. العطار:

    من شب على شيئ شاب عليه ولا عجب تربيان في بيئة القائد الضروره وقائد …… فلا نجد القائد الا يقوم بضرب والهجوم على الجيران والاهل فلا تعجبوا ان كان منا من يقوم برد الفعل الطبيعي فلكل فعل رد فعل , وما رايناه في الايام الخوالي خير دليل على الحاضر فبدل الحوار نقتل بعضنا الاخر ببروده الاعصاب وقلة الوعي فهل تعجب اذا قام احدنا بضرب ابنه ؟؟ انه من قال من شب على شي … فا اهلنا لم يجدوا االمتنفس الوحيد لهم الا بمثل هذا السلوك الطبيعي فحرين بنا ان نبداء من نقطة الحقيقة والتحليل العلمي لا بسرد الحدث بدون مقدمات

    تاريخ نشر التعليق: 15/10/2010، على الساعة: 4:15
  2. علي العراقي:

    نسيت اذكر قنوات الافلام كارتون العربية لأسف اصبحت تتنافس فيما بينها من يعرض افلام كارتون اكثر عنفا ….

    تاريخ نشر التعليق: 02/10/2010، على الساعة: 14:35
  3. علي العراقي:

    التربية القاسية من قبل الاهل…
    المجتمع المتخلف الذي لايعرف سوى لغة العنف…
    وحاليا دخلت العاب الاكترونيه والافلام الكارتون العنيفه لتعلمنا العنف بكل انواعه …
    احترامتي لمدعة الاعلامية
    اسيل سامي

    تاريخ نشر التعليق: 02/10/2010، على الساعة: 14:34
  4. بنت السلوى:

    ماللي ضيعنا غير هالمسلسلات والافلام التي لاتمت لنا باي صلة وتدخل في عقول الناشئة افكار غربية سوداء نحن عرب مسلمين هذه الاشياء لاتنتمي الينا

    تاريخ نشر التعليق: 01/10/2010، على الساعة: 15:35
  5. شروق:

    للأسف وانا صغيرة ابوي كان يضربني كثير ما اقول غير حسبي الله ونعم الوكيل فية

    تاريخ نشر التعليق: 01/10/2010، على الساعة: 15:32
  6. حسين زولو:

    العتب على اباء التلاميذ… والله انا لو ابني ينضرب من معلم..والله اقطع رأسه

    تاريخ نشر التعليق: 01/10/2010، على الساعة: 15:30
  7. نوافي:

    المعلمات حلوات الا لعنة الله عليهما

    تاريخ نشر التعليق: 01/10/2010، على الساعة: 15:29
  8. سعودي:

    هذا هو التعليم الصحيح تربية وتعليم يجب ان يكون هناك عقاب حتى يتحسن الطلاب ويتأدب فالعقاب مطلوب والثواب مطلوب عندما كان العقاب موجود في السعودية كان الانتاج ممتاز والادب ممتاز اما الان يعيني على الميوعة وقلت الاخلاق
    شكرا لمعلمينا الاوائل

    تاريخ نشر التعليق: 01/10/2010، على الساعة: 15:29
  9. ابن الشام:

    ابشرك يا مذيعتنا المحبوبة أسيل أنه تم فصل المعلمتين

    تاريخ نشر التعليق: 01/10/2010، على الساعة: 15:28
  10. عبد الرحمان:

    ساقطات ساديات .. نشان في بيئة مليئة بالعنف وإحتقار الإنسان .. سلوكهن نتاج متوقع لبيئة قذرة مليئة بالعنف نشأن فيها.. أحادهن لو أنها أمام إبن مسئول سوري بعثي لقبلت قدميه بدل ضربهما

    تاريخ نشر التعليق: 01/10/2010، على الساعة: 15:27

أكتب تعليقك