سيناء «الشقيقة» – بقلم : يسري فودة

يسري فودة

يسري فودة

حافلة سياحية، تلطخت مقدمتها وإطاراتها بالدم، يستوقفها ضابط شرطة أمام أحد الكمائن فى جنوب سيناء ويقبض على سائقها. يأتى ذلك بعد بيان عاجل قام رئيس المباحث فى المنطقة بتعميمه على جميع نقاط التفتيش. يبدو الدم طازجاً يزكم أنفك حين تقترب منه، لكن تحليلاً معملياً كان سيثبت أنه ليس دماً بشرياً.

إنه دم عشرين خروفاً بدوياً دهستها عجلات الحافلة ومقدمتها الصلبة ولاذ سائقها الجبان بالفرار، بينما وقف نفر من البدو وقد عقدت الصدمة ألسنتهم وخيم على جباههم ذلك السمت الذى يصيبك حين يضيع رأس مالك وقوت أبنائك، ويضيع معه فجأة إحساسك بالأمان.

كنت فى طريقي إلى سانت كاترين لصعود الجبل، لكننى – وقد اصطحبت فى سيارتى الخاصة رئيس المباحث إلى مسرح الجريمة – وجدت نفسى فى صدمة وأنا أقف موزعاً بين منظرين فى غاية المأساة: منظر الخراف التى تحولت أبدانها إلى أشلاء ومنظر البدو الذين تحولت نفوسهم إلى أشلاء. قاومت فى نفسى، حين غادرتهم فى النهاية، إحساساً بأن الشرطة تحركت بهذه السرعة والكفاءة للقبض على الجانى وتعويض البدو لمجرد المصادفة.

لا أريد أن أصدق أن ذلك حدث لأن رئيس المباحث بالمصادفة هو ابن خالى، ولأننى، بالمصادفة، كنت فى طريقى من العريش مخترقاً قلب سيناء نحو الجنوب، ولأننى، بالمصادفة، اتصلت به للتحية فأصر على رؤيتى، ولأننى توسلت إليه أن يعيد الحق إلى أصحابه.

أهلاً بكم فى سيناء «الشقيقة» التى كانت ولاتزال جرحنا وفرحنا. يرسم لى الحاج عبدالله، وهو رئيس جمعية لرعاية المجاهدين، خريطة من الذاكرة، تتفوق على خريطة جوجل، تأخذنى من العريش إلى بير لِحْفِن إلى بغداد إلى بير الحسنة إلى نخل إلى التِمِد إلى رأس النقب .

كلها أسماء لصور أشباح تقفز فجأة من ذاكرة التاريخ الحديث عاجزة عن احتمال تلك الجرائم كلها التى ارتكبتها شراذم الإسرائيليين، وهذه البطولات كلها التى أنجزها رجال مصر من القوات المسلحة ومن البدو ومن نسائهم ومن أطفالهم ومن أغنامهم ومن جِمالهم ومن آبارهم ومن نخيلهم ومن زيتونهم.

هنا دفن الإسرائيليون أسرى مصر من الجيش ومن المدنيين حتى رقابهم أحياء فى الأسمنت وفى الجير الحى، وهنا كان الشيخ سالم يضع على قارعة الطريق فرعين من شجر الزيتون وخمس سعفات من النخيل لأن ضابط المخابرات المصرى حين يمر بها سيفهم أن دبابتين وخمس عربات مصفحة إسرائيلية عبرت إلى الغرب، وهنا كانت زوجته تطبخ لهم فتة بالصلصة وقد اختبأ بعضهم فى منزل أحد أبناء عمومته، وهنا كان أبناؤه يتظاهرون باللهو بينما كانوا يشغلون انتباه العدو، حتى الأغنام والفئران لعبت دوراً حاسماً وهى تغطى آثار أقدام أبطال مصر.

أما هنا فقد اختبأ الحاج حسن خلف، وهو من أعيان قبيلة السواركة، فى هذا الكهف نهاراً بعد أن كان قد عبر قناة السويس من الغرب فى زورق وهو يحمل اثنتى عشرة قذيفة بازوكا، وإلى جانبه جَمَله البطل يعبر القناة عائماً كى يحمل عنه القذائف ويحمله هو نفسه عبر سيناء كلها مروراً بالأحباب تحت أنوف الأعداء.

فى ليلة غرّاء من إحدى ليالى رمضان، الذى وافق عام 1968، كانت القذائف تخترق مقر القيادة العسكرية الإسرائيلية فى قلب العريش.

لا أحد يعلم سيناء كما يعلمها بدو مصر فى سيناء، ولا أحد يعلم بدو مصر فى سيناء كما يعلمهم جنود مصر فى القوات المسلحة والمخابرات الحربية الذين اقتسموا معهم الجرح والفرح. لكن ما يحدث الآن يدعو إلى الاستغراب وقد دخلت على الخط أجهزة أخرى لا نشكك فى حسن نواياها، وإن كنا نتساءل عن مدى إلمامها بثقافة البدو وبما تحتاجه سيناء وبما نحتاجه من سيناء.

لقد رأيت الحزن فى أعين البدو وأحسست بالغصة فى حلاقيمهم. كان الله فى عونهم والشرفاء فى هذا البلد. اليوم، ونحن فى رحاب الذكرى السابعة والثلاثين لأكتوبر المجيد، يؤسفنا أن يظل معنا هذا التساؤل: متى نعتبر أهل مصر من بدو سيناء «الشقيقة»، حقاً، مواطنين مصريين؟

استقيموا يرحمكم الله.

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

أكتب تعليقك