كلب ابن كلب !

غازي قهوجي

غازي قهوجي

ذات مساء، رافقت صديقي السيد «أسعد» الى قاعة الاستقبال في المطار، حيث انتظرنا وصول «كلب» من نوع «الكانيش»، كان قد أوصى عليه من أوروبا.

في الوقت المحدد، أعلنت المذيعة عبر مكبرات الصوت عن وصول الطائرة الآتية من «كوبنهاغن» التي على متنها الكلب المنتظر.

و ما كاد الصديق «أسعد» يسمع صوت المذيعة يبشّ.ر بهبوط الطائرة على أرض المطار، حتى انفرجت أساريره وضحكت عيناه، فصفَّق بشكل عفوي، وأنا كذلك تضامناً معه، ثم اندفع بعدها مهرولاً نحو قاعة الوصول، مما اضطرني – لياقةً – أن أركض وراءه، حتى أصبحنا بمحاذاة كونتوار الجمارك والأمن العام.

وقفنا عند الحاجز الشَبكي المعدني ونحن نلهث بملء رئتينا، وبصوت مسموع، حتى تأكد لكل من كان موجوداً في المكان بأننا ننتظر كلباً!!

وبعد أن أجرى المعنيون البيطريون كل المعاملات الرسمية «الطبيّة» للكلب القادم، وتفحصوا جميع الأوراق، وتحققوا من صورته ومن صحة التواقيع والأختام والبصمات، وصلاحية الشهادات الصحيّة، وأدخلوا اسمه، وهو «بونبون» بحسب جواز سفره، الى جهاز الكمبيوتر، وذلك للتأكد من أنه الكلب المعني بتلك الوثائق والمستندات، وأنه – فعلاً – كلب ابن كلب، وغير مطلوب من الأنتربول، ولا علاقة له بأي «عواء» تهديدي، أو «عضّ» ارهابي!! وخلال لحظات، أطل أحد «البياطرة» بمريوله الأبيض حاملاً بين يديه «بونبون»، مما أجّج عواطف صديقي وضاعف من حرارة لهفته وانفعاله، فاغرورقت عيناه بدموع فرح اللقاء، وغصّ في الكلام حاضناً «بونبون» بمنتهى الرقة والحنان!!

كان كلباً صغير الحجم، أبيض الشعر، يضع على فمه قناعاً (ماسْكًا) ضد التلوث مع سمّاعتين على أذنيه، وتتدلى من عنقه سلسلة فضية تحمل صورة الكلبة الشهيرة «لايكا» أول رائدة فضاء حيوانية من كوكب الأرض!

عرفنا فيما بعد، أن «أكاديميا الكلاب» العالمية، قد حَذَّرَت أخيراً عبر نشراتها كافة من انتشار تلوّث سمعي – بيئي يجتاح حالياً بلدان حوض البحر المتوسط، ويتمركز بشكل حاد في حناجر بعض المطربين في هذه المنطقة!! لذا، وجب أخذ منتهى الحيطة والحذر!!

في أثناء طريق العودة ونحن في السيارة، أخذت بدافع الحشرية أُقَلّ.بُ في أوراق الكلب ووثائقه، التي فاجأتني بما اشتملت عليه من معلومات عن شخصيته المتفردة، وغنى تاريخه وعمقه… وذهلت أمام المستوى الحضاري الذي وصل إليه مجتمع الكلاب المدني في العالم!! وتبيّن لي أن هذا الكلب، هو عضو مؤسّ.س في جمعية «الرفق بالانسان»!! ومن رواد ومطالبي عدم التفرقة العنصرية بين الانسان والحيوان! ومساهم كبير وصاحب الفضل في إلغاء كلمة «كلاب سندويش» من كتاب «الحيوان» للجاحظ طيّب الله ثراه، وذلك في طبعته الأخيرة!!

وصلنا إلى البيت، وكانت تتصدر الصالون قصيدة كُت.بَتْ بالخط الكوفي وتقول بعض أبياتها:

إذا غَض.بَتْ عليكَ بنو تميم
رَأَيْتَ الناس كلهمُ غ.ضاباً
فغضّ الطرفَ إنَّكَ من نُميرٍ
فلا كعباً بَلَغْت ولا «كلابا»!!

وهكذا، بعد مرور أسبوع على وصول الكلب «بونبون»، اكتشف صديقي «أسعد» أنّه من النوع الذي لا ينبح على الاطلاق!!! وحتى يثبت للملأ بأن لديه كلباً وليس هرّة، قرر أن يستعين بأحد «الوصوليين الانتهازيين» المشهود لهم بالنفاق، ليعلّم ويدّرب الكلب «بونبون» على مبادئ وأصول وحسن وتقنية النباح !!!

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

أكتب تعليقك