” الأوطانُ الطائرة “

الإعلامية العراقية أسيل سامي

الإعلامية العراقية أسيل سامي

تائهون نحن معشر المغتربين  بين مهانة الغربة ومرارة العودة،منسلخون عن وطن غادرناه قسرا.. بعضنا لأسباب سياسية ، وآخرون لأسباب أمنية ،  وبقية تبحث عن أمن وأمان وفرص حياة أفضل.

كلنا غادر وقد أقسم في قرارة نفسه على أنه سيعود بعد عام أو عامين جينما يتحسن الوضع ويستتب الأمن، أو بعد أن يكون قد ضمن لنفسه ما يؤمن مستقبله ومستقبل أولاده.

لكن سنين الغربة تطول أكثر فأكثر، ومعها تطول مسافة العودة، وينقص خزين الذاكرة فيصبح الأهل و الأحباب و الأصدقاء مجرد صورة غير مكتملة  الملامح ، وتصبح الشوارع والأزقة وبيوت الجيران التي عايشت سنين صبانا  أسماء لأغان نرددها لنرتوي من ضمأ الحنين إلى الوطن البعيد.

وهكذا نظل تائهين هائمين على وجوهنا…عيوننا على أوطان تسكننا لكننا لا نسكن فيها،وأجسادنا تركن في أوطان نسكن  فيها لكنها لا تسكن قلوبنا فنبقى ضمن متاهة هذه الرحلة بين فضاءات ومساكن وأوطان، ورحلات الطيران بين الأماكن والملاذات تصبح هي أوطاننا التي نخصها بالولاء وتؤول رحلات الحل والترحال  بين الممكن والمحال..أوطان يجدر بنا أن نطلق عليها اسم الأوطان الطائرة..نرفع لها أعلاما ونعزفها نشيدا وطنيا.

في الماضي كانت كلمة غربة تعني ترفا بعيد المنال يحلم به من يريد أن يعود إلى الوطن متأبطا شهادة عليا أو من يبحث عن متعة  الاستكشاف في غور عوالم وحضارات جديدة.

أما المغتربون اليوم فهم هاربون من جحيم نار ملتهبة..قابعون في صقيع موحش يعيشون قواسم مشتركة ، يتبادلون  انطباعات وآلام ومخاطر متشابهة،فالوطن البديل الذي يوفر لك لقمة هنية وعيشة راضية يبقيهم ضمن لائحة شك واختبار ويمن عليهم هامش الحياة المؤقتة التي وفرها لهم.

هم في نظره مجهولون خارجون من حفرة نار..لا قيمة لهم ولا تاريخ …يعجب بين مصدق ومكذب أنهم تركوا في وطنهم البعيد ،منازل كبيرة في أحياء راقية وسيارات فارهة وأراض وممتلكات لم يعودوا يعلمون عنها شيئا…

هم في نظره مشردون معدمون..شققهم المستأجرة في الوطن الطائر هي جل ما حلموا به ووائفهم التي تدر عليهم بعض المال للعيش هي أقصى طموحاتهم…

أراهن أن كل من في غربته من أبناء العراق يكتوي بنار الحنين إلى بلاد الرافدين،بعد أن حيره ذاك السؤال التقليدي القديم الجديد  :…”ما الذي يمنعني من العودة ؟”

غير أن لائحة المطبات و الموانع تطول مع طول سنوات الغربة…الأهل  لم يبق منهم  أحد ، غادر من غادر، وهاجر من هاجر. منهم من وافته المنية  ومنهم من اغتيل أو قتل.

أصبح لأهل الغربة هموم حياة تختلف عن هموم من هم في الداخل، حتى النكتة التي تضحك المغترب قد لا تضحك الذي يعيش داخل الوطن لأنه يتلقاها في سياق آخر وضمن تجربة حياتية مختلفة كما أن المغتربين  اعتادوا  على نمط حياة قد يصعب عليهم تغييره .

و تجربتي الشخصية كصحافية عراقية مهاجرة قد لا تختلف عن تجارب آخرين …خمسة عشرة عاما من حياة الغربة مرت،كنت أعتقد خاطئة أنها لن تتحاوز العامين، اكتسب من خلالها خبرة جديدة، وأخرج من نطاق حصار خانق أطبق على أنفاس العراقيين في تلك الفترة. لكن سنوات الغربة امتدت مع امتداد سنوات الحصار وتردي الأوضاع الاقتصادية والأمنية والاجتماعية في العراق.

فبقيت عالقة بين غمامة الوطن الطائر…والصورة المشوشة لوطن لم تتضح معالمه بعد.

* إعلامية عراقية مقيمة في الدوحة


مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليق واحد

  1. يمام:

    نقلت بشفافية وصدق معاناتنا، مقالكِ هو لسان حالنا نحن آلاف العراقيون المشتتون في جهات العالم الأربعة، عشنا جحيم الحروب، والآن نتجرع غربة لا يبدو أن لها نهاية.

    تاريخ نشر التعليق: 15/04/2013، على الساعة: 7:52

أكتب تعليقك