هل أتاك حديث الطرود ؟

عزت القمحاوي

عزت القمحاوي

لا بد أن ذاكرة البشر في كل مكان في العالم تحمل أوقات رعبها الخاص والأكثر إيلاما من رعب هذه الأيام، العرب إبان الغزوات الشرقية والغربية، والاستيطان الصهيوني والحروب المتوالية، الهنود الحمر وقت الاستيطان الأبيض في أمريكا، الأمريكيون السمر في عقود التصميم الأمريكي على مطاردة الاتــــحاد السوفييتي حتى آخر إنسان في أمريكا اللاتينية، الأفارقة في عصـــــور الاحتلال والاستعباد، لكن ذلك كله كان رعبــا في بؤرة أو بؤرتين بالتبادل يقوم العنف البسيط ضد إحداها بإخفاء العنف الضخم ضد الأخرى.

لم يشهد العالم العنف المتذري إلى هذا الحد المقلق الذي هو عليه منذ سقوط توازن الردع مع نهاية الثمانينيات في موجات نعيش إحداها في الأسبوعين الماضيين. لقد تحول العالم بحق إلى معسكر صغير وجبهة قتال واحدة. اختلطت طرود القاعدة بطرود اليسار الأوروبي في مكاتب “فيدكس” للبريد العابر للقوميات. واختلط إسلام كامليا شحاتة في مصر بإسلام لورين بوث (أخت زوجة توني بلير) في بريطانيا.

والعالم الذي صورته التحليلات المتعجلة كبطة عرجاء تقف على الساق الأمريكية منذ سقوط الاتحاد السوفييتي تعددت مراكز اتخاذ القرار فيه بين تورا بورا وواشنطن وبكين وبغداد وصنعاء وما لا حصر له من عواصم تتهم كل منها العاصمة الأخرى بالشر(باستثناء بكين التي تعمل في صمت).

الأسوأ في تحولات الأسبوعين الماضيين أن مراكز إصدار الأوامر صارت من كل كل مكان إلى كل مكان، بعد أن كانت تتجه من عواصم الإمبراطوريات الكبرى وتصب على امبراطوريات كبرى أخرى أو سجون صغيرة. وبعد أن كان التنابذ بين عدد محدود من الأباطرة في أفغانستان وأمريكا وبريطانيا، تحول إلى تدخلات لا حصر لها من ضعفاء في حياة ضعفاء آخرين. ولن نستغرب إذا ما أخذ تلميذ أمريكي تلاميذ فصله رهائن لأن ولي أمر في تايلاند منع ابنه من البقاء طوال اليوم على الفيس بوك!

لم نكن نتصور أن يأتي اليوم الذي تقتل فيه قاعدة العراق أبرياء من مسيحيي العراق لتفرض موقفا على الكنيسة المصرية.

الدول الميتة والمحتضرة كانت معا ميادين قتال تصدر أوامره في واشنطن وكابول؛ أما أن تسري الأوامر بين بلاد الرافدين والنيل فذلك هو الجديد الأكثر إقلاقا لأن البلدين مستعدان فقط للتلقي ولا قدرة لديهما للاستجابة المرنة.

للتهديد القاعدي العراقي مقابل عامي فاحش في الأمثال المصرية، عندما يتولى ضعيف التنكيل بضعيف، يقولون ‘عيان يفحش بميت’ ولعله العكس هنا؛ فالميت يفحش بالمريض من دون أن يكون هناك حل إلا الأمل اليوتوبي في ديمقراطية وعدالة كونية تشمل فيما تشمل مصر والعراق وأفغانستان والسعودية مع اليمن وليبيا.

الدين مرة أخرى، والكتب المقدسة على أسنة الرماح. قاعدة العراق لديها ما تهتم به لو كانت حركة تحرير، ولكنها تريد أن تكسب رضى الله ورضى وكلائه في تورا بورا بتحرير متحولة إلى الإسلام من أسر الكنيسة القبطية والبطريرك الذي يحمل له المصريون أقباطا ومسلمين الكثير من المواقف الوطنية فيما يخص الصراع مع إسرائيل يطمئن شعبه القبطي على “حب ربنا” الذي يختبرهم بتهديد القاعدة، ولا يعرف المستنيرون المصريون ماذا يقولون لقداسته حول ملف القبطيات المتحولات إلى الإسلام.

لا يجوز أن تكون الكنيسة دولة داخل الدولة؛ ولا يجوز قمع سيدة والتشهير بها في مظاهرات المسلمين والأقباط بسبب شأن شديد الخصوصية، سواء كان تحولها الديني نتيجة اقتناع أو غرام أو أي شيء آخر، لكن الاستقامة الأخلاقية تقتضي أيضا أن نقول إن إعطاء القبطي والقبطية المتحولين للإسلام هذا الحق ينبغي أن يكون على قدم المساواة الإنسانية والوطنية؛ فيكون للمسلم المصري المتنصر ذات الحق في تغيير ديانته.

صعوبة القول تأتي من الظرف الذي وجدت فيه الكنيسة المصرية نفسها منذ ثورة يوليو، حيث الوضع غير الديمقراطي الذي وضع الدين في موازين التلاعب بالحقوق المدنية و’المواطنة’ التي صارت الرطانة الفارغة الأكثر تكرارا على ألسن الحرس القديم والمستشرقين الجدد الحاكمين في مصر الآن.

أغمضت الدولة الخليط من الدكتاتورية العسكرية والثيوقراطية الدينية عينيها عن انتزاع الإخوان المسلمين والاتجاهات السلفية الإسلامية مساحات من الفعل في الشارع المصري وتركت للكنيسة طواعية حق التصرف في الحياة المدنية لرعاياها، في ملفات أخطر من ملف إسلام القبطيات اللائي صرن هدفا للجهاد العاطفي لدى بعض الشباب الذين يبحثون عن علاقة عاطفية، غير مؤثمة بل مثابة!

منع الزواج الثاني بعد الطلاق هو الأقسى الذي يعاني منه مئات الآلاف من الأقباط، وهم يعانون منه لأنه لا يوجد زواج مدني موحد تفرضه الدولة على الجميع لتبقى بعد ذلك حرية إتمام المراسم إسلاميا أو كنسيا بيد من يريد. ولو وجد هذا الأمر لوضع كل المصريين تحت سلطة دولة مدنية واحدة، وما كان لأحد أن يسمع بإسلام أو تنصير امرأة، لكن أحدا لا يريد الدولة المدنية، لا الحاكم ولا المسجد ولا الكنيسة.

البشر فقط يريدون ذلك، ومن يكترث بالبشر في عالم يبدو شديد المادية، وهو بالحقيقة منذور للآلهة وخدم الآلهة؟!

لا أحد من رافعي المصاحف والأناجيل في مظاهرات المسلمين والأقباط ولا في كهوف العراق الجهادية يتذكر أنه شخصيا محروم من حق الحياة الإنسانية مثله مثل المتحول عن دينه.

وليس أمام العراقيين إلا أن يقتلوا في كنائسهم وشوارعهم وبيوتهم وليس أمام المصريين إلا أن يحبسوا في كنائسهم وشوارعهم وبيوتهم، وليس على ‘فيديكس’ إلا أن تجري مزيدا من الفحص والتدقيق لطرود الموت العابرة للقارات.

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليق واحد

  1. مرصاد:

    يا هذا، لك الحق .. كل الحق .. في أن تقيء ما في داخلك كراهية للدين، ولن تقنع إلاَّ من هم على شاكلتك.. أنصحك بالكتابة في صميم السياسة ولا علاقة لك بالدين.. فأنت متحرر ولا تحتاج لأي دين فدينك وإلهك هواك… حتى نستمتع بمقالاتك…
    شكراً…

    تاريخ نشر التعليق: 08/11/2010، على الساعة: 2:29

أكتب تعليقك