من انتخابات الأردن إلى انتخابات مصر

توجان فيصل

توجان فيصل

الكلام الصادر عن الإعلامي المعروف حمدي قنديل، والآن تحديدا مع بداية “العرس الانتخابي المصري”، ليس جديدا فعمره قارب السنة.. لذا فالمحاكمة ليست لكلامه هذا، بل هي تأتي ضمن قطع رأس القط في ليلة العرس.

فإذا كان القط في الحقيقة نمر بشهرة الأستاذ قنديل، فإن هدف جعله عبرة لمن يعتبر تضاف إليه تلهية الناس عن بعض تفاصيل ما سيجري في الانتخابات وعند الصناديق.

وأخطرما يمثله قنديل في نظرالنظام الحاكم الآن تحديدا، هو أنه الناطق الرسمي لأكبر تجمع شعبي يدعو لمقاطعة الانتخابات. وبالمقابل يبدو غريبا ان أكبر جماعة منظمة ترفض ان تقاطع الانتخابات تُستهدف هي أيضا بحملات رسمية تحيل شوارع كبرى المدن المصرية لساحات مواجهات عنيفة واعتقالات تجدول لها محاكمات.

موقف رسمي يبدو متناقضا لو قرئ بظاهره، ولكنه في حقيقته يعكس حالة عربية نمطية لافتقاد الشرعية، وبخاصة عند اعتزام التزوير. فالمطلوب هو مقاطعة كل من له فرصة فوز للترشح، وبالمقابل مطلوب أن يتوجه اكبرعدد من الناخبين للصناديق كي تبرر الجهة الحاكمة الأغلبية الساحقة التي ستعلن ان مرشحيها فازوا بها.

واهم ما يميز تلك الحالة النمطية، شدة تخبط الأجهزة الرسمية في قراراتها وإجراءاتها، واستنفار أتباعها وأقلامها بدرجات من الشراسة تصل في بعض الحالات حد السفه والابتذال.

فتفاني الفئة الحاكمة في إخراج مسرحيات العنف الزائد والمنع الجائر والذي يواجه به مرشحو المعارضة، رسالة للخارج تستأذن استمرار الجور وإسقاط سلطات القضاء وحقوق الإنسان وأعراف الديمقراطية، بزعم مكافحة “الإرهاب”، الذي يلخصه النظام المصري في صورة الإخوان المسلمين.

وإخوان مصر، وفي تخبط مماثل نتيجة تراجع مكانتهم في الشارع بعد تقدم قوى معارضة أخرى ببرامج وحلول أكثر عصرية وعملية وحتى عقلانية، سقطوا في الفخ واستمرأوا لعب دور المضطهدين من قبل قوى شر داخلية ودولية لتبرير تواضع النتائج التي يمكن ان يحصلوا عليها حتى لو أتيحت لهم حرية ترشح ونزاهة انتخابات.

وهذا السقوط يبرزه موقف جديد مغاير لإخوان الأردن الذين كانوا حلفاء الحكم التاريخيين واتيح لهم وحدهم حرية التنظيم والعمل العلني. واستمرت حظوتهم لما بعد عودة الحياة النيابية بفعل انتفاضة نيسان (التي لم يكن لهم دور فيها)، وذلك بإطالة عمر الأحكام العرفية وبالتالي منع قيام اية أحزاب أخرى تنافسهم لما يزيد على ثلاث سنوات من عمر المجلس النيابي المنتخب بعد الانتفاضة عام 89.

ومعنى هذا انه لم يتبق للأحزاب الأخرى الممنوعة لأكثر من خمس وثلاثين سنة، سوى بضعة أشهر لتخرج للضوء وتنافس. ومع ذلك لم يحصل الإخوان في انتخابات عام 93 سوى على سبعة عشر مقعدا من ثمانين مقعدا، وهو ما يراوح حول الخمسة عشر بالمئة التي أظهرتها دراسات عدة تلت، وهو الحجم الذي يعترف به قادة إخوانيون.

وحين قاطع الإخوان انتخابات عام 97، لم يحدث ذلك اي فارق يذكر لدى الشعب في دورهم الذي لم يكن قد خرج من تحت عباءة النظام وكوتاته وترضياته بمختلف المواقع، ما أضعف شعبيتهم. وحين عادوا للمشاركة في دورتين انتخابيتين تاليتين سقطت فيهما كل مصداقية متبقية لما يسمى انتخابات، تقلص تمثيل الإخوان لستة او سبعة نواب في مجالس زيد اعضاؤها للمئة والمئة وعشرة، كانوا من اضعف وليس من أقوى النواب أداء.. فظهر من بين الإخوان من أعاد قراءة الخارطة السياسية الوطنية والإقليمية والعالمية بواقعية، وتقدم بحزم لقيادتهم بما يناسب المرحلة.

وهذه القيادات الجديدة أنتجت نقلة نوعية كادت مقاومة الزعامات التقليدية في صفوف الإخوان لها ان تتسبب في قسمة تنظيم الإخوان.

ولكن الصوت العصري الواقعي غلب، وعمليا بدءا بقبول الإخوان الانضواء تحت مظلة الدستور (العودة لدستورعام 52 والتصدي لكل التشويه الذي جرى له والتجاوزات عليه)، الذي كان يُرفض من قبل ويُكفّر دعاته لصالح ذات الصيغة العائمة من حكم الإسلام والقرآن الذي تلون بتفاسير تصل حد التناقض.

وفي تجربة لي في مجلس عام 93 (موثقة في محاضر ذلك المجلس) جرى إعطائي ثلاثة آراء متباينة حول الفرق بين الديمقراطية العصرية والشورى الإسلامية تبدأ بما يكاد يكون تطابقا للنهجين ووصولا لتكفير وتخوين الديمقراطية والدستور ومن يدعون إليهما، وذلك في ثلاثة ردود لثلاثة من نواب جماعة الإخوان في الأردن.

وهو ما يؤشر بوضوح على عدم وجود صيغة حكم بحثت، ناهيك عن ان تكون أقرت من قيادات ومرجعيات الإخوان في الأردن وفي العالم كله. وهوما يعني ان ترك الإخوان يترشحون ومناقشتهم في تفاصيل مشروعهم للحكم الذي يسمونه إسلاميا، أجدى من خرق الدساتير والقوانين والأعراف الديمقراطية لمنعهم من الترشح او الفوز، ناهيك عن خوض حرب شوارع معهم توحي ان البلد في حالة حرب أهلية بما يصورهم كنِدٍّ، ليس فقط أوحد، بل ومساو للفئة الحاكمة.

في الأردن لم يجر منع الإخوان من الترشح ولا منعت حملاتهم الانتخابية ولا شعاراتهم من ان الإسلام هو الحل . بل إن تكرار خوضهم للانتخابات بهذا الشعار وعدم تفتقه عن ترجمة عملية واحدة، أدى لتوالي خسارتهم وعقلنة ودسترة طرحهم الجديد.

وما جرى في الأردن مؤخرا يشبه ما يجري الآن في مصر، وهو “تطفيشهم” على يد حكومة تفتقد المعرفة والخبرة وحتى الشرعية الدستورية، كما جرى تطفيش غيرهم ممن يملكون أية فرصة للفوز.. بأمل عجيب في سذاجته، وهو إجراء انتخابات بكثافة ناخبين تتيح للحكومة تبرير أرقام الفوز المعدة والموعودة، ولكن في غياب مرشحين يستحقون عناء ذهاب هؤلاء الناخبين للصناديق.

ففشلت دعوات الحكومة وأثمرت مقاطعة القيادات الشعبية كلها، وليس الإخوان وحدهم، زهد الناخبين في هكذا انتخابات بدرجة اسقطت كل شرعية عن نتائجها المزعومة.

ومن احدث أخبار رد الفعل تجاه ذلك الزهد أن مرجعية عليا استغربت نسبة المشاركة المتدنية جدا في عمان والزرقاء (المرجعية تصلها الأرقام الحقيقية للمشاركة) حيث الثقل السكاني والمعيار السياسي للناخبين.

المرجعية لا بد كان صوّر لها أن المرشحين والناخبين سيتهافتون على تلك المقاعد.. ومثله الظن بأن الإسلاميين يأملون، كما كان يحدث من قبل، بكوتا في مواقع معينة كالوزراة ومجلس الأعيان تعوضهم عن خسارة مقاعد البرلمان، ولهذا كُتبت مقالات مستشرفة تشكيلة الأعيان والحكومة.. ولكن الإخوان أبدوا زهدهم في تلك المواقع أيضا.

موقف متقدم وواع لإخوان الأردن أعادهم للخارطة السياسية بأقوى من ذي قبل . وهو موقف، لسوء حظ الحكومة، يجعل تصريح وزير الخارجية الأردني لدى حضوره أحد اجتماعات الناتو الأخيرة (هو احدها حتما لأن بعض تلك الاجتماعات مغلقة على أقطاب الحلف) بأن الأردن جاد في مكافحة الإرهاب، مصدر حرج رسمي.. وهو ما كان سيضع وزير خارجية مصر وحكومتها وحزبها الحاكم في ذات خانة الحرج لو أن إخوان مصر قاطعوا هذه الانتخابات المزورة سلفا.. عندها كان سيقال للحزب الحاكم انتم لا تزورون لمنع “الإرهابيين” من الوصول للحكم، “فالإرهابيون” زاهدون بأية حصة من حكمكم هذا !

* كاتبة أردنية

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليق واحد

  1. مرصاد:

    السيدة توجان الفيصل… من أنشط نساء العرب وأكثرهن تأثيراً وأثراً وفهماً للسياسة ومعتركها..
    وها هي تتحفنا بتحليل مميز لحال الإنتخابات في دولتين حساستين لكونهما تشكلان أكبر طوق يحيط بعنق العدو الصهيوني، وأي تغيير فيهما سيؤثر حتماً على مستقبل هذا الكيان ووجوده..
    ورغم اختلافنا مع السيدة توجان في بعض آرائها الجريئة، إلاَّ أنها أبدعت في مقالها هذا..
    سيدة قوية نرفع لها قبعاتنا احتراماً..

    تاريخ نشر التعليق: 28/11/2010، على الساعة: 19:17

أكتب تعليقك