أوباما والهزيمة شبه المؤكدة

عبد الباري عطوان

عبد الباري عطوان

يبدو أن العام الميلادي الجديد، الذي اوشك على البدء، لن يحمل اخباراً طيبة بالنسبة الى الرئيس الامريكي باراك اوباما وادارته، فتطورات الاوضاع في افغانستان تسير من سيئ الى أسوأ، ولا يوجد اي بصيص ضوء في نفق الحرب الذي بات اكثر اظلاماً.

فقد استقبل مقاتلو حركة طالبان السيدة انجيلا ميركل مستشارة المانيا التي تزور البلاد لتفقد قواتها هناك بقتل احد الجنود الالمان، والاستيلاء على قاعدة للجيش الافغاني وقتل 15 جندياً من افراده.

الرئيس اوباما قال في خطابه الذي القاه يوم الجمعة الماضي بمناسبة نشر تقرير حول مراجعة استراتيجية الحرب في افغانستان اعده خبراء عسكريون، ان الامور تسير في الاتجاه الصحيح، حيث جرى تحقيق تقدم في عدة اتجاهات على صعيد ‘تحجيم’ انشطة تنظيم القاعدة، وقتل عدد كبير من قياداته في المنطقة الحدودية التي لم تعد تشكل ملاذاً آمناً، واضعاف حركة طالبان عسكرياً.

مثل هذه الاقوال صحيحة جزئياً، فقد نجحت القوات الامريكية في اغتيال ابو اليزيد احد قادة تنظيم القاعدة، او الرجل الثالث فيه، كما تمكنت من قتل بيعة الله محسود زعيم تنظيم طالبان باكستان، علاوة على بعض القادة الميدانيين الآخرين، ولكنها تظل انجازات محدودة جداً بالمقارنة مع الثمن الباهظ الذي تدفعه القوات الامريكية والمتحالفة معها في هذه الحرب الاستنزافية على الصعيدين البشري والمادي.

فارقام القتلى في العام الحالي، وبعد تسع سنوات من العمليات العسكرية، هي الاعلى، وتفيد التقارير بانها قد تتضاعف في العام القادم بسبب تطور قدرات طالبان الهجومية.

وربما لهذا السبب اعترف الرئيس اوباما بانه لم يخسر الحرب، ولكن الفوز فيها ما زال بعيداً، واكد ان بعض الانجازات والمكاسب التي تحققت ما زالت هشة والتحدي الاساسي يكمن في الحفاظ على استمراريتها.

وهناك تحد آخر يواجه الرئيس الامريكي يتمثل في انه يخوض حربا لا يمكن شرحها أو تبريرها للرأي العام الامريكي الذي يسوده الاحباط التام، خاصة ان تكاليف هذه الحرب المادية التي تصل الى 113 مليار دولار سنوياً، تأتي في وقت يواجه فيه الاقتصاد الامريكي انهيارات ضخمة، وتتفاقم فيه ارقام عجز الموازنة والديون الحكومية في آن.

المواطن الامريكي يسأل عن اسباب وجود مئة الف جندي امريكي في بلد يبعد عنه اكثر من عشرة آلاف ميل، ويعتبر مقبرة الامبراطوريات في التاريخ، فلم تتورط قوى اجنبية في هذه البلاد الوعرة الا وخرجت منها مهزومة ذليلة.

فبعد تسع سنوات من اعلان الرئيس جورج دبليو بوش الانتصار في افغانستان والسيطرة على كابول، وبث العديد من الاشرطة المتلفزة حول ‘تدافع’ الشباب لحلق ذقونهم للتعبير عن سعادتهم بوصول قوات ‘التحرير’ الامريكية، تفيد التقارير الامريكية بان حركة طالبان تسيطر على ثلثي الاراضي الافغانية، بينما تظل سيطرة حكومة حامد كرزاي على الثلث المتبقي هشة للغاية.

القوات الامريكية من المفترض ان تبدأ الانسحاب في تموز (يوليو) المقبل مثلما وعد الرئيس اوباما، وتسليم البلاد الى القوات الافغانية. فقد جرى تجنيد حوالي 171 الف جندي في الجيش، و134 الف عنصر في الاجهزة الامنية، وبلغت تكاليف تدريب هذه القوات مجتمعة حوالي ستة مليارات دولار.

الدراسات الغربية اثبتت ان 95′ من هؤلاء اميون، وحوالي تسعين في المئة منهم من مدمني المخدرات، والاهم من ذلك ان ستين الفاً هربوا من معسكراتهم وانضموا الى حركة طالبان ومعهم اسلحتهم على مدى السنوات التسع الماضية.

كيف سيتولى جيش من الاميين والمساطيل ادارة شؤون البلاد وقوات حلف الناتو التي يزيد تعدادها عن 150 الفاً والمدربة والمسلحة وفق أحدث المناهج العسكرية الغربية، فشلت في هذه المهمة؟

المشروع الامريكي في افغانستان سيواجه الهزيمة حتماً لعدة اسباب، نوجزها في النقاط التالية:

اولاً: غياب حكومة افغانية وطنية تتمتع بالشرعية والقبول في اوساط السكان، فالامريكان انفسهم اعترفوا بفشل حامد كرزاي وتزويره الانتخابات، واستعانته بامراء الحرب الفاسدين، وتورط اشقائه في تهريب المخدرات.

ثانياً: الفشل المطلق في وقف الدعم الخارجي، المالي والعسكري لحركة طالبان، فافغانستان تجسد ‘صرة’ آسيا، ولها حدود برية مع اكثر من سبع دول، بما في ذلك الصين وباكستان وطاجيكستان واذربيجان وايران، وهي حدود لدول اسلامية يصعب السيطرة عليها، وبعضها له مصلحة في عدم نجاح الغزو الامريكي.

ثالثاً: صلابة المقاومة الطالبانية والمكونة معظمها من قبيلة البشتون التي تمثل نصف الشعب الافغاني تقريباً، وهؤلاء محاربون اشداء، ويتبعون المذهب الحنفي المعروف بتشدده في امور العقيدة والشريعة والرغبة في الشهادة.

رابعاً: تلكؤ باكستان في التجاوب مع الطلبات الامريكية بزيادة عمليات جيشها واجهزتها الامنية ضد طالبان. وقد قال لي مسؤول باكستاني قبل بضعة ايام ان التجاوب مع هذا الطلب هو بمثابة انتحار. فهل يعقل ان يقتل الجيش الافغاني مواطنيه في المناطق الحدودية ارضاء لامريكا، وهو ما زال يواجه ازمة كشمير مع الهند، ويتوقع حرباً امريكية اسرائيلية ضد ايران قد تؤدي الى حدوث فوضى في المنطقة؟

الرئيس اوباما قال في خطابه انه اضعف تنظيم ‘القاعدة’ في افغانستان، وجعل قدرته على الحركة والتجنيد ‘محدودة’، وهذا امر ينطوي على بعض الصحة، ولكن ما غاب عن الرئيس الامريكي هو ان افغانستان لم تعد على تلك الدرجة من الاهمية لتنظيم ‘القاعدة’ الذي توسع بشكل كبير افقياً على مدى السنوات التسع الماضية، واستطاع فتح فروع في الجزيرة العربية (اليمن) والمغرب الاسلامي (شمال افريقيا) والصومال، والصحراء الافريقية الكبرى والعراق الذي عاد اليه بصورة اقوى من السابق.

من الواضح ان الرئيس اوباما يريد تمديد موعد الانسحاب الكامل من افغانستان الى منتصف العقد الحالي، اي مع نهاية عام 2014، وهو قرار خاطئ ربما ينطوي على نتائج خطيرة للغاية ابرزها مضاعفة الخسائر المادية والبشرية معاً.

الرئيس الامريكي الاسبق جيمي كارتر خسر رئاسته والانتخابات الامريكية لفترة ثانية بسبب محاولاته الفاشلة لتحرير رهائن سفارة بلاده في طهران، ويبدو ان ملالي افغانستان سيلحقون الهزيمة نفسها بالرئيس الديمقراطي الآخر باراك اوباما.

ما يحتاجه الرئيس الامريكي هو البحث عن استراتيجية خروج (Exit Strategy) في اسرع وقت ممكن، وتسليم الحكم لطالبان تقليصاً للخسائر وانقاذ ما يمكن انقاذه قبل فوات الاوان، فالهزيمة محققة والنصر شبه مستحيل ان لم يكن مستحيلاً فعلاً.

ريتشارد هولبروك مبعوثه الى المنطقة الذي فارق الحياة قبل ايام ربما يأساً وإحباطاً، توصل الى هذه القناعة مبكراً، وكذلك فعل جنرالات الحرب الامريكان، ولكن الرئيس اوباما لم يأخذ بهذه النصيحة في حينها، ولكنه قد يأخذ بها في نهاية المطاف.. نرجو ذلك.

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

أكتب تعليقك