مرسومٌ…بتأجيلِ السنةِ الجديدة !!

د. محمد إسحاق الكنتي

د. محمد إسحاق الكنتي

كان الصباح جميلا. فتحت نافذة المكتب، فتسللت أشعة الشمس الذهبية، مشيعة الدفء في المكان.. تأملت الأفق الفسيح أمام ناظري، فشعرت بزهو لما أنجزته من تقدم تشهد به غابة الإسمنت، وأنهار الإسفلت.. كان المكان صحراء قاحلة، حين ورثته، فبذلت جهدا خارقا لتغيير التضاريس، التي تكفلت بتغيير البشر…

جلست خلف مكتبي، وتشاغلت بالملفات لأطرد من ذهني إحساسا غامضا، ظل يلاحقني كلما نظرت من نافذة مكتبي إلى غابة الإسمنت، مصدر فخري!

ذعرت! أحسست بحلقي يجف، بأطرافي ترتعش، بالكاد استطعت إبعاد الملف اللعين. جفلت، فانتصبت واقفا.. تهالكت على الجرس بكل وزني.. امتلأ المكتب بالحركة، كانوا مرعوبين، ومترددين، لكنهم حافظوا جميعا على المسافة التي يحددها البروتوكول.

لم أكن قادرا على تمييزهم بشكل دقيق.. كانوا مجرد آذان، وعيون، وأفواه مطبقة بإحكام، منتصبين كالتماثيل…

بذلت مجهودا خارقا لأقول: “ماء!”، فاختفت الدمى ليفيض المكتب بالماء. كانوا يحملون جميعا أكوابا، لكنهم حافظوا جميعا على مسافة البروتوكول، فبدا الماء قريبا، بعيدا.

كان علي أن أبذل جهدا آخر لأسمح لأحدهم بتجاوز الخط الأحمر. أومأت برأسي فتحركوا جميعا، ثم تراجعوا جميعا! شعرت بالحنق، فتحاملت على نفسي لأشير بيدي إلى إحدى الدمى المتخشبة، وانهرت في الكرسي. شق الماء مجراه بصعوبة، انتابتني نوبة سعال. أشرت إلى مدير ديواني بالبقاء، فتفرق الحشد. نظرت إليه، فبدا لي مثل ليمونة معصورة، مصفر الوجه، مرتخي الأطراف…

اعتدلت في الكرسي، ثم قلت بصوتي الرسمي:

ـ لا تقلق! أنا بخير.

انفرجت أساريره، وانتصب مثل برج إيفل، ثم قال، بنبرته البروتوكولية:

ـ الحمد لله على سلامتك يا سيدي، وانحنى انحناءة كادت تقصم ظهره.

أشرت إلى الملف اللعين. تغير لونه، ثم تلعثم.

ـ سيكون هنا بعد ساعة يا سيدي. زيارة مجاملة، بمناسبة العام الجديد.

قلت، بصوتي الرسمي:

ـ ألا يمكن تأجيل الزيارة؟

تنحنح، ثم قال بصوت خافت، كأنما يعتذر سلفا عما سيقول.

ـ فكرنا في ذلك، يا سيدي، لكننا خشينا أن يفسروا التأجيل تفسيرات خاطئة.

قلت، أشجعه:

ـ مثل ماذا؟

تنحنح مرة أخرى، ثم قال:

ـ صحتك، سيدي، أطال الله بقاءك، وحفظك ورعاك.

وَطَّنت نفسي على استقباله، بل أظهرت عدم الاكتراث، حتى لا تهتز صورتي الرسمية أمام مدير ديواني. دخلت في التفاصيل:

ـ من سيحضر المقابلة، إلى جانبي.

سعل بلطف، ثم اعتذر.

ـ من ترونه أهلا لهذا الشرف سيدي.

قلت، ممتعضا:

ـ اقترح علي أسماء!

ـ حسب البروتوكول، ينبغي أن يكون وزير الخارجية حاضرا.

انتفضت، وزير الخارجية! إلا هذا. فهو يقضي عندهم من الوقت، أكثر مما يقضي معنا، صداقاته الحميمة كلها منهم، يرتاد حفلاتهم، ويتخلق بأخلاقهم… لا أثق فيه أبدا، خاصة بعد التسريب الأخير…

قلت، متصنعا التساؤل:

ـ هل هو في البلد؟

ـ يسافر غدا سيدي.

ـ من تقترح غيره.

تحاشى الرد المباشر على سؤالي، فتخلص منه.

ـ يمكنكم دعوة أي شخص، ترون حضوره.

ـ وزير الداخلية؟ انفلت لساني. فقد كان الشخص الوحيد الذي أثق فيه؛ صديق طفولتي، وخال أولادي، وهو يخدمني منذ عشرين سنة، بأمانة وإخلاص. عادت بي الذاكرة إلى تلك المؤامرات، التي استطاع وأدها في المهد، إلى أولئك المتآمرين الذين تخلص منهم في هدوء عبقري. صحيح أن خصومه يروجون أنه اختلق تلك المؤامرات لتعزيز نفوذه، وللتخلص من بعض خصومه، لكن لا دليل على ذلك.

سعل مدير الديوان، فعلمت أنه يريد قول شيء. أومأت له برأسي مشجعا.

ـ قد يفسر حضور وزير الداخلية تفسيرا خاطئا، سيدي… سكت برهة، ثم أردف: كأن يفسر الضيف غياب وزير الخارجية عن المقابلة، بأنه دليل على خصومة في العائلة، وأن جناح وزير الداخلية، أصبح الجناح المسيطر… ثم تجرأ.

ـ قد يبدو حضور وزير الاقتصاد مقبولا أكثر.

فكرت. ذاك المتحذلق، المتباهي بإنجليزيته. لا أطيقه. سأطرده قريبا ليتفرغ لاستثماراته، واستشاراته هناك.

قلت، محاولا طرح خيار جديد.

ـ أترك الوزراء يهتمون بأعبائهم، وأحضر سماحة المفتي ليكون حضوره دليلا على نهجنا الوسطي…

قطب جبينه، وانتابه سعال حاد..

ـ لم يعد المفتي.. سعل مرة أخرى. ثم استأنف..

ـ آسف سيدي. لم يعد سماحة المفتي… هززت رأسي مشجعا، فانطلق لسانه.

ـ لم يعد محل ثقة وزارة الداخلية، منذ مثل البلاد في مؤتمر “تكافؤ الديانات”، أصبح سلوكه مريبا لأجهزة الأمن، فعكفوا على تحليل خطبه، فوجدوا أنه يركز على آيات، وأحاديث بعينها، ويتلقى هاتفه عددا متزايدا من المكالمات الخارجية، ويتعرض في خطب الجمعة، لقضايا حساسة، مثل كرة القدم…

قلت، ممتعضا:

ـ لنستبعد الرسميين، ولتحضر اللقاء إحدى هيئات المجتمع المدني، الذي يبتزوننا به.

ـ من تقترح سيدي؟

لم تكن في ذهني منظمة بعينها. لكن حين فكرت في الموضوع خطرت ببالي آخر منظمة زارني أعضاؤها…

ـ منظمة قوافل السلام، والمحبة.

تنحنح. رفعت صوتي:

ـ ما لها! أليس السلام الشعار الرائج!

ـ صحيح سيدي. لكنهم وضعوها ضمن قائمة المنظمات الممولة للإرهاب.

ـ لماذا؟

ـ لم تتضح الأسباب كاملة، بعد. لكن التقارير التي وصلتنا تقول إنه تم القبض على شاب في أحد المطارات للاشتباه فيه. واعترف، في التحقيق، أنه صلى إحدى الصلوات الخمس في مسجد بنته منظمة قوافل السلام والمحبة، منذ عشر سنوات. وما زاد الأمر خطورة هو أن الشاب اعترف أن الإمام قرأ في تلك الصلاة آيات من سورة براءة، أو سورة التوبة. تختلف التقارير حول تحديد السورة.

بدا لي الأمر سخيفا..

ـ سأقابله وحدي.

انتفض مدير الديوان، ولم ينتظر الإذن له بالكلام.

ـ ذلك لا يليق، بروتوكوليا. وسيفسره تفسيرات مغرضة، كأن يقول إنك معزول في العائلة، أو أنك تتفرد بالحكم، أو ما يسمونه دكتاتورية.

اقترب موعد المقابلة، فكان علي أن أتخذ قرارا.

ـ ما الذي ينبغي أن أقول له. لا تنس مصائب التسريبات الأخيرة.

ـ نعم سيدي. بهذا الخصوص لدينا مشكلة جديدة. أبلغنا مصدر موثوق من هناك، أنهم اتخذوا تدابير جديدة، في وجه التحفظ الذي أصبح سفراؤهم يقابلون به.

يبدو الأمر خطيرا، انحنيت إلى الأمام، وقلت باهتمام، زاد ثقة مدير الديوان:

ـ ما الجديد؟

ـ يبدو، حسب مصدرنا، أنهم طوروا جهازا، شديد الحساسية، ربما كان عدسات لاصقة، يقرأ بها الدبلوماسي أفكار الجالس أمامه.

صعقت.. عدسات لاصقة!

ـ وكيف نعرف أن السفير يلبس مثل تلك العدسات؟ ما لون عينيه؟ إني لست أذكره.

ـ تلك مشكلة أخرى. يصر وزير الداخلية على أنهما سوداوان، بينما يميل مدير الاستخبارات العامة، بعد الكثير من البحث، والتحري، إلى أنهما بنيتان. لكنه لا يجزم بذلك.

قلت ساخرا..

ـ وأنت كيف تراهما؟

ـ لم أنظر في عينيه قط، لأن قواعد البروتوكول تمنع ذلك.

فكرت.. يعرف كل شيء عنا، ولا نعرف حتى لون عينيه!

ـ ما العمل إذن؟

ـ قد تكون معلومات مصدرنا غير دقيقة، أو مسربة عن قصد. لكن لا بد من الحيطة.. حين تستقبله، لا تفكر في أمر من أمور الدولة، لا تفكر في شيء على الإطلاق، خاصة مشاعرك نحوهم، أو نحو جيراننا، أو نحو… كن خالي الذهن تماما سيدي، حفاظا على الأمن القومي.

يبدو أننا في مأزق حقيقي.. كنا نعلن ما يرضي الشعب، ونسر إليهم ما يرضيهم. لكن هذه الازدواجية لم تعد ممكنة، بعد الذي كان، فما العمل! فكرت طويلا.. نظر مدير الديوان في ساعة يده، ليذكرني بقرب موعد المقابلة.. تفتق ذهني عن فكرة عبقرية.. اعتدلت في جلستي، واستعدت صوتي الرسمي…

حرر مرسوما بتأجيل السنة الجديدة…

* أستاذ جامعي، موريتاني مقيم في ليبيا

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

أكتب تعليقك