على أبوابِ العشريةِ الثانية من الألفيةِ الثالثة.. حالُ العرب في وثيقتين *

بسام بلان

بسام بلان

العرب بين وثيقتين، قد يكون واحداً من العناوين التي تليق بالوضع العربي مع نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة، وبداية العقد الثاني.

لقد كان العام 2010 عام الفضيحة العربية بكل المقاييس، كما كان عاما آخر لتراكم الخيبات، وعلى غير صعيد، السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وواقع حقوق الإنسان، وغير ذلك مما يندى له الجبين بين الأمم المتقدمة.

لا أريد من المقدمة السابقة إجراء جردة حساب على الواقع العربي في سنة، أو عقد من الزمن، بالطبع لا أخفي أمنيتي بان أكون واحداً من العرّافين والمنجمين الذين طبقت شهرتهم الآفاق نتيجة ضربة حظ صادفتهم، بتنبوءٍ هنا أو هناك.

ما أريده هو استعراض بعض من واقعنا العربي من خلال وثيقتين اثنتين؛ الأولى نتائج محتويات وثائق ويكيليكس، والثانية تلك المتعلقة باعترافات عميل الموساد الإسرائيلي، المواطن المصري طارق عبد الرازق حسين عيسى، أو ما يُعرف اعلامياً بقضية ‘فخ الجاسوس الهندي’.

فقد كشفت وثائق ويكيليكس، بما لا يدع مجالاً للشك، فضلاً عن عدم أخلاقية السياسة العربية، حجم التشرذم وتشتت الرؤى بين الدول العربية، وحجم الخراب الذي لحق بما كان يُسمى ‘العمل العربي المشترك’، وحجم اصرار معظم الحكام العرب على التعامل مع الشيطان في سبيل الاحتفاظ بكرسي الحكم وتوريثه الى الأبناء والأشقاء، وفي بعض الأحيان إلى الزوجات.. وطبعاً هذا ينطبق أكثر على الأحزاب السياسية العربية، أكثر مما ينطبق على الحكم بمعناه الشامل.

وثائق ويكيليكس كشفت كل ذلك، وكشفت أكثر أن لا اهتمام لحاكم أو مسؤول عربي، في رسم استراتيجية بلده وصورته المستقبلية ومكانه بين الأمم، اللهم إلاّ تلك الكلمات الواضحة التي قالها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الامارات حاكم دبي، لأحد الوزراء الأمريكيين.

وثائق ويكيليكس كشفت أيضاً الانكشاف، بل التعري السياسي العربي، خاصة أمام الأمريكيين، حيث أعطوهم كامل أوراقهم وثرواتهم، في مقابل مساعدتهم على قمع شعوبهم، وتأمين حمايتهم إذا ما فكرت تلك الشعوب في الانتفاض يوماً.

والوثائق كشفت أيضاً أن المواطن العربي بات مغلوباً على أمره بسبب حجم الخوف الكبير الذي زرعته في قلبه قوات أمن حفظ نظامه، ليصبح فرداً ضعيفاً في قطيع يُساق بالعصا تارة، وبالفتات تارة أخرى، ويركع أمام أقدام حكامه بلا حول ولا طول له.

ووثائق ويكيليكس كشفت كذلك، عجز المواطن العربي عن الحلم، بل وخوفه من هذا الحلم إذا كان فيه أدنى تطلع لتغيير في حياته أو واقعه الذي بات لا يُطاق، حتى في أكثر العصور ظلامية وانهزامية.

كما كشفت تضخم خط الفقر العربي، بسبب استحواذ الحاكم وبطانته في غالبية الدول العربية على الثروة، وهو ما وصفته مراسلات السفراء الأمريكيين، من دون خجل بـ ‘المافيات’. والجميع راضٍ لا ينبس ببنت شفة.

أما الوثيقة الثانية، فهي اعترافات عميل الموساد الإسرائيلي المواطن المصري طارق عبد الرازق حسين عيسى. هذه الاعترافات التي كشفت أسراراً من العيار الثقيل؛ ففضلاً عن تسبب عمالته بإقالة وزير الزراعة المصري السابق، بسبب التنصت على مكالماته حول رؤية مصر لمعاهدات تقاسم مياه نهر النيل، إلى دور الموساد الاسرائيلي في قطع كابلات الإنترنت الخاصة بمصر فى البحر الأبيض المتوسط، على بُعد كيلومترات من السواحل الإيطالية قبل عام ونصف العام تقريباً، الأمر الذي ألحق بالغ الاثر بشبكة الإنترنت المصرية التي تربطها بالعالم، مما تسبب فى خسائر اقتصادية فادحة لجميع الشركات الكبرى التي تنفذ معاملات مالية عبر الإنترنت.

وكشفت اعترافاته أيضاً عن المسؤول الأمني السوري الكبير، الذي يعمل لحساب الموساد منذ أكثر من 13 عاماً، زوّد الموساد خلالها بأسرار كبرى عن سورية، لدرجة كشفها بكامل جسدها أمام الموساد الاسرائيلي، اضافة إلى انكشافها منذ أربعين عاماً وأكثر، أمام مناظير اسرائيل في مرصد جبل الشيخ في الجولان السوري المحتل.

العميل المصري راح، بعد ان سقط بأيدي رجال الأمن، ينصح المصريين، ويؤكد لهم أن الإسرائيليين قوم شريرون يريدون العبث بالمجتمعات العربية وثقافتها وتاريخها، وأشياء كثيرة أخرى من هذا القبيل، طبعاً بعد أن أسهمت بأشكال مختلفة، في زراعة ثقافة مواطنة جديدة فيهم.. وفي هذا الموضوع أريد الاستطراد قليلاً.

عميل الموساد المصري، أو العملاء الذين سقطوا في لبنان، ظهر من اعترافاتهم، وبكل وضوح، أن ثمة سببين لقبولهما العمل مع الموساد، الأول له علاقة وطيدة بالمال، والثاني على علاقة مباشرة برفض تركيبة دولتهم، كما في حالة لبنان.. حيث تبين أن العميل اللبناني المسيحي لديه رفض لسلطة طائفة أخرى في البلاد، ويعمل مع الموساد من باب الرفض لهذا الواقع..

وكذلك بالنسبة للعميل الشيعي الذي على خلاف، سواء مع قوى الضغط في طائفته أو أنه على خلاف مع المذاهب والطوائف الأخرى، وكذلك الأمر بالنسبة للدرزي أو السني.

ولعل غياب الأُطر السياسية للمجتمعات العربية بما تحويه من تنوع، من أحزاب ‘غير طائفية بالطبع’، ومنظمات مدنية قد ساعد على إفراز نوع من ‘المواطنات’ غير الوطنية بما للوطنية من مفاهيم حقيقية.

أما السبب الثاني، فله علاقة مباشرة بالمال.. وقلنا قبل قليل كيف كشفت وثائق ويكيليكس أن خط الفقر العربي تضخم مرّات ومرّات خلال السنوات الأخيرة، وذلك بسبب استحواذ الحاكم وبطانته على ثروات البلاد والعباد، والتعامل مع الأوطان كمزارع وحسب. فضلاً عن استشراء الفساد وثقافة الفساد في المجتمعات العربية، حيث لم يَعُد للعمل، أي عمل، قيمة سوى المنفعة الشخصية من ورائه، بما في ذلك العمل العام أو العمل الحكومي.

لو وقفنا أمام هذه المعطيات، لوجدنا أن الإدارات العربية هي المسؤولة عن كل ذلك. فالعربي معروف عنه، منذ وُجد، أنه يتعامل مع وطنه وأرضه وعشيرته بمنطق رومانسيّ عميق، وهو ما يجعله لا يقبل أي مساومة عليه، أما وقد أفرغته ظروفه المعاشية وطريقة النظر إليه من قِبَل الحاكم، فبات للأمر مقتضىً آخر.

المواطن العربي، وبفعل تمجيد الحاكم لنفسه ولمن حوله، أصبح يرى وطنه من منظاره للحاكم، فلن يرحم ظالمه إذا سنحت الفرصة، ولن يتعفف عن سرقة سارقه إن أتيحت له الفرصة، ولن يدافع عن مُفقره إذا ما دقت ساعة الحقيقة.. ولعل التعامل مع الموساد الإسرائيلي، هو أقل ما يمكن أن يفعله كي ينتقم لنفسه ولأهله ولأبنائه.

في الكثرة الكاثرة من الدول العربية، نجد أن شبكة الأمان الاجتماعي ونظيرتها الحكومية، تقطعت ارباً ارباً، ليصبح القلق هاجس المواطن العربي، فهو قلق على نفسه، وقلق على أهله، وقلق على أولاده.. لا يعرف أي مستقبل ينتظره، إن عجز أو مرض، أو أصابته نائبة من نائبات الزمن.

ففي غالبية المدن العربية، خاصة العريقة منها، ثمة خزان شعبي يعيش على بضع دولارات، ويسكن بيوت الصفيح، فأي علاقة ستربطه بوطنه، وما الذي يجعله لا يتعامل مع أعدائه؟ قبل أن يسأل نفسه من هو عدوه الأول اصلاً؟ من الذي أفقره.. ومن الذي توّه احلامه..؟

الأوطان لا تُبنى إلاّ بمواطنين يشعرون بكرامتهم، ويشعرون بالأمان في وطنهم، ويتأكد لهم أنهم سيعيشون على أرضها ويموتون عليها.. ولن تُبنى أوطان لا يملك غالبية مواطنيها مساحة قبورهم.

 التحول النوعي الذي حصل في العقود الأخيرة في قضايا التعامل مع الموساد، هو أن العميل ‘الملك’ أصبح مواطناً من هذه الدولة العربية أو تلك، في حين كان قبل ذلك مواطناً إسرائيلياً، يدخل الدولة العربية بطريقة استخبارية معقدة، ويجند الناس والمسؤولين، بالخداع أولاً، لمصلحته، ولم نعرف عميلاً خطيراً، ما عدا أشرف مروان طبعاً، خارج هذا الإطار، لتنقلب الصورة الآن، وبالطريقة الدراماتيكية التي نراها أمام أعيننا.

بالطبع لا أريد مما سبق تبرير الخيانة لأحد، ولا مبرر للخائن.. ولكنني لابد أن أقف على البيئة الحقيقية التي تساعد في إنتاح هؤلاء العملاء، واسرائيل تعرف تماماً هذه البيئة، وهذه الأرضية.. كما باتت تعرف عن كثب التغييرات الفظيعة التي حلّت في السيسيولوجيا العربية، جراء التحولات في أساليب وطرق حكم الأنظمة العربية.

لو أجرينا استفتاءً على شريحة واسعة من المواطنين العرب، من مختلف مشاربهم الثقافية والفكرية، حول القضية التي تتبناها حكوماتهم وحكامهم، لأُصبنا بالهلع من الإجابات التي سنحصل عليها.. واقترح على هذا المنبر المحترم ‘القدس العربي’ القيام بذلك، عبر سؤال: أي قضية للحاكم العربي؟ وتضع اجابات مختلفة، وسيرى الأقربون والأبعدون أن المواطنين العرب يعرفون ما في سريرة حكامهم، أكثر مما يعرف الحكام أنفسهم.

جمعتني جلسة تحسّر وألم على واقعنا العربي مع أحد الاصدقاء.. وفي النهاية سألته: ما الذي يجعل غالبية حكامنا يصرون على إفقار شعوبهم وإذلالها.. فالمواطن العربي لا يريد أي شيء من هؤلاء سوى أن يعيش باليسر اليسير من كرامته، وما يسد رمقه، كريماً ميسور الحال، غير قلق على مستقبله ومستقبل أولاده.. أليس أفضل للحاكم أي حاكم، أن يكون مواطنوه “خواجات”متعلمين، يسكون بيوتاً صحية، يأكلون ملء بطونهم، ويرتدون غير الرث من الثياب.. ويتطيبون بالعطر؟

 أليس أفضل للحاكم العربي أن يكون مواطنوه على هذه الحالة، بدلاً من كونهم فقراء ‘معثرين’ تائهين في نفق فقرهم الذي لا نهاية له؟

الجواب برسم الحكام.. لقد سامحناكم بالحكم.. والسياسة، تركناهما لكم ولأولادكم.. ولكن دعونا نعيش.. قبل أن نتحول كلنا إلى عملاء للموساد بسببكم.

* إعلامي سوري مقيم في الإمارات

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

أكتب تعليقك