لا تكتب عن تونس !

محمد كريشان

محمد كريشان

أستسمحكم لمرة واحدة فقط ، أولى وأخيرة، أن أتحدث عن نفسي!

اقترب مني أحد الزملاء في غرفة الأخبار وأخذني على انفراد هامسا : أنقل إليك عتابا من صديق يبلغك أنه ما كان لك أن تكتب في مقالك عن ساحل العاج، وبلدك تونس يعج بما عج به طوال الأيام الماضية !!

نفس الرأي ورد في تعقيب لأحد القراء فهو لم يجد ما يعلق به على مقالي “درس باغبو” سوى القول “وماذا عن درس سيدي بوزيد؟!!”

لي في مهنة الصحافة ثلاثون عاما، نصفها في تونس ونصفها الآخر خارجها. النصف الأول في الصحافة المكتوبة، مستقلة ومعارضة، وبعض الإذاعة وقليل جدا من التلفزيون، فيما لم يكن النصف الثاني سوى للتلفزيون مع بعض الصحافة اقتصر على مقال أسبوعي، حتى لا يتكلس القلم وتضيع الصنعة.

ومع أن العمل التلفزيوني لمذيع في قناة شهيرة يقتضي عدم نشر مقالات رأي، إلا أنه يحسب لـ” الجزيرة” أنها لم تصادر حق مذيعيها ومراسليها وصحافييها في أن يدلوا بدلوهم في قضايا شتى على أكثر من منبر.

من هنا كان مقالي الأسبوعي فسحتي الوحيدة للتعبير عن رأيي الشخصي بعيدا عن الشاشة الصغيرة التي ليس من المسموح أن تكون ساحة لذلك.

وفي المرات القليلة جدا التي كتبت فيها عن تونس لم أنج، ولو لمرة واحدة، من حملات صحافية شرسة من الصحافة الصفراء في تونس، المعروف ارتباطها بالأجهزة، والتي يفضل البعض تسميتها بـ”صحافة المجاري”، قبل أن تلتحق بها مؤخرا بعض الصحف الأخرى التي لم يسبق لها التورط في تلك الحملات المنظمة التي تنطلق بأوامر وتخرس بمثلها.

وفي المرات القليلة هذه، لم تكن لي جرأة أن أتناول مقامات سامية أو انحرافات سياسية جلية – وهذا من حقي على أية حال كأي مواطن آخر ناهيك عندما يكون صحافيا – بل اكتفيت بشيء واحد فقط لا غير هو الإعلام الذي من حقي البديهي جدا أن أخوض فيه، كما يخوض الطبيب في عالم الطب والمهندس المعماري في شكل البنايات.

كتبت باستمرار، في تونس وخارجها، في عهدي الرئيس بن علي والراحل بورقيبة، عن إعلام تونسي أراه، باختصار شديد، متخلفا وغبيا كأتعس ما يكون التخلف والغباء حين يجتمعان!!

وها هم الآن يرون هذه الحقيقة عارية جلية أمامهم وكأنهم يعيدون اكتشاف العجلة مع أن لا شيء جديدا بالمرة فيما يزعمون الخلاص إليه.

ومع أحداث سيدي بوزيد الأخيرة، وما صاحبها من حملة على “الجزيرة”، الشماعة الجاهزة دائما لأكثر من عاصمة عربية، ارتأيت عدم تحريك السكين في الجرح وترك هذه العاصفة تمر، خاصة عندما يكون النافخون فيها الممثلين الشرعيين والوحيدين للوطنية!!

ومع ذلك، لم أسلم مرة أخرى، بالاسم تحديدا ودون سائر زملائي التونسيين الآخرين، فها هي إحدى الصحف تخرج مؤخرا بمقال حافل بالتهجم الشخصي علي بما يشبه الهذيان تحت عنوان ‘كريشان البيــوع (الخائن)، بالدولار مبيوع’!!.

ولتبيان أن الجماعة عندنا في تونس لم يكونوا أصلا، ومن زمان، يعدمون وسيلة لتشويه كل صحافي يحرص على استقلاليته ومهنيته ويعض عليهما بالنواجذ دونما تضارب مفتعل بينها وبين وطنيته، أن أحد الأصدقاء عرض علي قبل أشهر قليلة، بعد أكثر من خمسة عشر عاما لم أكتب فيها مقالا واحدا في الصحافة التونسية، المساهمة في مجلة فصلية تعنى بشؤون المغرب العربي، فاستجبت، بعد ممانعة طويلة، شرط ألا أكتب إلا في قضايا إعلامية بعيدة كل البعد عن تونس.

لم أستمر لأكثر من ثلاثة أعداد قبل أن يـُــهمس في أذن صاحب المجلة أنه لا يجوز أن يفتح صفحاتها “لأعداء الوطن” فآثر السلامة طبعا!.

وحتى قبل أن أغادر وطني إلى المهجر كان لي برنامج أسبوعي في إذاعة تونس، أوقف بعد أسابيع قليلة من حصوله على أهم جائزة وطنية سنوية، سلمها لي رئيس الدولة شخصيا، لا لشيء سوى أني رفضت أن يتضمن ذات مرة الأسلوب الإنشائي الدعائي الذي طلب مني.

استأذن الأستاذ محمد حسنين هيكل في اقتباس تعبيره القائل “لست معارضا، لكني مختلف، فأنا لا أملك سوى رأيي ومن حقي أن أعبر عنه”…

هكذا كنت وهكذا سأظل، دون غلو أو استكانة. لن يخيفنا أو يرهبنا أحد فنستنكف عن أن نقول ما نريد أن نقول، فالبلاد ليست مزرعتهم الخاصة ولن تكون.

* إعلامي تونسي مقيم في الدوحة

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليقات 4

  1. عبدالرحمن الجزائري:

    الأقلام النزيهة دائما تُضرب على كل العملة النادرة تبقى دائما نادرة ياابن تونس الحرة

    تاريخ نشر التعليق: 16/01/2011، على الساعة: 3:13
  2. تشرين:

    مقال سخيف جدا يا كريشان مع احترامي لشخصك كنت اتوقع منك مقال اقوى حجاول تتحرر من الخوف وراح تبدع

    تاريخ نشر التعليق: 10/01/2011، على الساعة: 16:54
  3. sara:

    bravo mr.krichen

    تاريخ نشر التعليق: 08/01/2011، على الساعة: 12:41
  4. عبد الكريم:

    لن تخيب هذه الأمة ما دامت تنجب من أمثالك، سيد كريشان فما نطقت إلا ما يلزم و حين يلزم و لمن يلزم فهنيئا لك على استقلاليتك و هنيئنا لك ثانيا على بعد بصيرتك.
    موفق بإذن الله في ما تصبو إليه ما حييت و تحية إكبار.

    تاريخ نشر التعليق: 05/01/2011، على الساعة: 10:02

أكتب تعليقك