تحليلٌ مخبري لـ”بيدون” زيت وحبة سكر !!

سلام الصغير

سلام الصغير

لا داعي إلى الجبن الثقافي والفكري فما حدث إبتداء من الخامس يناير إنتفاضة بكل المعايير، ولسنا مطالبين بشتم من شاركوا فيها من شباب لأن هذا ليس دورنا كمثقفين ومهمة “النباح” هي وظيفة محفوظة الحقوق لـ”طيبات الحمام” أو من إرتضى لنفسه ذلك الدور..

إننا لا ننظر لأمواج الشباب الغاضب بإعجاب أو بقداسة لأن اسلوبهم الجانح نحو العنف المجنون في التعبير عن آلامهم هو من جعل إنتفاضة يناير تتحول إلى غضب جائعين هنا محاولة لفهمها.

شباب قد لا تعرفونهم خاصة من بلغوا السبعين ولا زالوا في السلطة وربما لا يعرفهم حتى المجتمع الغارق في الصراع على “الخبزة” والإستمرار في الحياة ..لكن من هم هؤلاء أليس هم أبناؤنا و إخواننا وجيراننا، من المؤكد أننا لم نستوردهم من تونس الشقيقة ولا من الصين !!

جيل عنيف حتى في فرحه!!

لنستمع لمن يعيشون معهم.. يقول الناشط في المجال الخير والإجتماعي جمال الدين بوزيان وهو في العشرينيات من عمره: “للأسف لقد تكونت بالجزائر فئة كثيرة العدد ومخيفة جدا، هي فئة المراهقين والشباب المدمنين والمجرمين، عنيفون حتى في فرحهم، ويمكن استغلالهم في أي قضية لأنهم متعطشون للعنف، السنوات الأخيرة زادت فيها نسبة الإجرام و المجرمين، والنظام الذي غفل عن كل ما يتعلق بالمواطن بما فيها الأمن، يحصد الآن ما زرع، لكن المتضرر الكبير هو نحن وليس النظام”.

الرسالة واضحة نحن نتعامل مع جيل ما بعد مرحلة الإرهاب.. كانوا في التسعينيات أطفالا وصاروا الآن شبابا ومراهقين, الكثيرون منهم شاهدوا مناظر في قمة القسوة.. رؤوس مقطوعة, جثث وأشلاء ودماء أو سمعوا عنها إنهم جيل ترعرع في عشرية الدماء لكنهم تركوا كالنبتة الوحشية والنتيجة الكل يعرفها.

ليسوا أبطال حرية

الإعلام فشل في التعامل مع حرة إجتماعية هزت كيان المجتمع و الدولة في ظرف خمسة ايام لكن لنفهم أولا البعد السوسيولوجي للظاهرة, يقول الأستاذ الإعلامي جمال شعلال محللا الظاهرة بعمق: علينا أولا نفي المغالطة التي تريد أن تجعل من “المخربين” أبطالا للحرية وللرفض الاجتماعي أنا لا أحكم على هؤلاء الفتية المساكين، فأنا أعيش وسط حي شعبي وبين هؤلاء الشبان..

صحيح هناك فئات متعاظمة من المواطنين والشباب على الخصوص تعيش على هامش المجتمع والدولة، ليست مهمشة اقتصاديا بالضرورة، بل اجتماعيا وتربويا واقتصاديا وأخلاقيا وهذه الفئات تمثل خزانا للفتنة والاحتجاج ولا يوجد من يتحكم فيها .فالأمر يتطلب سياسات إدماج واضحة ومركزة تجاه هذه الفئات لإعادتها إلى حضن الجماعة الإجتماعية، والا فستتحول مع مرور الوقت إلى عصابات شبيهة بتلك المنتشرة في بعض بلدان أمريكا اللاتينية”.

وجهنا قبيح والحل ليس كسر المرآة

أعتقد أن الحل ينطلق من هنا لكي لا تتكرر ذات الإحتجاجات في الصيف عندما ينتهي مفعول الإجراءات المؤقتة, العودة لدور الدولة في الرعاية الإجتماعية لإدماج الشباب والجزائريين على وجه الخصوص في المنظومة الإجتماعية وبهذا الصدد يرى الإعلامي علي بهلولي أن الحل في الحوار والحديث مع هؤلاء: “ولو أنني ضد لغة التخريب والتدمير كوسيلة للتعبير عن ما نسميه بـ “الحقرة” لماذا لم نحاور هذا الشباب البائس اليائس قبل هذه التراجيديا، لما كان البعض يقول للشباب البطال بأن “الشوماج” قضاء وقدر “مكتوب” بينما هذه الشريحة المهمشة ترى المناصب والوظائف توزع يمينا وشمالا لـ “المحظوظين”.. لماذا كان البعض يفرط في التفاؤل المرضي بينما كل من تحدث عن “بؤساء فيكتور هيجو” يرمى بأنه سوداوي الطباع وغارق في التشاؤم”.

عشرية الذلة والمهانة

إذن كيف يفكر الشباب الذي حول شوارع البلاد في خمسة أيام إلى دمار ورماد ما هي قيمهم إن وجدت وكيف يفكرون وهل يختلفون عن الجيل الذي صنع ثورة أكتوبر أعتقد أن الإعلامي علي بهلولي وضع يده هلى الجرح: “ما يتوجب أخذه بعين الإعتبار هو أن مراهقي وشباب الأحداث الجارية لا يشبه نظراءه من الفترات السابقة (88 والعشرية الحمراء) هناك معطى “خطير” ويتعلّق الأمر بالشبكة العنكبوتية و”اليوتيوب”.. تابعت بعض المنتديات الإلكترونية الرياضية.. التي يرتادها الشباب الجزائري، وجدتها بالكاد تحوّلت لدور عرض تنشر ما يحدث على أرض الواقع من شغب وعنف عن طريق تقنية اليوتيوب..

صحيح يجب التكفل بهذه الفئة العريضة من الشباب، ولكن أيضا يجب الإعتراف بأن السياسات الإجتماعية المطبقة لحد الآن منيت بفشل ذريع، والإعتراف لن يكون معرّة لمبرمجي هذه السياسات، ونفس الكلام عن آليات التشغيل التي تهين الشباب – خاصة الذي نال نصيبا محترما من التعليم – أكثر مما تصون كرامته، هذا إن كانت تصون حقا كرامته..”.

السلطة تحفر قبرها بأيديها

الأمر ليس بالهين وأصحاب القرار إذا واصلوا إغماض أعينهم عن التطورات الإجتماعية الحاصلة في المجتمع فإن هم أول من يدفع الثمن وستتكرر إنتفاضات عمياء أكثر من إنتفاضة يناير وعندما “يغيب النظام يسقط النظام” فهذا الهامش والهامشيين قنبلة موقوتة وقد إنفجرت هذه المرة بأقل الأضرار والحمد لله وإن لم تعالج بإدماج حقيقي سيصبح عنفها يوميا ومساحاتها التي تفرض فيها قوانينها.

لكن السؤال الذي يحيرني هل لو خرج العمال والطلبة للمطالبة سلميا بإلغاء الرفع الجنوني للأسعار هل كانت الحكومة تستجيب بهذه السرعة ؟ ان إفراغ المجتمع من النقابات الحقيقية والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني ترك المجال للهامش والمهمشين ليخاطب الحكومة بطرقه الخاصة..

على السلطة و من هم فيها أن لا يحتقروا الشعب وأن لا يسخروا من تطلعاته ولا من آلامه لأن الشعب هو العنصر الدائم في الدولة فالحكومات تتغير والحدود تتغير (كما هو حاصل في السودان) وحتى الرايات الوطنية  تتغير لكن الشعب هو الثابت وعليه فاحتجاجات يناير كما يصر مقاولو السلطة من الباطن على تسميتها كانت مجرد مؤشر لما يمكن أن تكون عليه إنتفاضة حقيقية ينظم إليها العمال والطلبة ومختلف الفئات المهنية من أطباء واساتذة ومعلمين ومحامين.. حينها لن تنفع “الصحافة البئيسة” في حماية أرباب الريع.

* إعلامي و كاتب صحافي جزائري مقيم في دبي

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليق واحد

  1. amilas:

    من جعل من هذا الشباب انسان عنيف في فرحه واحزانه.

    تاريخ نشر التعليق: 18/01/2011، على الساعة: 0:04

أكتب تعليقك