النصيحة قبل الأخيرة لمبارك

عبد الباري عطوان

عبد الباري عطوان

الموقف يتسم بالكثير من الغموض في مصر، والشيء الوحيد الواضح هو ان الرئيس حسني مبارك يرفض التجاوب مع مطالب الغالبية الساحقة من ابناء مصر بالتنحي عن منصبه والرحيل الى اي دولة يختارها، او تقبل به، ليقضي ما تبقى من حياته في ملاذ آمن.

اللواء احمد شفيق رئيس الوزراء الجديد عقد مؤتمرا صحافيا بالامس اعتذر فيه عن المواجهات الدموية التي فجرها بلطجية النظام ضد المتظاهرين المسالمين في ميدان التحرير، وقال انه لم يعلم بها، واكد انه لن يسمح بتكرارها وسيقدم كل المتورطين فيها الى

العدالة. ومن المفارقة ان اعتداءات فرق البلطجة استمرت طوال المؤتمر الصحافي عينه، وتطورت بشكل اكثر شراسة طوال الليل.

فاذا كان رئيس الوزراء، وهو لواء سابق ومن اكثر المقربين للرئيس مبارك، لا يعرف بفرق البلطجة هذه، ولا الذين يقفون خلفها، فمن الذي يعرف اذن؟

من الواضح ان النظام الذي قسم الشعب المصري، واشعل نار الفتنة بين ابنائه، يواجه المصير نفسه، وان هناك مراكز قوى، او عصابات مافيا، تتناحر فيما بينها، وتتصرف دون اي تنسيق، وهذا امر خطير جدا بكل المقاييس، خطير على الشعب، والمنتفضين من

ابنائه على وجه الخصوص.

فقد كان مفاجئا ان يظهر النائب العام فجأة، ويصدر فرمانا بمنع مجموعة من رجالات النظام من السفر، واتهامهم بالمسؤولية عن الانفلات الامني والوقوف خلف اعمال التخريب، وعلى رأس هؤلاء ملك الحديد احمد عز، ووزير الاسكان السابق احمد المغربي، ووزير

الداخلية السابق الحبيب العادلي. فلماذا هؤلاء وليس السيدين علاء وجمال مبارك مثلا، او صفوت الشريف او غيرهم، فهل هذا يعني انهيار النظام بالكامل ومن الداخل، وبدأت حرب التصفيات بين اجنحته؟

ولعل اغرب ما قاله اللواء احمد شفيق وردده اكثر من مسؤول في نظام الرئيس مبارك هو ان مصر ليست تونس، وان هناك من يريد تطبيق النموذج التونسي في مصر وشدد على معارضته ذلك، واكد انه لا بد من ايجاد مخرج كريم ولائق للرئيس مبارك.

لا نعرف لماذا يقلل اللواء شفيق من اهمية وريادة النموذج التونسي، فما حدث في تونس من ثورة شعبية شجاعة وحضارية هو فخر لكل العرب، والنموذج المشرف الذي يجب ان تحتذي به جميع الشعوب العربية في كفاحها العادل ضد الاستبداد والقمع والفساد

والحكومات البوليسية. فالشعب التونسي واجه الرصاص بصدور ابنائه، وصمد لما يقرب من الشهر في وجه قوات امنية هي الاشرس في الوطن العربي، ولم تتوقف ثورته حتى حققت جميع مطالبها.

الجيش التونسي قدم سابقة وطنية سيذكرها التاريخ له دوما، عندما انحاز الى الشعب، ورفض توجيه بنادقه الى المنتفضين تنفيذا لاوامر الرئيس، وتصرف بشكل مسؤول وشجاع، عندما اعطى الرئيس مهلة ثلاث ساعات لمغادرة البلاد والا فانه لا يضمن حمايته

واسرته.

الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، ورغم كل تحفظاتنا عليه وادانتنا القوية لكل ممارساته وفساد افراد اسرته، وتغطرس بطانته السيئة، هذا الرئيس فهم الرسالة جيدا، وقرر ان يقلص معاناته ومعاناة شعبه، باستقلال طائرته الخاصة والذهاب الى المملكة

العربية السعودية لاجئا مستجيرا.

ليت الرئيس المصري وجيشه وبطانته يقتدون بهذا النموذج التونسي فورا، ولا عيب في ذلك، بل هو عين العقل، وقمة المسؤولية، واقصر الطرق لحقن الدماء والحفاظ على مصر كريمة عزيزة، ووضع حد لمعاناة شعبها، وافساح المجال امام دماء جديدة نظيفة شريفة

لقيادة البلاد نحو نهضة جديدة في المجالات كافة.

لا نعتقد ان ممارسات بلطجية النظام التي نراها بالصوت والصورة عبر شاشات التلفزة ستسهل محاولات عقلاء النظام، وهم قلة على اي حال، بايجاد مخرج كريم للرئيس مبارك من الحكم يليق بمصر ومكانتها، بل ربما تأتي النتائج معاكسة لذلك تماما. فكلما

تزايدت اعمال القتل والدهس والاعتداء على الشبان المنتفضين، تبخرت الآمال بتحقيق هذا المخرج الكريم، وباتت نهاية الرئيس مبارك اقرب الى نهاية الطاغية تشاوشيسكو.

الشعب المصري لا يمكن ان يتحمل النظام ورئيسه وبلطجيته ومافياته، سبعة اشهر اخرى، حتى تنتهي المهمة الرئاسية الدستورية للرئيس مبارك، ولتجنب فراغ دستوري مثلما يردد اللواء عمر سليمان نائب رئيس الجمهورية في بياناته الصحافية. فأي دستور هذا

الذي يدعون التمسك به وهو يمكن ان يعدل في خمس دقائق، بل يمكن ان يمزق بالكامل في اقل من ذلك.

الرئيس مبارك غير معروف باستماعه لنصائح الآخرين، حتى لو كانوا من اقرب المقربين اليه، ولذلك لا نعتقد انه سيستمع الى النصيحة الصادقة التي وجهها اليه السيد رجب طيب اردوغان رئيس الوزراء صاحب المعجزة التركية الاقتصادية والديمقراطية معا، فالسيد

اردوغان طالبه بان يستمع لصرخات شعبه، وتلبية مطالبه في التغيير دون تردد، وهو مطلب مشروع يصدر عن رجل محب لمصر، وخبير في تحسس مشاعر الجماهير ويعرف كيف يترجمها الى انجازات مبهرة.

بالامس طالبت الملايين من الشعب المصري الرئيس مبارك بالرحيل بشكل آمن ولائق، واليوم تطالب بمحاكمته واعدامه، ولن نستبعد ان يقتحموا في الايام المقبلة القصر الجمهوري واخراجه منه بالقوة، ولا نريد ان نقول ما هو اكثر من ذلك. فبلطجية النظام تخطط

لارتكاب مجازر دموية، والا ما معنى اقدام عناصر منها على مطاردة الصحافيين الاجانب وارهابهم، وطردهم من فنادقهم المطلة على ميدان التحرير؟

من اغرب ما رصدناه اثناء متابعتنا لهذه الازمة هو ما ورد على شاشة بعض القنوات المصرية الرسمية، وعلى لسان اكثر من مسؤول حول اعتراض مصر على التدخل الامريكي في شؤونها الداخلية.. سبحان الله الرئيس مبارك الذي تواطأ في كل حروب امريكا ضد

العراق وافغانستان، وساهم بذلك في تسهيل تدمير العراق مرتين ومن ثم احتلاله. الم يكن الرئيس مبارك هو صاحب مقولة ‘دي امريكا يا صدام’!

الاختبار الحقيقي للنظام سيتجسد اليوم عندما يشاهد الملايين يتدفقون الى الشوارع بعد صلاة الجمعة لمطالبة رأسه بالتنحي.

الجيش المصري يواجه ايضا الاختبار نفسه، فحياده الحالي حياد مخادع، وهو يصب في مصلحة النظام، واطالة امد معاناة الشعب بتركه وحيدا في مواجهة ذئاب النظام.

الشعب المصري سيخرج من مجازر النظام اكثر قوة وصلابة.. واكثر اصرارا على تحقيق مطالبه المشروعة في التغيير. وانه لعمري شعب شجاع وعظيم يستحق النصر في واحدة من اهم معاركه واشرسها.

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليقات 10

  1. جاد:

    كان في قديم الزمان اخذ الاذن للتحدث او الكتابه عن حال او احوال بعض الامور
    واليوم نشاهد الجميع يريدون التحدث والكتابه عن كل الامور تحت مسمى الديمقراطيه
    ولا غلط في ذلك ان لم نسيء في حديثنا لاحد
    مصر ستبقى اما حنونه وارضا طيبة كريمه لكل البشر
    بارك الله في همة شباب وصبايا مصر ورجالها ونسائها وشيبانها واطفالها
    ولنكن على مستوى اكبر من كل ما يدفعوننا اليه تحت مسمى الديمقراطيه المزيفه
    ولنحترم هذا الرجل وسنه الذي يجب علينا شرعيا وقانونيا ان لا نسيئ له مهما كان غضبنا
    هل يمكن ان يسيئ الإنسان لوالده مهما بلغت اخطاءه هل يمكن للانسان ان يصحح الخطأ
    بخطأ اكبر منه
    لنحترم قواعد البشريه ولنعود لعروبيتنا واخلاقنا وثقافتنا
    من كان مسؤل فليتصرف ضمن مهام مسؤليته ومن لا يعرف فليتعلم ليحسن التصرف
    ستمضي هذه الغيمه على خير ولنتذكر كل الامور التي تبث السعاده في انفسنا
    فلننظر للكاس من الناحيه الملاءه وليس من الناحيه الفارغه
    انا لست مصريا ولا اعبر عن راي 80مليون مصري
    انا انسان احترم البشر وعقولهم واقدر للانسان ايجابياته قبل ان احاسبه على سلبياته
    وهذا المهم
    جاد …….

    تاريخ نشر التعليق: 10/02/2011، على الساعة: 11:05
  2. maghrebi:

    no9ta no9ta yahmal al wad hadi galoha nass zman daba tanchofoha hna

    تاريخ نشر التعليق: 09/02/2011، على الساعة: 2:14
  3. سيرش:

    انا اسف يعنى بس مين حضرتك علشان تتكلم بالنيابه عن 85 مليون مصرى ولا انك تقول يرحل او يقعد ويرحل ويسيب البلد يحصل زى ماحاصل فى تونس والعراق ودول اخرى حتى الان ان شاء الله هيفضل موجود لانتهاء ولايته ويتم الانتقال السلمى للسلطه ولن تقع مصر ابدا باذن الله

    تاريخ نشر التعليق: 05/02/2011، على الساعة: 11:06
  4. نينة:

    سر يا tounsi.hor يا مسطول ربنا ياخذك

    تاريخ نشر التعليق: 05/02/2011، على الساعة: 1:26
  5. tounsi.hor:

    al hamdo lillah adat al gatira li sekkatiha wa badaat al masir ila al hadaf wahwa isgat kpl andimat al ar waddel mel magreb lel kalij awdat al karama wal horria wal izza li ommatina al mohana .tigo innaho zamanon jadid tahia lel ahrar fi tounes wa masr wal agiba li bagiat al okwa

    تاريخ نشر التعليق: 05/02/2011، على الساعة: 0:13
  6. tounsi.hor:

    yasgot attogat ach rached il gannouchi achat al haraka al islamia fi tounes tawra tawra hatta annasr rahima allah al boazizi tawra hatta sogout aker attogat al arabmel magreb lel kalij achat harakat annahda wa kol al islamiin fel alam al arabi

    تاريخ نشر التعليق: 05/02/2011، على الساعة: 0:05
  7. فرغلي:

    شدتني صورة الكاتب ماشاء الله

    بكل ثقه يضع صورته …

    ماهذه الوسامه ..

    تاريخ نشر التعليق: 04/02/2011، على الساعة: 23:03
  8. tounsi.hor:

    achchabab yahtef fi janoub libya nebbi karama nebbi horria nebbi tawra hagigiya .wa ,yasgot model achchab yasgot mosilamat il asr al an .ajel wa akid tawra dod attagiya fi libya fel janoub

    تاريخ نشر التعليق: 04/02/2011، على الساعة: 17:21
  9. tounsi.hor:

    ajel :ichtibakat al an bayna chabab liby wa aawan attagia al gaddafi fi marzog wal maknosa wa sabha akid ogsom lakom al an achchabab yasih yasgot jallad achchab yasgot gaddaf iddam :akid

    تاريخ نشر التعليق: 04/02/2011، على الساعة: 15:21
  10. مؤمن طه:

    ٍسيدي العزيز :
    أتفق معك سيدي في الفقرة الخاصه بالحيرة فيما يجري بين اركان النظام الآن فكما عاملونا طوال سنين بالخروج علينا بقرارات و اوامر “فرمانات” و علينا “غلم و ينفذ” فلم نعش رفاهية الانظمة الديموقراطيه الحقيقيه التي تضمن الشفافيه اللازمه اثناء صنع قرارات تؤثر على شعب بل و احيانا على امه باكملها . و أختلف معك سيدي في محاولة استنساخ تجربة تونس الحبيبة مع واجب نسب بعض الفضل للأخوة التونسيين الاعزاء لاشعالهم شرارة البدء التي الهمت الشعب المصري ليهب هبته الرائعه و لكن و كما اعتقدت منذ اول يوم و ما زلت اؤمن أن تشابه البدايات لا يعني بالضرورة نفس النهايات و احيطك علما ان ما ساكتب الآن هذا هو جزء اساسي من نقاشتنا هنا اليومية الليليه اثناء دورياتنا في لجان حراستنا الشعبيه و يتفق عليه قطاع لا ادعي اني اعلم اكان اكثريه أو اقليه و يدور حول “كيفية الرحيل” فهناك من يتفق معك فيما تراه من طريقة بن علي و هناك و انا منهم ان يرحل عن السلطه و له الحريه ان يبقى في مصر و تكون سابقه ان يكون لدينا رئيس سابق ليس تحت الأقامه الجبريه كما كان “محمد نجيب” رحمه الله و ان كنت اعتقد انه سيجبر نفسه على تحديد اقامته .هل يستحق هذا ام لا ليست القضيه و لكن من يتفق مع هذه الرؤيه يعيدها الى تاريخه المتصل بالقوات المسلحه المصريه و بعزتها و كرامتها و ان اتقفنا على انه حرم شعبه من كرامتهم فثقافتنا و اخلاقنا بل و المنطق البسيط يظهر ان لا نعامل من نختلف مع طريقة تعامله معنا و نرفضها باستخدام طريقته .

    تاريخ نشر التعليق: 04/02/2011، على الساعة: 1:56

أكتب تعليقك