اختيار بين شرَّين

فهمي هويدي

فهمي هويدي

يصدمنا ويعذبنا القصف الجوى الذى تتعرض له ليبيا والذى تشنه الطائرات الفرنسية والأمريكية،ذلك اننا ما تمنينا أن نقف متفرجين على توجيه مثل تلك الغارات ضد أى بلد عربي.

ناهيك عن اننا ظننا أن مثل تلك الحملات قد تجاوزها الزمن، فضلا عن ان الذاكرة العربية تحفل بالشواهد الدالة على ان الدول الغربية على مدار تاريخها معنا لم تضمر لنا خيرا يوما ما.

بكلام آخر فإننا نكره التدخل العسكرى الغربى فى أى بلد عربى أو غير عربى، ونعتبره جريمة فى حق الإنسانية.

لكن المشكلة ان العقيد القذافي غير من موقفنا حين أعلنها حرب إبادة ضد الرافضين لنظامه والمطالبين برحيله، وهو بذلك وضعنا بإزاء جرم أفدح.

ذلك أن التدخل العسكري الغربي يمثل عدوانا على السيادة وعلى الحق فى الحرية والكرامة، ولكن ممارسات قوات العقيد صارت عدوانا على الحق فى الحياة ذاتها. من ثم فإننا عند المقارنة نصبح بإزاء شرين، شر أدنى وآخر أكبر وأفدح. وحين كان علينا أن نختار فإننا قبلنا بالشر الأدنى وتجرعنا مرارته، لكى نتجنب كارثة الشر الأكبر.

أدري أن الدول الغربية ما كان لها ان تتدخل عسكريا فى ليبيا لولا حرصها على توفير إمدادات النفط وتثبيت أسعاره، ولا تحتاج هذه المقولة إلى دليل. إذ يكفى أن نقارن بين الحاصل فى ليبيا وبين نظيره الذى يجرى فى اليمن، والخلاف بينهما فى الدرجة وليس فى النوع.

فالرئيسان مرفوضان شعبيا، لكنهما يصران على التشبث بالبقاء ويرفضان الرحيل، وفى سعيهما لقمع الرافضين لها فإنهما لم يتورعا عن استخدام السلاح ضد المدنيين وقتلهم بالرصاص الحى. العقيد القذافي استخدم طائراته ودباباته ضد شعبه، والرئىس عبدالله صالح استخدم القناصة والقنابل اليدوية، وقتل أكثر من خمسين شخصا من أبناء شعبه.

مع ذلك قامت الدنيا ولم تقعد. فيما يخص ليبيا وتقرر قصف الأهداف العسكرية لإسقاط نظام القذافى والتمكين للثائرين ضده، فى حين تم غض الطرف عن ممارسات الرئيس اليمنى، ونصحته وزيرة الخارجية الأمريكية بعدم استخدام العنف ضد المتظاهرين. والسبب فى ذلك واضح للعيان، فليبيا تعنى النفط بالنسبة للغرب، فى حين ان اليمن لا تعنى الكثير من هذه الناحية.

الطريف فى الأمر، المضحك والمبكى فى ذات الوقت، ان العقيد القذافى بعد ان احتقر شعبه وقرر استخدام أسلحته وقواته لتحرير ليبيا من الليبيين، أعلن فى مواجهة جماهير الداخل ان بلاده تتعرض لعدوان صليبي، وفى الوقت ذاته فإنه خاطب الغربيين قائلا انه يخوض معركته ضد تنظيم القاعدة، محاولا الايحاء لهم بأنه إذا هزم فإن خطر القاعدة سوف يستفحل وان الغرب سوف يصبح مهددا بشبح الإرهاب جراء ذلك.

لا نشك فى أن لفرنسا أغراضها من وراء قيادة الاحتشاد الدولي ضد نظام العقيد القذافى، وهى تتراوح بين سعي الرئيس ساركوزي إلى تقديم نفسه بحسبانه الشخصية الأبرز فى الساحة الأوروبية، لتعويض تدهور شعبيته فى الداخل، وبين التطلعات الفرنسية إلى استعادة دورها فى شمال أفريقيا، ولا تستبعد أن يكون لمصالح الشركات النفطية الفرنسية إسهاما فى تبنى ذلك الموقف.

وهو ما لا تستغربه فى كل الأحوال، لأننا نعرف جيدا ان قرار القيام بالقصف الجوي لا يتخذ لوجه الله أو دفاعا عن الشعب الليبي، وإنما هو خطوة لها مردودها السياسى والاقتصادي.

ذلك كله نفهمه، وربما مررناه مؤقتا انطلاقا من مبدأ القبول بالضرر الأدني لتجنب الضرر الأكبر من ناحية، وإعمالا لفكرة احتمال التعامل مع «الشيطان» بصورة استثنائية لتحقيق هدف مرحلي، مع التأكيد على الافتراق عنه فيما خص الهدف النهائي.

اننا نحلم بيوم يستطيع فيه النظام العربي أن يكون قادرا على الدفاع عن الشعب العربي، ولكن ذلك اليوم يظل بعيد المنال، ووجود أمثال العقيد القذافي على رأس بلد عربى يظل أحد أبرز العوائق التى تحول دون ذلك، إذ حين يصبح الرجل أصل المشكلة، فلا ينبغى أن نتوسم فيه أن يصبح جزءا من الحل.

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

أكتب تعليقك