مهلاً يا “مجاهدي” الماوس والكي بورد !

فيصل القاسم

فيصل القاسم

لا يمكن لأحد بكامل عقله إلا أن يحيي ويقف إجلالاً وإكباراً لثورة الاتصالات المباركة التي حررت الشعوب من سطوة الإعلام الموجه ذي الاتجاه الواحد، وجعلت كل فرد يمتلك جهاز كومبيوتر أو موبايلاً وحساب انترنت ناشراً بامتياز، بعد أن كان مجرد نشر جملتين في صحيفة حلماً بعيد المنال بالنسبة لملايين البشر.

ولا يمكن في الآن ذاته أن ننكر الدور الإيجابي الذي لعبته مواقع الاتصال الاجتماعية كالفيس بوك وتويتر في تنظيم الثورات الشعبية التي حدثت في تونس ومصر وليبيا اليمن والأردن والبحرين والكويت والتي ستحدث قريباً في بلدان عربية أخرى كثيرة. وقد تعجب أحد الخبراء الإعلاميين الأمريكيين قائلاً: “لقد اخترعنا فيس بوك في أمريكا ليكون وسيلة للتواصل الاجتماعي بين الناس لا أكثر ولا أقل، فإذ بكم أنتم العرب تستغلونه خير استغلال لتنظيم الثورات”.

كما يجب التنويه بدور مواقع الفيديو الشهيرة كيوتيوب وغيره في رصد الثورات بالصوت والصورة وتوفيرها لبقية وسائل الإعلام، خاصة في الدول التي لا يمكن فيه للفضائيات أن تغطي أحداثها بسبب الرقابة الصارمة. وكما هو معروف فقد نجح الكثير من الشباب في تصوير أحداث تونس وغيرها بالموبايل ليتم إرسالها لاحقاً إلى يوتيوب وغيره كي تكون شاهداً موثقاً على تلك الثورات وأحداثها.

لكن مهلاً قليلاً، فمن الظلم الفادح أن يذهب بنا الحماس بعيداً لنعزو تلك الثورات العظيمة للفيس بوك، ففي ذلك طبعاً الكثير من المبالغة والتهويل السخيف لأسباب موضوعية كثيرة.

أولاً الدول العربية ليست كأمريكا في استخدام الانترنت، فبينما يدخل إلى الشبكة العنكبوتية في الولايات المتحدة أكثر من ثمانين بالمئة من الشعب الأمريكي، فإن نسبة استخدام الانترنت في العالم العربي متدنية للغاية ليس مقارنة بأمريكا بل حتى ببلدان العالم الثالث الأخرى. فعدد سكان مصر البالغ أكثر من ثمانين مليون نسمة لا يشكل مستخدمو الانترنت فيها سوى نسبة ضئيلة للغاية.

وفي سوريا لا يتجاوز عدد مستخدمي الانترنت ثمان مئة ألف شخص من اصل أكثر من ثلاثة وعشرين مليون شخص.

وحدث ولا حرج عن بلدان المغرب العربي والسودان والصومال. ولا أبالغ إذا قلت إن ملايين العرب في تلك البلدان لا يعرفون معنى فيس بوك، فما بالك أن يكون لهم حساب فيه، ناهيك عن أن شراء جهاز كومبيوتر يعتبر بالنسبة للسواد الأعظم من سكان مصر وغيرها حلماً بعيد المنال. لا بل إن بعض الدول تقدم قروضاً للطلاب يدفعونها على مدى سنوات من أجل شراء لاب توب.

وبناء على ذلك، لا يمكن القول إن ثورة مصر العظيمة أنجزها شباب الفيس بوك. لا أبداً هذا كذب بكذب ومجافاة للحقيقة. لقد خرج في المدن والقرى ملايين المصريين من عمال وفلاحين وسكان المقابر والعشوائيات والصعيد. ولا أعتقد أن هؤلاء خرجوا وشكلوا ثقلاً ثورياً عظيماً بفضل الفيس بوك المزعوم.

وأنا على يقين أن معظمهم لا يعرف معنى الفيس بوك. وقد أخبرني ثائر ليبي أن العديد من الثوار الليبيين الذين يناضلون الآن في ساحات الثورة لم يدخلوا يوماً موقع الفيس بوك أو غيره. صحيح أن بعض الليبيين في الخارج فتح صفحات على فيس بوك، ودعا فيها للثورة، لكن العبرة ليس في نضال الماوس والكي بورد.

ولو سلمنا جدلاً أن الفيس بوك لعب بعض الدور في الثورات، لكن علينا أن نسأل: أليست خدمة الانترنت في العديد من الدول العربية خدمة بطيئة، وتعل القلب في كثير من الأحيان، مما يجعل مستخدميها يضيقون ذرعاً في مواصلة الاستخدام، خاصة وأنه في بعض البلدان العربية التي يطبلون ويزمرون فيها لتأثير “الجهاد الالكتروني” من الأسهل أن تسافر إلى لندن لتوصيل رسالة على أن ترسلها عبر البريد الالكتروني بسبب سرعة الانترنت السلحفاتية المقصودة.

ومما يبعث أكثر على الضحك، أن بلداً مثل تونس التي يعود لها الفضل في إنجاز أول ثورة عربية مباركة كان بن علي يخنق التواصل الالكتروني بوحشية عز نظيرها، لا بل إنه أنشأ وزارة خاصة بالانترنت، واشترى أجهزة كومبيوتر عملاقة بملايين الدولارات كي يتحكم بخدمة الانترنت وبمستخدميها.

بعبارة أخرى، فإن الشباب التونسي كان يعاني الأمرين في تعامله مع الشبكة العنكبوتية، مما يؤكد أن الثورة التونسية لم تنجزها الانترنت ولا فيس بوكها المزعوم. وإن حدث فبدرجات ضئيلة جداً.

وحدث ولا حرج عن جمهوريات الخوف الأخرى التي تأخذ بطاقة الهوية من كل شاب يريد الدخول إلى مقهى انترنت كي تراقبه وترهبه، بحيث يصبح مجرد الدخول إلى موقع الكتروني محجوب جريمة تودي بمرتكبها إلى غياهب السجون لعشرات السنين. وحدث ولا حرج عمن يفتح مدونة، أو يكتب عبارة معاتبة لهذا الرئيس أو ذاك، فمصيره جهنم أقبية وزارات الداخلية دون أدنى شك.

والمضحك في الأمر أيضاً أن البعض يتشدق بتأثير الفيس بوك وغيره، ثم يشتكي من حجبه. فكيف أثر ذلك الموقع في الثورات إذا كان محجوباً أصلاً في بعض الدول، ناهيك عن أن الأنظمة الحاكمة في تونس ومصر وليبيا استطاعت قطع الانترنت والتحكم بها بجدارة قبيل الثورات وأثناءها، مما جعل التواصل الالكتروني صفراً. وبصراحة علينا أن لا نبالغ في تأثير الانترنت من الآن فصاعداً، لأن الحكام يستطيعون قطعها بكبسة زر. ناهيك عن أن وزارات الاتصالات العربية تستطيع أن تلغي كل خدمات التواصل على الهواتف الجوالة أيضاً بكبسة زر، مما يجعل التواصل “الالكتروني الثوري” المزعوم ضرباً من المحال.

لا أريد طبعاً أن أبدو كأني أنال من الثورة الالكترونية لصالح البث التلفزيوني الفضائي، لكن الشمس طالعة والناس قاشعة كما يقول المثل الشعبي. فلولا التغطية التلفزيونية لما أخذت الثورات ذلك البعد العظيم. كم عدد الذين كانوا يتابعون الثورات عبر الانترنت، وكم عدد الذين كانوا يتابعونها عبر الفضائيات التي كانت تغطي الحدث لحظة بلحظة؟ طبعاً لا مقارنة أبداً.

هل يريد معشر الفيس بوك أن يقول لنا إن الملايين التي أسقطت الطغاة العرب خرجت تحت تأثير الفيس بوك أو تويتر؟ فعلاً كذبوا الكذبة وصدقوها.

إن أكبر دليل على أنها ثورة فضائيات بالدرجة الأولى أن أي حراك شعبي في أي بلد لا تسلط عليه الفضائيات المؤثرة الضوء سيموت في مهده. وكم من البلدان العربية تشهد الآن حراكاً وتململاً وحتى مظاهرات وبوادر ثورات، لكنها لا تحظى بالتغطية التلفزيونية اللازمة بسبب التركيز على الثورة الليبية المتصاعدة، وبالتالي لن تتطور كثيراً وربما تراوح مكانها، إذا لم تخمد وتـُنسى.

قد يقول البعض إن الفضائيات اعتمدت في بعض الأحيان على الصور التي بثتها الانترنت, وهذا صحيح. لكن لو لم تعد الفضائيات بث صور الانترنت لظل تأثير تلك الصور محدوداً جداً.

لم أسمع حتى الآن أناساً من البلدان العربية التي تشهد بعض الحراك الشعبي يشتكون من قلة التغطية لحراكهم في الانترنت أو على صفحات فيس بوك، لكنهم غاضبون جداً من الفضائيات التي يزعمون أنها لا تعير حراكهم الاهتمام الإعلامي المطلوب.

بعبارة أخرى فالعتب موجه في التقصير ليس للإنترنت بل للفضائيات. فهي التي تحرك الثورات فعلاً من خلال الصورة والكلمة المسموعة اللتين ما زالتا بالمفهوم الإعلامي حتى الآن أقوى من أي سلاح آخر. ناهيك طبعاً عن أن السواد الأعظم من الشعوب تتابع التلفزيون بنسب مهولة لا يمكن مقارنتها أبداً “بشوية العيال” الذين يتابعون الانترنت. ولا أبالغ إذا قلت إن تقريراً تلفزيونياً واحداً عن هذا البلد أو ذاك يساوي في تأثيره تأثير كل المواقع الالكترونية التي يتابعها العرب مجتمعين. حتى إن البعض علق قائلاً: سنؤجل مظاهراتنا لأن الفضائية الفلانية مشغولة بتغطية ثورة أخرى.

كتب مارك لينش، المحاضر في جامعة جورج واشنطن والمتخصّص في وسائل الإعلام العربية: “قد لا تكون الفضائيات سبب هذه الثورات، لكن من المستحيل الاعتقاد أنّ كلّ ما حصل كان يمكن أن يتحقق من دونها”.

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليقات 9

  1. JUMMA ALFAITOURI:

    احد اهم البرامج التى انارت العقول – الاتجاة المعاكس. ما يزال الوقت مبكرا بالقول ان الثورات انتجت فوضي. فمن يوافق علي وجود انضمة فاسدة قله تفكير فاسد.

    تاريخ نشر التعليق: 12/08/2011، على الساعة: 17:44
  2. غيور:

    قبل ان يطل علينا الفايسبوك وليويوتب والتويتر وبالضبط فبي1990م لقد طلت على العلام قناة الجزيرة في فضح انتهاكات حقوق الانسان لامريكا في حرب العراق وافغانستان قبل اي قناة اخرى في العالم اما اليوم فقد تعزز هدا المنبر الاعلامي الحر بعالم الانترنت اي الفايسبوك وليوتوب و التويترفي اعطاء المعلومة بسرعة وادق لتعززوا معلوماتكم اي الجزيرة
    اخي فيصل لقد قلت لقد خرج في المدن والقرى ملايين المصريين من عمال وفلاحين وسكان المقابر والعشوائيات والصعيد. ولا أعتقد أن هؤلاء خرجوا وشكلوا ثقلاً ثورياً عظيماً بفضل الفيس بوك المزعوم.لا ياخي فيصل من اداروا وحركوا نار التورة هم متقفي الفايسبوك ولقد اعترف بها الكاتب والصحفي هبجل في قناتكم ولقد وصل عدد المعبؤون على الفايسبوك 6000 متف فيسبوكي ابتداء من سثة 2008م لاطاحة بنظام مبارك وليس بالفلاحين وسكان المقابر…..الخ الدبن ازروا التورة في ميدان التحرير اي متقفي الفايسبوك

    تاريخ نشر التعليق: 14/04/2011، على الساعة: 20:45
  3. م الحسن العبيدي:

    ياجماعة ‘ ياجماعة ? لا القنوات ولا الانترنيت ايقظوا الثورة بل ساهمو فيها فقط ‘ وتبقى المواقع الاجتماعية ذى مصداقية لانها مفتوحة للجميع للتعبير عن الاراء وكذالك بأسماء مستعارة للمتهضين ‘ اما القنوات مهما وصلط من إستقلالية تبقى ذى إتجاه إقتصادي وسياسي ‘أما الفئة التي ليس لها إمكانية الانترنيت وهناك كذالك فئة في عالمنا العربي تعيش في مناطق نائية بدون بث تلفزي وفئة عريظة مطحونة تجري وراء الخبز لا تهتم بالاعلام لانه لايفيدها بشئ ‘ لاكن هذه الفئات المحرومة هي وقود الثورة إن وجدت الدعم من المتعطشين إلى الدمقراطية ‘ على سبيل المثال الثورة الفرنسية قامت مند ٢٢٠سنة بدأت سنة ١٧٨٩وانتهت سنة ١٧٩٩ في هذا التاريخ لا يوجد تلفاز ولاكمبيوتر ? ياجماعة ياجماعة ?موقد الثورة هوالظلم والاستبداد والتوقيت يبقى لوعي الشعب ? مع تحياتي للدكتورفيصل القاسم والسلام عليكم .

    تاريخ نشر التعليق: 30/03/2011، على الساعة: 13:10
  4. chaibia mouaffou:

    انا متفق مع اخ طالب مغربي في كل ماقاله ولكن فكرو معي يا اخوة منغير فيس بوك -والجزيرة -والعربية وباقي وسائل الاعلام الباقية-والنت -الخ……. هل ستكون ثورات ؟ الجواب بطبع لاوالف لا

    تاريخ نشر التعليق: 27/03/2011، على الساعة: 19:23
  5. ميرة:

    بصراحة انا اكره هالشخص ( فيصل القاسم) شخص حقود بمعنى الكلمة .. يكره العرب ولو هو رجال من ظهر رجال يروح يحرر القدس لو فيه خير.
    الله ياخذه ان شاء الله

    تاريخ نشر التعليق: 27/03/2011، على الساعة: 0:39
  6. فلسطيني:

    اسف على ما ساكتبة ، ولكن انت وجزيرتك اتفه من وجد في عالم الاعلام ، وبامكاني ان اثبت لك ذلك بالحجة والاقناع ، والوصف الافضل لكم هو انكم ابناء الشيطان .
    انكم اعمياء ومتخلفين اذا ظننتم ان شعوب مصر وتونس …. الخ قد تحررت بشكل كامل ، بل ما حصل هو استبدال لاستعمار الانظمة باستعمار الفوضى ، واظن ان النظام الفاسد افضل مئة مرة من عدم وجود نظام

    تاريخ نشر التعليق: 26/03/2011، على الساعة: 22:09
  7. طالب مغربي:

    السلام عليكم
    أخي فيصل أنا متفق معك أن الاعلام هو الأساس في عملية الثورة لإجال الجقيقة الى الفئة العضمى من الشعوب العربية. لكن بداية هذه الثورات لبد لها من الفيسبوك والا لن تجد القنوات الفضائية ما تنقله، و لا أضن أنك ستنكر أن كل الثورات كانت انطلاقتها من الفيسبوك.
    إذا الفيسبوك بدون إعلام هو لاشيء، وكذلك الاعلام بدون فيسبوك هو لاشئء
    الفيسبوك + الاعلام الحر = قيام الشعب ضدد الاستبداد

    تاريخ نشر التعليق: 26/03/2011، على الساعة: 16:39
  8. ملاحظ:

    يطل علينا فيصل القاسم بشطحاته المعتادة . . لكن هاته المرة ليس بتحريك يديه كالميسترو لكن باللعب بالحروف المكتوبة ليقول لنا بطريقة غير مباشرة انه لولا قناة الخنزيرة /عفوا/ الجزيرة لما نجحت الثورات و لما وعت الشعوب مضيفا ان الشبكة العنكبوتية كان مفعولها ضعيفا . . .
    اكيد يا سيد فيصل
    فلا احد ينكر ان قناتك كانت السباقة و منذ سنين الى نشر الفتنة و ضرب هذا النظام بذاك و التربص لكل من لا ترضى عليه امريكا و اسرائيل . . و كل ذلك تحت شعار شفافية الاعلام في الوقت الذي يتم فيه التغاضي عن مؤامرات حقيقية تحبك في حق الشعوب العربية المستضعفة و بطبيعة الحال و قادتها ايضا .
    لا يمكن ان ننكر قدرة قناتك على الركوب على صهوة الاحداث و اتقانها – للتبوريضا- حسب الساحة المخصصة لها . . لكن الهدف ليس لنشر الوعي و انما لزيادة الحطب و اضرام النار.
    عد الى قناتك و اخبرها انك اتممت الدعاية لها في الدولية و اعلمها ان مفهوم الثورة غير ذلك مما تحاول ايهامنا به.

    تاريخ نشر التعليق: 26/03/2011، على الساعة: 12:50
  9. البشير النحلي:

    أعتقد بصواب ما كتبته يا فيصل،
    واعتقد بألا حرج في أن نعلن جهاراً نهاراً أن الفضل الأكبر في ذلك يعود لقناة الجزيرة،
    فإلى العاملين بها والساهرين عليها خالص الشكر والامتنان.

    تاريخ نشر التعليق: 26/03/2011، على الساعة: 11:59

أكتب تعليقك