ليتهُ استمرَ في صمتهِ

عبد الباري عطوان

عبد الباري عطوان

حرص الرئيس بشار الاسد طوال فترة خطابه الذي ألقاه في مجلس الشعب السوري على التأكيد ان هناك مؤامرة تستهدف سورية، وتريد تفجير فتنة طائفية في البلد، وهذا تشخيص صحيح نتفق فيه معه، ولكن ما نختلف عليه هو كيفية تحصين سورية في وجه هذه المؤامرة ووأدها في مهدها قبل ان تنمو وتتسع دوائرها، وتغرق البلاد في حرب اهلية دموية.

الاصلاح بشقيه السياسي والاقتصادي هو العلاج الانجع لافشال هذه المؤامرة، وعدمه هو الطريق الاسرع للفتنة، وقد اعترف الرئيس الاسد بهذه الحقيقة عندما قال ان البقاء بدون اصلاح هو امر مدمر للبلد، ولكن خطابه لم يتضمن اي فقرة او تعهد أو بشرى بالبدء في اتخاذ خطوات جدية في هذا الاتجاه، وكل ما تضمنه هو تلاعب بالكلمات، وتكرار فقرات وردت في خطابات سابقة، اي لا جديد على الاطلاق سوى التهديد والوعيد لاي انسان يجرؤ على شق عصا الطاعة، واللجوء الى الاحتجاج، لانه في هذه الحالة سيكون شريكا في المؤامرة ومحرضا على الفتنة.

خطاب الرئيس بشار الاسد الذي انتظرناه طويلا، خاصة انه جاء بعد أن أكد لنا نائبه ابن مدينة درعا السيد فاروق الشرع انه، اي الخطاب، سيتضمن أشياء سارة، وبعد ان تحدثت مستشارته بثينة شعبان عن الغاء قانون الطوارئ، والتعددية الحزبية، والحريات الاعلامية، وغيرها من المطالب التي وردت على لسان المحتجين، وقالت انها قيد الدراسة، توقعنا ان تكون الدكتورة شعبان قد مهدت الطريق لرئيسها لكي يزف البشرى الى الشعب، وانها ارادت ان لا تحرمه عنصر المفاجأة، بحيث يأتي خطابه دسما حافلا بالانباء الطيبة لشعب مسحوق تمرد على القمع والقهر والاذلال على ايدي الاجهزة الامنية، ولكنه جاء مخيبا للآمال، ومقدما وقودا جديدا لتأجيج الاحتجاجات، وتسهيل فرص نجاح المؤامرة الخارجية التي تحدث عنها الرئيس، اذا كانت هذه المؤامرة موجودة فعلا.

هناك عدة تفسيرات، او اجتهادات، حول اسباب احجام الرئيس الاسد عن تلبية مطالب شعبه في الاصلاحات:

الاول: ان يكون هناك انقسام داخل النظام الحاكم ومراكز القوى فيه حول هذه المسألة، فهناك جناح براغماتي واقعي يقوده الرئيس بشار نفسه ويريد اصلاحات سياسية حقيقية، يقابله جناح متشدد ينتمي الى عصر الحرب الباردة، ويرى ان اي اصلاح هو خطيئة كبرى يمكن ان تهدد بتقويض النظام من الداخل بما يؤدي الى انهياره، ويبدو ان الجناح الثاني الذي يضم قادة الأجنحة الامنية والسيد الاسد كانت له الغلبة في نهاية المطاف.

الثاني: ان تكون المظاهرات الشعبية التي نظمها النظام تأييدا للحكم، وانطلقت في بعض المدن السورية أخيراً، قد اعطت انطباعا للرئيس بشار بأن حجم التأييد له في سورية أكبر بكثير من حجم المعارضة.

الثالث: أن يكون النظام قد توصل الى قناعة راسخة بأنه قادر على قمع اي احتجاجات، والانتصار في أي حرب طائفية، لما يملكه من قوات مسلحة واجهزة امنية تدين غالبيتها بالولاء بسبب تركيبتها الداخلية، والاختيار الدقيق لقياداتها للقيام بالمهمة في حال حدوث الصدام المسلح.

من الصعب علينا أن نرجح تفسيرا معينا من بين هذه التفسيرات الثلاثة، ولكن ما نرجحه هو عجز الرئيس بشار عن تنفيذ الاصلاحات التي حرص على التأكيد عليها في كل خطاباته على مدى اكثر من عشر سنوات من حكمه.

ودليلنا على ذلك أنه كشف في خطابه عن مناقشة المؤتمر القطري لحزب البعث عام 2005 لكل هذه الخطوات الاصلاحية التي تحدثت عنها الدكتورة شعبان، ولكنه لم يقل لنا لماذا، وهو الذي قال انه يريد الاسراع لا التسرع، لم يتم إقرار أي منها طوال السنوات الماضية، وظلت هذه الاصلاحات حبيسة الادراج في ارشيف القيادة القطرية؟

الرئيس بشار الاسد يراهن على عنصر الوقت، ويؤمن بقدرة نظامه على تجاوز الأزمة الحالية، وهذا هو حال جميع الزعماء العرب الذين واجهوا أو يواجهون مطالب شعبية بالاصلاح والتغيير، ولكن رهان رئيسين في هذا الاطار ثبت فشلهما، الأول هو الرئيس التونسي زين العابدين بن علي الذي يعتبر عميد أكاديمية الحلول الأمنية، والثاني هو الرئيس حسني مبارك الذي أقام أكبر امبراطورية أمنية في تاريخ مصر والمنطقة، عمادها أكثر من مليون وربع المليون عنصر أمني من مختلف التخصصات والتوجهات، بحيث كانت هذه الامبراطورية أكبر ثلاث مرات، على الأقل، من الجيش النظامي، وتستأثر بثلث ميزانية الدولة على الأقل.

عنصر الوقت ليس في صالح الرئيس بشار الأسد ونظامه، والشعب السوري لا يريد وعوداً بالاصلاح، وانما تنفيذاً فورياً له، وهذا من حقه، لانه انتظر طويلاً بحيث طفح كيله من شدة الانتظار، ولم تعد شعارات محاربة اسرائيل والتصدي لمؤامرات امريكا تطيل من حبال صبره وتحمله كل انواع البطش والقمع والفساد.

نعم.. امريكا واسرائيل تريان في سورية عقبة في طريق مخططاتهما في الهيمنة وابقاء العرب رهينة لهما، ولكن جربنا أربعين عاماً من مواجهة هذه المخططات بالكلام والشعارات النظرية، والشيء الوحيد المطبق عملياً في المقابل هو جلد الشعب واضطهاده وترويعه وكسر شوكته.

لا يستطيع النظام السوري، او اي نظام عربي آخر ان يقول بانه يجوع الشعب ويهين كرامته، ويعتقل رموزه المطالبة بالحرية من اجل تحرير الارض والمقدسات. فآخر حرب خاضتها الجيوش الرسمية العربية ضد اسرائيل كانت قبل اربعين عاماً تقريباً، بما فيها الجيش السوري.

الشعب السوري لا يريد فتنة طائفية، وهو على درجة كبيرة من الوعي بحيث يعمل جاهداً على تجنبها لمعرفته بمخاطرها على بلاده وحاضرها ومستقبلها، ودليلنا على ذلك ان هذا الشعب صبر اكثر من اربعين عاماً على الكثير من الممارسات الطائفية الطابع من منطلق هذا الوعي بالمسؤولية، ولكن ما حدث انه لم يكافأ على صبره هذا الا بالمزيد من القمع والاضطهاد في ظل قوانين الطوارئ والدولة البوليسية.

لقد اصابني الرئيس الأسد بالكثير من الخوف والقلق عندما قال في خطابه بانه اذا انفجرت الحرب على بلاده فهو أهل لها، ومستعد لمواجهتها، ليقيني بانه لا يتحدث عن حرب ضد اسرائيل، وانما عن حرب ضد الاغلبية من أبناء شعبه التي تطالب باصلاح سياسي وصفته مستشارته السياسية بانه استحقاق شرعي في مؤتمرها الصحافي الاخير.

لا يعيب الرئيس بشار، او حتى المتشددين في نظامه التنازل لشعبهم بالتجاوب مع مطالبه، حتى لو جاء ذلك تحت ضغط الانتفاضة الاحتجاجية، ولكن ما يعيبهم هو ان يؤدي الغرور والمكابرة وعدم التنازل الى جر البلاد الى فتنة طائفية يروح ضحيتها عشرات الآلاف او اكثر.

لا نريد فتنة طائفية في سورية او اي دولة عربية اخرى، مثلما نؤمن في الوقت نفسه ان هذه الفتنة هي مشروع امريكي اسرائيلي تغذيه بعض الدول العربية، والهدف هو تجنب الاصلاح، وايجاد الارضية المناسبة لحشد العرب السنة في مواجهة ايران الشيعية، ولكن في الوقت الذي تعي فيه الشعوب العربية هذا المخطط وتقاومه، تسقط الانظمة في مصيدته، واولها النظام السوري، في مقاومة كل مطالب الاصلاح، والتعاطي بالقوة المفرطة والدموية مع المطالبين به.

الانظمة العربية الديكتاتورية تضعنا بين خيارين صعبين بل مستحيلين، الأول هو الوقوف في خندقها لأنها تواجه مؤامرة، وترفض الاصلاح، والثاني أن نبارك التدخل الاجنبي تحت عنوان انقاذ الشعب من قمعها ودمويتها في حال اندلاع الثورة الاصلاحية، مثلما حدث ويحدث في ليبيا على وجه الخصوص.

لن نقف في خندق الديكتاتورية التي تذبح شعبها دون رحمة او شفقة، ولن نؤيد التدخل الاجنبي لمعرفتنا المسبقة باجنداته الاستعمارية، ولكننا سننحاز دائماً الى قول الحقيقة في زمن يتواطأ الطرفان على قمعها.

سنؤيد النظام السوري، ونقف في خندقه، اذا ما كانت حربه القادمة مع اسرائيل وحلفائها او في مواجهة الهيمنة الامريكية على المنطقة، ولكننا قطعاً سنكون في خندق الشعب اذا تعرض لحرب من النظام بسبب مطالبه المشروعة في الحرية والعدالة ومكافحة الفساد، فالشعوب دائماً ابقى واخلد من الانظمة، خاصة اذا كانت هذه الانظمة تضطهد شعوبها.

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليقات 8

  1. مكسار زكريا : كاتب و شاعر جزائري Mekesser zakaria : Author:

    السياسة رعاية الشعب و حمايته … ،

    ـ بقلم : الكاتب ، الأديب ، الشاعر و الفيلسوف الكبير / مكسار زكريا

    تاريخ نشر التعليق: 05/06/2011، على الساعة: 13:42
  2. ملاحظ:

    اعود الى تعليق قليل الادب رقم 5 و اقول لك انك تنتمي الى من نفخوهم بالمفردات الضخمة و اوهموهم بانهم مثقفين لا يضاهيهم احد في السياسة و خباياها . تختبؤون وراء الشعارات و تطلبون التغيير و انت و امثالك اصل الفوضى . . صحح الاخطاء الاملائية ان شئت و كذا النحوية ما دمت في طور الاستفادة من التعلم في محو الامية لكنك لن تصل الى مستوى النضج في تصحيح مستواك الفكري الذي لا يعرف سوى تحقير اسيادك .
    تساؤلي للسيد عبد الباري لم يكن انتقادا لشخصه ايها البليد الفضولي . . و تطاولك الحقير يؤكد انك من مؤيدي قمع الافكار في الوقت الذي تتظاهر فيه بمعارضة الانظمة القمعية . . اي تناقض هذا ؟
    لكن لا الومك . . امثالك متواجدين في كل بقاع العالم و هم سبب التخلف الذي يتهمنا به الاخرون.

    تاريخ نشر التعليق: 04/04/2011، على الساعة: 18:41
  3. الى ازلام الانظمة القمعية:

    الامن والاستقرار الموهوم القائم على القمع والاستبداد ليس امنا وليس استقرارا ايها المشبوه الجاهل وعليك ان تعود الى المدرسة لتعيد تهجي الحروف من جديد ومن يجهل امورا بسيطة لا يحق له ان ينتقد صحافيا مرموقا ومثقفا ملتزما مثل عبد الباري عطوان ولاتنسى ان تهتم بالاملاء من اجل ان تكتب بشكل سليم

    تاريخ نشر التعليق: 04/04/2011، على الساعة: 15:12
  4. الى شياطين النظام القمعي السوري:

    الامن والاستقرار الموهوم القائم على القمع والاستبداد ليس امنا وليس استقرارا ايها المشبوه الجاهل وعليك ان تعود الى المدرسة لتعيد تهجي الحروف من جديد ومن يجهل امورا بسيطة لا يحق له ان ينتقد صحافيا مرموقا ومثقفا ملتزما مثل عبد الباري عطوان ولاتنسى ان تهتم بالاملاء من اجل ان تكتب بشكل سليم

    تاريخ نشر التعليق: 04/04/2011، على الساعة: 15:07
  5. ملاحظ:

    الى صاحب التعليق 3
    ان كنت تستقصد بتعليقك تساؤلي الذي وجهته للسيد عبد الباري عطوان و الذي مفاده //لماذا سخر جل الكتاب و الصحفيين اقلامهم موجهيها كاسلحة ضد كل الانظمة العربية في هذا الوقت بالذات بينما كانوا في فترة طويلة خامدين ينتفعون بما تجود عليهم تلك الانظمة ؟؟؟ و كيف انقلب اغلبكم 180 درجة ؟؟؟/// فاعلم انني لا اتهم شخص السيد عطوان بشيء من ذلك و بكل صدق كنت اجهل سيرته الذاتية . .
    فقط اود ان اقول لك من خلال اسلوبك في الرد انك قليل الادب زيادة على انك فضولي . . واعلم ان امثالك من يسيؤون الى الشعب السوري و يهددون امنه و استقراره بنشر البلبلة . .

    تاريخ نشر التعليق: 04/04/2011، على الساعة: 11:09
  6. النظام المخابراتي السوري:

    عبد الباري عطوان مناضل تقدمي معروف منذ عقود بمواقفه الصارمة والصادقة وما يقوله عن النظام العسكري المخابراتي السوري وعن الانظمة الفاسدة صحيح مائة في المائة ولايعتاج الى شهادة المشبوهين الذين ينبشون عن ادنى هفوة لتشويه المناضلين واكثر هؤلاء من المغرب وعطوان فلسطيني متحرر ومستقل حتي في مواقفه من القضية الفلسطينية الانسانية وليست فقط قومجية

    تاريخ نشر التعليق: 03/04/2011، على الساعة: 5:57
  7. باسل ابراهيم الحموي:

    كلمة حق يجب ان تقال :شكرا للاخبارية
    اليوم شاهدت الاخبارية السورية وكان هناك استطلاع عن هموم المواطن ورغباته في الاذقية وكنت سعيدا جدا بالحرية في ابداء الرأي وحرية المواطنين في قول ما يريدون وما يشأون
    لقد اكدت الاخبارية على مصداقيته وانها نبع الخبر الصافي التقي
    اتمنى لها التوفيق والتقدم والوحدة الوطنية لشعبنا تحت راية زعيم الامة القائد الذي ينظر ببعد نظر واستقراء لحقيقة الواقع

    تاريخ نشر التعليق: 02/04/2011، على الساعة: 12:01
  8. ملاحظ:

    قبل ان ابحث عن سيرتك الذاتية سيد عطوان كنت اظن انك من اصل سوري تقاسم الشعب السوري الشقيق حياته اليومية و تجسد معاناته و تنوب عنه في نشر ندائه عبر مقالك المطول . . لكن بعدما اطلعت عن تعريفك فوجئت بانك من مواليد 1950 . صحافي فلسطيني مقيم في لندن ، . .
    لا اود ان اناقشك فقرات مقالك سيد عطوان لان ذلك مخول للاشقاء السوريين وحدهم كي يوافقوا كلامك او يعارضوه . . لكن التساؤل الوحيد الذي حل بذهني في المقابل هو لماذا سخر جل الكتاب و الصحفيين اقلامهم موجهيها كاسلحة ضد كل الانظمة العربية في هذا الوقت بالذات بينما كانوا في فترة طويلة خامدين ينتفعون بما تجود عليهم تلك الانظمة ؟؟؟ و كيف انقلب اغلبكم 180 درجة ؟؟؟

    تاريخ نشر التعليق: 01/04/2011، على الساعة: 19:41

أكتب تعليقك