خطابُ جلالة الرئيس

أحمد السنوسي

أحمد السنوسي

يحكي الفيلم البريطاني، الذي حصد أهم الجوائز السينمائية لهذا العام “خطاب الملك” قصة مرشح للخلافة عَيِيّ اللسان، ترفض الكلمات بعناد أن تصدر من فمه، فاحتار الشعب والأطباء في أمره، إلى أن نجح أخيرا في اكتساب ملكة الفصاحة، فكانت كلماته الأولى، التي نطق بها، عبارة عن تعابير المواساة لشعبه، الذي يعاني من أهوال الحرب، وقدم نفسه كجندي يقف في الصفوف الأمامية لنضالات أمته. والحديث هنا عن فيلم سينمائي لا غير.

لو قُدِّر لصناعة السينما أن تتعامل مع “خطاب جلالة الرئيس”، لما كان لها من مرجعية سوى فيلم “الديكتاتور” لشابلن، حيث الفصاحة شجرة تخفي غابة مرعبة من ألفاظ الشتائم والقدح في الشعب، وترسانة هائلة من تحريض أبناء الأمة الواحدة بعضهم ضد بعض، وإشعال النعرات النائمة تحت الرماد.

أما إذا عجزت فصاحة “جلالة الرئيس” عن حشد الولاء، فإن أجهزة مخابراته تتجند من أجل شراء بيعة نفدت صلاحيتها منذ أزمنة سحيقة، وحشد صغار موظفي الأجهزة كالبهائم في الساحات العمومية، من أجل ترديد شعارات ببغائية، تهتف بحياة “ملك الملوك” وبالرئيس الخالد المفوه الذي لا يشق له غبار، إطلاق السباب البذيء ضد شعبه، أو تعليق الانتكاسات التي نتجت عن أدائه الاستبدادي على مشجب المؤامرات الخارجية، في انتظار أن يخضع الرئيس لخيار استجداء التدخل الخارجي، للتوسط له لدى شعبه، من أجل لعب أشواط إضافية، أو من أجل الخروج الآمن من البلاد، مع بطانته المنخورة بالفساد والعفن السلطوي، متوهما حلول موعد الإفلات من العقاب عن الدماء التي أهرقها، وأموال الشعب التي أهدرها، ومستقبل الأجيال الذي رهنه، حيث ستضطر الشعوب الثائرة إلى كنس أزبال الاستبداد ودفن نفاياته، وهو ما سيتطلب وقتا ثمينا، قبل أن تنجح الجماهير في إرساء ثقافة جديدة للحكامة الحقيقية، التي مصدرها، الأول والأخير الإرادة الشعبية.

ويمكن القول إن المستبدين العرب قد ذهبوا بدورهم ضحية استبداد من نوع آخر، إذ تستبد بهم الرغبة الجامحة في أن يتحولوا إلى ملوك تصنع لهم عروش على المقاس، وتيجان مرصعة بآلام ومآسي الناس، وولاءات داخلية وخارجية، حسب الطلب، في سوق النخاسة العالمي، حيث أموال الشعوب تصرف فوق الطاولة وتحتها، يتلقاها نصابون محترفون بدعوى قدرتهم على تشكيل ‘لوبيات’ فاعلة لدى مراكز النفوذ في العواصم المعلومة، تقي جلالات الديكتاتوريين العرب – وكلهم مرؤوسون من خارج أوطانهم – من التقارير الحقوقية ‘المسيئة’، ومن ‘اللسان السليط’ للصحافة الدولية الحرة، على ندرتها.

ويكفي شعوب العرب أن تتأمل في شكل حكامها المتسلطين، وكأنهم صنعوا من قالب واحد. فمن فرط جلوسهم الطويل على الكراسي المنهوبة اتخذوا شكلها ومقاسها، وكأن الكرسي جزء من أجسادهم لا ينفصلون عنه إلا بعملية جراحية دقيقة، لا يجريها إلا أمهر الجراحين، لفصل جسد الكرسي عن جثة الحاكم الجائر ومؤخرته.

وفي الحالة العربية الراهنة، تكللت العملية بالنجاح أحيانا، وارتاحت بعض الكراسي، فيما استعصت في حالات أخرى، كان التصاق الحاكم بالكرسي إسمنتيا، فعجز الجراحون عن التفريق بين الكرسي والجالس المنصهر مع شرايينه، المتعطش لدمائه، ففسد الكرسي بفساد الحاكم الظالم الذي استمد لغته من خشب الكرسي المظلوم والمغلوب على أمره.

وتعج قاعات الانتظار في عيادات الجراحين بعشرات الكراسي الطامعة في فك الارتباط مع الجالسين فوقها والجاثمين على أنفاسها، راغبة في أن يؤدي مبضع الجراح دوره التاريخي في إنقاذها من صبيب الدماء الفاسدة، بعد أن تبرعت شعوب العرب الثائرة بدمائها النقية المحصنة ضد الجراثيم التي لوثت مشارق العروبة ومغاربها، منذ أكثر من نصف قرن من الأزمنة الوبائية، غزا فيها الجراد السلطوي الاستبدادي كل المراعي، وعم فيها جفاف الحريات، إلى أن حل اليوم موسم ري الأرض اليباب برذاذ دماء الشهداء.

موسم اللاعودة إلى الكراسي والعروش التي نخرها السوس وأكلتها الأرضة، ونهاية الخطب المدبجة من محبرة واحدة، اعتادت تصريف الوعود بإلغاء حالة الطوارئ، من أجل إحلال طوارئ أشد إيلاما ووطأة، بعد أن تستقر الأزمة وتعود إلى حالتها الطبيعية، ووضع دساتير جديدة تلبس الديكتاتورية أزياء التحديث الوهمي والدمقرطة الصورية التي تستغفل نباهة الشعب ويقظته، وهو الذي حول كل أيامه إلى “جمعة للشهداء”، واثقا من أن أجمل مستبد لا يعطي إلا ما يملك! وبأن الشعب قادر على إعطاء كل شيء في سبيل حريته وكرامته.

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليق 13

  1. ملاحظ:

    الى صلاح الدين صاحب رقم التعليق رقم8 او (صاحب الفهامة)
    لا تشغل بالك ايها الاخ من ناحية من -تخصص في- حسب وصفك المتميز بالاسلوب المشحون بالادب المقنع . . .
    الدرس المختصر حول حرية التعبير اظن انه كان الاحرى بك ان تستفيد منه و تطبقه قبل ان تنط على رايي اتجاه ما كتبه كاتبك المحبوب و تصفني بالمتسكع في دورية بين ازقة الدولية الى اخره. .
    نسبي او افتراضي تبقى مشاركاتي مجرد وجهات نظر اتجاه قضايا و احداث نعيشها و لا اقول عن نفسي انني على صواب و الاخرين لا . . فقط لما يتدخل اسم افتراضي مثلك باسلوب في التجريح او الالتحقير اظن انه من الطبيعي ان يتم الرد عليه بما يناسب مقامه. . فكلنا ندلي بارائنا و من الطبيعي ان تكون متضاربة . اذن لا تعطي لنفسك حقا و تحاسبني عليه لمجرد اننا نختلف.
    اعود الى كاتبك الغني عن التعريف . . لا يهمني شخصه و لكن ما يكتبه هاته الايام هو ما اثار اهتمام المتتبعين لبعض الجرائد التي ينشر فيها مقالات لا يمكن القول انها من مواطن يحب بلده.
    // و يبقى كلامي مجرد راي // يا (صاحب الفهامة)

    تاريخ نشر التعليق: 12/04/2011، على الساعة: 10:18
  2. مراكشي:

    السلام عليكم
    ووووووسسسسيييررر بيع الخضرة ولا شوف شيىء جريا اخرى احسن لييك انت مشوه فالداخل والخارج …..اعمالك كلها سلبية ومهمشة وكثرة الحقد على نجاح اصدقائك لو كانو عندك ماخصك غير 20 فبراير ….

    تاريخ نشر التعليق: 11/04/2011، على الساعة: 13:25
  3. صلاح الدين:

    الأخ ملاحظ , انا لا أدافع عن السيد احمد السنوسي فهو ربما في غنى عن دلك.و لكنني ادافع عن حرية التعبير كمبدأ انساني فطري جميع من خلق الله محتاج اليه . وأود ان تعي ان حرية التعبير هده لا تستلزم طبعا ان لا يقول الناس الا كلاما يجب حتما ان يحلو لأخ افتراضي يسمي نفسه ملاحظ…
    اتمنى ان اقرأ لك افكارا وان تتحرر من انفعالك الدي ورطك فيه الكثير من الاخوة المعلقين الدين كاد بعضهم ان “يتخصص فيك” .

    تاريخ نشر التعليق: 11/04/2011، على الساعة: 11:45
  4. ملاحظ:

    الى saad صاحب التعليق 5
    من خلال اسلوب تعليقك يتبين من الوهلة الاولى انك فضولي و قليل الادب اضافة الى انك جاهل. فضولي لانك اقتحمت الموضوع دون ان تعرف لماذا وجهت الملاحظات لكاتب المقال . . قليل الادب و ذلك يتبين مما كتبت . . اما عن جهلك فذلك واضح ما دمت لم و لن تفهم ما يرمي اليه كاتبك.
    بالنسبة لسمعة البلد اظن انه من واجبنا جميعا الدفاع عنها دون ان ننتظر من يوكلنا. . اما عن جملتك الاخيرة – ايها المعرفة – لو استوعبت ما يقصد كاتبك بحكايته المرتجلة لفهمت نواياه و لما طرحت تساؤلك . . لكن جهلك و فضولك و قلة ادبك كلها عوامل تحجب عنك فهم مجريات الامور.

    تاريخ نشر التعليق: 11/04/2011، على الساعة: 10:18
  5. mahdi:

    الى لاح الدين او الكاتب صاحب “الكريمة”
    اذا كنت رجلا رد للدولة المغربية عطاءاتها لك على شكل رخص للحافلات. قبح الله سعي المنافقين

    تاريخ نشر التعليق: 09/04/2011، على الساعة: 20:38
  6. saad:

    وما ضرك أنت يا ملاحظ أمبير ، أتعتبر نفسك مدافعاً عن سمعة البلد!!!!من أنت أيها النكرة حتى تحاسب النوايا ؟ أظنك تحقد على الرجل ، واسمح لنا فنحن لا نأكل من هذا الخبز .

    تاريخ نشر التعليق: 09/04/2011، على الساعة: 18:21
  7. ملاحظ:

    الى صلاح الدين صاحب التعقيب رقم 3
    ردك يوضح جيدا شخصيتك التي لا تختلف عن (صاحب الفهامة) . . اظنك تتذكر ما يسمى باللجان الشعبية التي تطوعت لحماية البلاد خلال ثورتي تونس و مصر و التي اخذت على عاتقها الوقوف ضد كل مخرب يسيء الى بلده . . فالدورية التي تتعرض لامثالك او امثال (صاحب الفهامة) -ان صح التعبير- في الدولية عبارة عن قراء متتبعين لمجريات الاحداث يقفون بالمرصاد ضد من ينشرون غسيلهم الوسخ في عدة جرائد للنيل من امن البلد . . خصوصا ككاتبك الذي تحركه جهات خارجية بدعوى النضال.

    تاريخ نشر التعليق: 09/04/2011، على الساعة: 9:45
  8. صلاح الدين:

    ( حارسان ) نمودجيان انتما ( صاحبي التعليق 1 و 2 ) دائما جاهزان و في حالة استنفار و مشحونان مسبقا . وفي ” دورية ” مستمرة تتسكعان بين ازقة ” الدولية ” . طوبى لكم آ الأخوان…

    تاريخ نشر التعليق: 08/04/2011، على الساعة: 18:13
  9. رد على مقال صاحب البلادة:

    نراك تحوم وسط دائرة مغلقة تبحث لك عن زاوية تنغرس فيها بعدما اوشكت على تضعييع هويتك التي ابتعدت عنها منذ سنين. حتى اعداء وطننا لم يستصيغوك و لم يهضموا خزعبلاتك البليدة. فاللعبة السياسية لها قواعد و المقال السياسي كذلك . تبحث في قصص كليلة و دمنة جاهدا لتقتبس منها مقالك المرتجل هذا و الذي لا يصلح حتى لتسلية الصغار بالاحرى ان تربطه بما يجري من احداث ساخنة في العالم العربي.
    و اسمح لي ان اغير عنوان خربشتك ب – مقال صاحب البلادة – و سيكون مناسبا جدا لما حاولت ان تهمس به من عقد تجثم على فكرك.

    تاريخ نشر التعليق: 08/04/2011، على الساعة: 16:06
  10. ملاحظ:

    و يبقى دور الحكاواتي يغلب على اسلوبك في الكتابة مستعملا ترسنة من المفردات الملغومة اذ تدور و تلف بواسطتها حتى تجد نفسك قد خرجت عن النص مراة عديدة.
    فمقالك يا صاحب الفهامة ليس سوى تسربات فكرية تحتاج الى معالجة فورية بمعايشة الواقع و ازالة العقد التي كانت سببا في هذا التيه بين الكتابة و تحلايقيت.
    بالتوفيق يا صاحب الفهامة.

    تاريخ نشر التعليق: 08/04/2011، على الساعة: 11:25

أكتب تعليقك