المعذبون على الهواء

محمد كريشان

محمد كريشان

هم تقريبا شريحة اجتماعية قائمة بذاتها أو فئة مهنية ذات خصائص شخصية مشتركة.

إنهم أولئك الذين اختاروا، خوفا أو طمعا أو كليهما، أن يكونوا صوت هذا النظام العربي أو ذاك في المحافل الإعلامية الفضائية. هم أشبه بالجوقة الجاهزة باستمرار سواء للعزف المنفرد أو الجماعي. وإذا شئنا وصفا أكثر جدية هم كتيبة احتياط تـُـــستدعى في الملمات للدفاع عن سياسة ما أو قرار.

البعض يسميها قوات التدخل الإعلامي السريع التي تهب لنجدة النظام فتشيد بحكمة القيادة ورجاحة سياساتها مقابل تسفيه الخصوم وفضح تهافت آرائهم.

مهمة هؤلاء لم تكن حتى وقت قريب أمرا معقدا كثيرا أو ذا كلفة عالية إلى أن هبت رياح التغيير من تونس فمصر واليمن والبحرين وسورية وتتحول إلى عاصفـــــة في ليبيــــا وربما غيرها.

عندما اندلعت موجة الاحتجاجات العربية لم تكن الحاجة إلى خدمات هؤلاء أحوج منها في أي وقت آخر.

لم يتوان أحد أو يتردد فالمعركة معركة حياة أو موت والمدافع عن النظام مدافع في ذات الوقت عن مصالحه وامتيازاته…هنا لا مجال للهزل. هذه الكتيبة بعضها في سلاح المشاة وبعضها الآخر في سلاح الطيران، أو إن شئنا بعضها موجه إلى الرأي العام الداخلي والآخر إلى الرأي العـــام الدولي.

المطلوب من الأول مقالة في صحيفة محلية أو ظهور في التلفزيون الوطني فيما المطلوب من الثاني أن يكون متاحا للمشاركة في حوارات مع قنوات تلفزيونية عديدة لشرح المواقف الرسمية والرد على منتقديها.

ولا يذهبن في ظن أي كان أن العنصر في هذه الكتائب الإعلامية يملك قراره في الظهور على هذه المحطة أو تلك بل هو عموما يكلف بذلك أو في أحسن الأحوال يحتاج إلى إذن خاص من دوائر معينة مرتبطة هي الأخرى بدوائر أعلى.

ولعل الكثير ممن عملوا في غرف أخبار قنوات عالمية يعرفون أن فلانا أو فلانة هو أو هي من يعطي الإذن بالظهور في هذه النشرة أو في هذا البرنامج. وكم من مرة في تونس مثلا، أيام بن علي، يرد أحد الضيوف بأن عليه أن يستشير وقد يعود إليك مكسور الخاطر ليقول بأن فلانة المعروف ارتباطها بالمسؤول البارز فلان منعته من المشاركة. وإذا كان المسكين يشعر ببعض الحرج فقد يتحجج بأن لديه ارتباطا معينا وقت النشرة أو البرنامج.

أغلب هؤلاء الآن يثيرون الشفقة أكثر مما يثيرون الحنق سواء لمن رحل أسيادهم أو ما زالوا يكابدون.

الأوائل الآن باتوا كالأيتام هائمين على وجوههم لا مقالات يكتبونها ولا عنتريات في الاستبسال في الذود عن الرئيس.

ذهب رئيسهم وذهبت معه صولاتهم وجولاتهم، ولو أن بعضهم، ممن يتلون كالحرباء، صاروا مثلا يدافعون عن الثورة في تونس ومصر وكأنهم أول من فجر شرارتيها.

أما القسم الثاني فوضعهم صعب للغاية لأنهم يتصدون لمهام يعجز حتى الوزراء وكبار المسؤولين عن القيام بها، عليهم أن يقدموا إلى الجمهور خلطة عجيبة لا يبدو هم أنفسهم مقتنعين بها.

مطلوب منهم في نفس الوقت أن يقولوا أن المظاهرات حالة صحية والمطالب الإصلاحية المرفوعة وجيهة وأن السيد الرئيس حريص على التجاوب معها.

المشكل أن هذا الرئيس نفسه هو المسؤول الأول عن إطلاق النار على جموع المتظاهرين الذين علينا أن ننتبه أن من بينهم مندسين مخربين قد يكونون على ارتباط بجهات إقليمية ودولية معروفة.

عليه أن يقول ذلك دون اجتهاد كبير أو صغير ومن أراد أن يفعل ذلك، سواء نباهة منه أو حرص على حد أدنى من المصداقية والإقناع تتم إزاحته فورا كما حصل مع رئيسة تحرير صحيفة “تشرين” السورية سميرة المسالمة.

أما في ليبيا فمثلما تعذر وجود العصي والقنابل المسيلة للدموع لتفريق المظاهرات السلمية في البداية ،تعذر كذلك العثور على من يدافع في القنوات الدولية عن سلطة القذافي.

ومثلما تم الالتجاء إلى المرتزقة في ساحات القتال تم الاستنجاد بكتاب وصحافيين غير ليبيين للحديث في هذه القنوات .. و “اللي ما يشتري يتفرج” !!

* إعلامي تونسي مقيم في الدوحة

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليق واحد

  1. ملاحظ:

    مقالك الصحفي سيد محمد كريشان صممته وفقا للمقاييس المناسبة لما يدور من احداث ساخنة في عالمنا العربي اذ استعملت وصفا مدققا يحدد المنظور العام لفئة المناهضين للثورات و الحارصين على بقاء الانظمة الحاكمة اما خوفا او طمعا الى اخر كلامك . .
    و كنت اتمنى كمتتبع لمقالاتك المتميزة ان تكون اكثر عدلا و تصوب قلمك اتجاه الجهات و القنوات التي لا يهمها من امر الثورات سوى التصفيق للجهة الغالبة و التغاضي عن اطراف و مراكز همها تعميم الفوضى او اخماد الحرائق حسب الاوامر . .
    هناك دول تعرضت انظمتها لغزو تحريضي من تلك القنوات و لانزال قوي من الاخبار و هجومات اقل ما يقال عنها تاجيجا للاسراع بالاطاحة برموزها . . بينما نجد بلدانا اخرى تم تغاضي الطرف عما كان يحصل فيها مهما ان انظمتها هي اكثر فسادا من سابقاتها . . و بطيبعة كل ذلك يتم وفقا لبرامج مسطرة من كبار الكبار .
    كما اود ان اوجه تساؤلا عابرا و نحن نسمع في الاخبار مؤخرا ان الرئيس السابق حسني مبارك و نجليه يتم التحقيق معهما بخصوص اعمال العنف و الثراء اللامشروع و استغلال النفوذ الى غير ذلك . . فقط الامر المحير هو من يحقق مع رموز النظام ؟؟ حتى وان كانوا قضاة و محققين . . اليسوا من بقايا نظام الرئيس حسني مبارك و يجب غربلة القضاء قبل الشروع في اي تحقيق ؟؟

    تاريخ نشر التعليق: 13/04/2011، على الساعة: 16:24

أكتب تعليقك