علمتنا الثورات…!

أسامة بني عيسى

أسامة بني عيسى

بعيدا عن السياسة و مكتسباتها، علمتنا ثورات البلدان العربية دروسا في شتى مناحي الحياة..

فعلى المستوى اللغوي : تعلمنا أن العربية ما تزال لغة ثورة.. إذ طغت الفصحى الرصينة على جل الخطابات والمطالبات والنداءات والشعارات على حساب اللهجات المحلية، التي زادتنا الثورات أيضا من أشعارها أبياتا. فعرفنا بشكل أفضل اللهجة التونسية العذبة النطق والمسمع، والتي لم تكن آذاننا تعهد سماعها بسبب تكميم أفواه الناطقين بها وكتم أصواتهم لعقود خلت.

ورأينا كيف تخرج من أفواه الليبيين لغة عربية ليست إلا نتاج ذات خيمة بدو الشرق العربي. وراجعنا بفعل الثورة قاموس اللهجة المصرية الجميلة و اليمنية الأصيلة.

و في الجغرافيا : استعدنا حفظ خرائط البلدان عن ظهر قلب، بعد أن كدنا ننسى أو نتناسى مدنها.. فعرفنا تونس العاصمة بساحاتها وبشوارعها وزقاقها.. وبنزرت وسوسة والقيروان والقصرين وسيدي بوزيد وقفصة وصفاقص وقابس وجرجيس.. وغيرها وغيرها من المدن. و عرّفتنا الثورة بمعالم هذا البلد العربي الجميل والعريق، حيث لم تكن تحفل خزائن أشرطة تلفزيوناتنا إلا بالنــزر اليسر من صورها، والتي غالبا ما تعود إلى أرشيف سنوات مضت بسبب رغبة النظام السابق في حجب الصورة .. قاتمة أو حتى مشرقة.

كما أعدنا رسم خارطة ليبيا في كل مرة كان ثمة كر وفر في المعارك بين الثوار وكتائب القذافي.. فمن الشرق إلى الغرب هو ذا ترتيب المدن دون الرجوع إلى الأطلس : طبرق وبنغازي واجدابيا والبريقة والعقيلة ورأس لانوف وسرت ومصراته وطرابلس و صبراته و زوارة و الزاوية  ومدن الجبل الغربي نالوت والزنتان وغريان.. ولا نغفل مدن الداخل، الكفرة وسبها وغدامس..  والحال هو الحال بالنسبة لليمن، حيث تجاوزت معرفتنا حدود مدن صنعاء وتعز وعدن وأبين ولحج و عمران وصعدا والحديدة وإب وذمار وجعار وحجة والبيضاء والمكلا وحضرموت.. وتعمقت وصولا إلى أسماء الشوارع والزقاق والساحات.. بدءا بالحرية والثورة والسبعين.. وليس انتهاءا ببقية الأسماء التي اتفق اصطلاحا على نعتها بساحات التغيير وصولا إليه.

وفي التاريخ : أعادت الثورات إلى أذهاننا حصة “التاريخ العربي” التي أنستنا الحياة وهمومها وانشغلاتها شكل صفحات كتابه في الثانوية العامة. فكانت الثورات محفزا للذاكرة على استعادة ماضي تونس منذ الاستقلال وعهد بورقيبة وحتى يومنا هذا.. ومصر منذ الانقلاب على الملكية و مخر الملك فاروق عباب بحر الاسكندرية إلى المنفى وحتى اللحظة.. واليمن منذ الثورة على الإمامة.. وليبيا منذ تنحية الملك السنوسي. و دفعتنا الثورات إلى البحث عبر الانترنت أو شراء كتب نستذكر من خلالها تاريخ باقي البلدان العربية.

أما درس الاقتصاد : فقد علمتنا الثورات أن بلدانها من أثرى بقاع الدنيا.. فرغم سرقتها ونهبها ومحاولات حرقها من قبل بعض من تربعوا على عروشها، إلا أنها ما تزال صامدة. وما تردد من أنباء عن رؤوس أموال طائلة سُرقت أو هُجّرت من قبل الأنظمة و أزلامها، تزيد في كثير من الأحيان عشرات عشرات الأضعاف عن ميزانيات الدول، يدلل على أن بلادنا ما تزال بخير ولا تهتز بفعل العواصف والأزمات المالية والاقتصادية.

ليس هذا إلا غيضا من فيض دروس الثورات.. التي رسخت مجددا في أذهاننا أن شعوبنا العربية ما تزال حية، وليس كما وُسمت من قبل الغرب، أو حتى من قبل بعض أبنائها، بالجبن والذل والخذلان. وعلمتنا أن رحم هذه البلاد ما يزال كرحم الكواعب، غضا وخصبا بإمكانه إنتاج الرجال.

وعلمتنا أن شباب أمتنا من الوعي والكياسة والفطنة واللباقة بمكان يتجاوز حدود ما عُهد عنه.. بحيث رُفع الستار عن شباب تونس الذي أبى إلا أن يعلم أقرانه العرب درسا في الفكر الثوري المسالم.. وعن شباب ليبيا الغيور على تراب بلده وشرفه وعروبته، وعن شباب مصر الملتزم والمنظم بطريقة مُسحت بفعلها صورة نمطية أريد لها حينا أن تسمه بالغوغائية والفلتان بكل صوره.. وعن شباب يمني مسالم لا مسلح أهوج كما كان يشاع عنه.. وعن شباب سوري مقدام نجح في كسر حاجز صمت سمكه خمسون عاما.

وعلمتنا الثورات أنه وبفضل هذا الشباب فإن حلم الوحدة العربية ليس مستحيلا، حتى وإن بقي للآن على الأقل رهن الفضاءات الإفتراضية التي حفلت بدعوات كثيرة في هذا الصدد. وعلمتنا أن المشكلة لم تكن فينا بل في عدد من القادة.. زرعوا الخوف في قلوبنا.. فأصابنا الهلع.. فتسيدوا حالنا وصولا إلى ما نحن عليه من هوان. وعلمتنا أن قصورهم ومقراتهم لم تكن سوى بيوت عناكب واهنة. وعلمتنا أن عمانا لم يكن إلا غشاوة سرعان ما انفضّت بفعل شمس يوم جديد.

*  إعلامي أردني

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليقات 8

  1. ملاحظ:

    من خلال التعليق رقم 7 للاخ صقر تونس نقتبس درسا اخر عن الثورة و احيي فيه صراحته و هو يوضح لنا الجانب السلبي من التغيير الذي حصل في بلده . . شخصيا اوافقه في وصفه حالة الفوضى و الارتباك في اتخاد المسؤولين القرارت الصائبة امام الكم الهائل من مطالب المواطنين الذين يريدون ان تحقق لهم فورا . .
    مفهوم الثورة يحتاج الى اكثر من وقفة و ليس كل انقلاب عن النظام ثورة . .
    ومن مخلفات الثورات بالنسبة للدول التي لحقها لهيبها من بعيد نجد زوال بعض الثقة بين الشعوب و حكوماتها و انتشار شبه ارتباك في ضبط الانفلاتات اضافة الى ان البعض استغلوا الفرصة لنشر التسيب و الفوضى في البلد. و الخطير هو الترامي على مساحات ارضية من مواطنين و تحويلها الى اسواق بدائية تباع فيها الخضر و الاسماك الامر الذي شوه كل المعالم العصرية للمدن . .
    امثلة كثيرة تعطينا دروسا و عبرا نستوعبها مع مرور كل يوم و بطبيعة الحال انها دروس الثورات.

    تاريخ نشر التعليق: 23/04/2011، على الساعة: 12:33
  2. صقر تونس:

    بارك الله فيك هدا ما يحدث الان في تونس فالثوار اصبحو يطالبون بالجنة والكل يفهم في السياسة ويتحدث عن الدستور والبرلمان الخ ويريدون التغيير بين ليلة وضحاها اما السياسيين لم يعودو قادرين على فعل شيء حتى الان وان تواصلت الامور على هدا النحو فسنعود الى اكثر من الخلف

    تاريخ نشر التعليق: 21/04/2011، على الساعة: 16:30
  3. علي الدلاتي:

    تحليل موفق ورؤية ثاقبة بارك الله بالكاتب

    تاريخ نشر التعليق: 21/04/2011، على الساعة: 16:29
  4. أردني:

    موفق ياأخي وفقك الله لكل خير، اللهم إحمي ثوراتنا وأهلنا في كل الوطن العربي الكبير ووحدهم وإحمع شملهم يارب ، إنك على كل شيئ قدير. امين

    تاريخ نشر التعليق: 21/04/2011، على الساعة: 16:28
  5. فهد القاسمي:

    جيل الشباب الحالي قام وغير وسيغير بشكل سلمي رغم رفض الحكام وجعلها دموية. ولكن أرى واستشعر بأن الشباب سيميلون للعنف بل العنف الشديد في المستقبل وذلك إن لم يفهم الحكام التغيير السلمي ويصلحوا أو يتنحوا لغيرهم لإكمال المسيرة أو إصلاح النظام والحياة.

    تاريخ نشر التعليق: 21/04/2011، على الساعة: 16:27
  6. ابتهال:

    نعم للثورات الشعبية.. ولا للتفاف حولها، لكن ينبغي أولا أن تكون هناك ثقافة ثورية تنير الطريق وهو ما يتحقق وسيتم تحقق في عالمنا العربي قريبا بعون الله حتى نلحق بالركب، وقد يأتي يوم قريب ننظر لأبنائنا يقودوا العالم. شكرا لك أخي أسامة

    تاريخ نشر التعليق: 21/04/2011، على الساعة: 16:26
  7. عصام:

    زاد الله من امثلك ايها الرائع ففكرك رائع واسلوبك اكثر روعة وتحليلك اكثر منهما سلاسة، أخي الثورة ليست الا وليدة ظلم وجور واستكانة دائما ما يطول أجلها فالانظمة ممسكة بتلابيب المسائل والانسان لايملك وحدو اليات الفكاك الي أن يصل الامر حدا لا يمكن الصبر عليه أكثر، لذا تصنيف الثورات الي كاملة وانصاف غير موفق وحتي وان كانت نتائجها محبطة بعد ان يلتف عليها الملتفون ، فالثورة هي التغير الذي كسر القيد والخوف واصبح نموذجا لمن حوله فيكون لهم دافعا ما كان ليكون في غير هذا النهج

    تاريخ نشر التعليق: 21/04/2011، على الساعة: 16:24
  8. ملاحظ:

    بالفعل ان دروس الثورات غنية في كل الميادين بدءا بالسياسية مرورا بالاجتماعية فالاقتصادية الى غير ذلك . . فكل تغيير يعتبر بمرحلة العلاج الذي يحتاج الى ادوية فعالة و فترة نقاهة يتوقف عليها الشفاء التام او الانتكاسة. حقيقة اننا كنا نجهل عن اشقائنا في هذا البلد او ذاك الكثير باستثناء ما تجود به علينا قنواتنا التلفزية من معلومات هزيلة حسب العلاقات التي تربط حكوماتنا . . بل كانت هناء شعوبا مظلومة اذ يتهمها العالم العربي بالجهل و الجبن و الخضوع و ذلك بسبب استبداد انظمتها و تطويق الحصار على البلد . فعلى سبيل المثال كان العديد من الاشقاء يتهمون اخواننا الليبيين على انهم عديمي الفائدة لا يحركون ساكنا و لا يستطيعون حتى تغيير انفسهم . . و بالطبع ان السبب كان في ديكتاتورية القذافي و ابنائه معتمدا على حصانته ببترول البلد. لكن مع وصول الثورة الى ليبيا و الانزال الاعلامي المتعدد عرفنا ان الشعب الليبي اعرق و اوعى و اشجع بكثير مما يمكن تخيله. . نفس الشيء بالنسبة للاشقاء اليمنيين . . بينما في سوريا كان اغلبنا يظن ان الاخوة السوريين في غنى عن اية انتفاضة ضد رئيسهم و النظام بشكل عام و ذلك بسبب ما كنا نراه من افلام و مسلسلات سورية تجمع بين العزة و الوطنية . . لكن و نحن نتتبع الاحداث عبر القنوات الاخبارية صدمنا مشهد رجل امن يرقص فوق اجساد شباب عزل بعدما تم تقييدهم بالاصفاد . . // لا حول و لا قوة الا بالله // و ما زالت الدروس تتوالى يوما بعد يوم و كل مرة نجد انفسنا ان ما تعلمناه عبر السنين من كلمات و شعارات عن الوطنية يجب مراجعتها و انتظار تصحيح الثورات لكل المفاهيم.
    يبقى الاهم و كما سبق ذكره هو فترة النقاهة.

    تاريخ نشر التعليق: 20/04/2011، على الساعة: 10:19

أكتب تعليقك