مكالمة اخترقت الأثير والزمن

أسيل سامي

أسيل سامي

جاءني صوتك من قارة أخرى بعيدا لا ملامح له ، لكنه نفذ إلى نقطة معينة في ذاكرتي فكان كفيلا بأن يزيح أي قلق أو خوف أو ارتباك يمكن أن يتملكني . استطاع أن يوقف ذاك الارتعاش الذي دب في أوصالي ، بل حوله لهفة محفوفة بخطر الانزلاق نحو مغامرة غير محسوبة النتائج ..

أزاح رنين حبالك الصوتية التراب عن ذاكرة كادت تنسى وطنا غادرته من زمن بعيد ، وها هي موسيقى نبرتك تبرهن أنه وطن يأبى أن يمحى من الذاكرة .

كيف تجرأت على إطالة الحديث والاسترسال مع رجل “غريب” ضمن التصنيفات المجتمعية ، “قريب” ضمن تصنيفات حب الوطن ؟ كلانا غادر إلى المجهول وها نحن نلتقي عبر الأثير في مكالمة هاتفية ستصبح فيما بعد ذكرى نحتفل فيها..

قلت لي: “صوتك ليس غريبا علي ، هل أنت قريبة لي نسيتها بمرور الزمن؟ ”  قلت لك: “صوتك ليس غريبا علي وكأنني أعرفك منذ زمن بعيد، هل سبق والتقينا هناك في الوطن”؟  لعلها تلك المفردات التي تميز لهجتنا الفريدة ، أو ربما هي الأحداث والمفارقات المضحكة المؤلمة التي أفرزها الوطن العجيب الذي نحن إليه ونخصه بالولاء رغم مرارة التجربة التي عشناها فيه …

مكالمة هاتفية أولى كانت كافية لاستعادة كل تلك الذكريات الجميلة والأليمة والمحبطة والمضحكة..عبر ذبذبات جهاز مستطيل صغير استرجعنا أيام الطفولة:  الحديقة المنزلية الجميلة التي ميزت بيوت بغداد ، داست أقدامنا الطرية حشائشها وحلقت أرجوحة براءتنا فوق اتساع خضارها ذهابا وإيابا، ذهابا وإيابا، ذهابا و……

رحنا نتبارز في تعداد أنواع الأزهار التي زخرت بها حديقتا منزلينا أو أنواع التمر وكمياته الوفيرة التي كنا نجود بها على جيراننا والأقارب …النارنج وعصره وتخزينه في مكعبات ثلجية لاستخدامه لاحقا في الطبخ أو شربه عصيرا منعشا ..

أتذكر ؟ أتذكرين؟ : الكليجة” و “الشكرلمة” و “الدولمة” والأكلات الأخرى واقترانها بالأعياد والمناسبات…  ثم نبشنا في ذاكرة المراهقة وأيام المتوسطة و البكالوريا والدراسة والسهر والجهد المضاعف المبذول للحصول على المعدل الذي يؤهلنا لدخول جامعة أحلامنا

عرجنا على أيام الجامعة ، حلوها ومرها ،شباب طامحون من كل الأطياف. حينها لم يكن هناك فرق بين دين وآخر ، طائفة وأخرى، لم يكن هناك فرق بين فقير وغني ، كنا نبدو جميعا “حلوين” ، ونحن نرتدي زيا واحدا تستوي معه كل الاختلافات وننتمي لوطن واحد تنتهي إليه كل الولاءات  ..

حشرجة تسللت إلى حنجرتينا وقد بدأت الصور الجميلة تتداعى من ألبوم الذكريات الذي تصفحناه معا عبر ذبذبات الحنين . وانتحب قلبانا بصمت وقد توقفنا عند صفارات الإنذار وصواريخ الحرب وفقدان الأحبة والأحلام التي هدرت على سفح وطن مجهول المستقبل

ذاكرة مشتركة طبعت في عقلينا كما طبعت الصور التي تبادلنا لاحقا مشاهدتها  وتعجبنا لشدة تشابه الزوايا والملامح والأزياء والمناسبات التي التقطت فيها.

لعلها واءمت روحينا ورممت بعض كسورنا ، تلك التجارب المتشابهة التي خبرناها وعايشناها ونحن من جيل واحد عاصر حروبا وقلاقل كثيرة ، وسلما وأمنا قليلا فولينا نبكي على ذات المشاهد ونضحك على نفس النكت وندندن نفس الأغنيات التي توقف عندها الزمن بمجرد أن حزمنا  حقائب الرحيل..

* إعلامية عراقية مقيمة في الدوحة

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليقات 9

  1. بهلخ:

    لا ذكريات جميله ولا بطيخ ايام انقضت بمراره وجت ايام اصعب الابام الجميله كانت الكم يا اولاد الحارثيه والمنصور بس اه كنا نلبس القميص الابيض والبنطال الرصاصي صحيح لكن نرمي القميص عندما يتمزق لكنكم يا اهل المنصور والحارثيه جنتو تلبسون احلا الملابس وتركبون احلا السياره التي نراها فقط في باب الجامعه المستنصريه ايام سوداء في ذاكرتي والان انتم في احلا المناصب واحلا البلدان وحنه لحد الان ماكو تعيين الفكر فكر هو فوك الجمل وعضه البعير هيه كوه خو ما كوه الف عافيه عليكم العبو بيهه

    تاريخ نشر التعليق: 16/06/2011، على الساعة: 17:48
  2. ممدوح مقلد:

    اسلوب غنى عذب

    تاريخ نشر التعليق: 16/06/2011، على الساعة: 6:34
  3. bassam al najmawy:

    اقول هل باتت العودة مستحيلة واقعاً…
    ام باتت الحيرة تكبل اقدامنا وتمنعنا من السير بطريق الوطن .
    لماذا اصبح الوطن ماضي جميل وحسب .
    لماذا باتت الروح تختبي بذكرى الصبا , تلك الحقبة المسروقة منا ….
    ويضيق بنا البراح في الغربة ,,, فيما تتسع في صدورنا ساحات وطن الطفولة والصبا برغم عجزنا عن الأقدام لحتضانه … ولو لمرة قبل الرحيـــــل

    تاريخ نشر التعليق: 14/06/2011، على الساعة: 22:44
  4. حافظ خليل الهيتي:

    ياسيدتي مقالك هذا اوشى بكاتبته انها تمتلك القدرة على السرد , فموضوعك هذا حمل الينا الكثير .. وجمع بين نكهات عدة , ذاكرة مكان , ذكريات صحبة الطفولة , المتراكم المخزون الذي اثاره المشروط وهو الصوت الذي قادنا الى حديقة المنزل وارجوحة الصبا واحلام المراهقة , وجد الطموحين .. لذا اؤكد قدرتك سيدتي لولوج عالم القص والسرد بكل ثقة . دمت سيدتي بعز وسعادة وتألق .

    تاريخ نشر التعليق: 10/06/2011، على الساعة: 8:24
  5. زيد سالم:

    هلو اسولة مشتاق جدا تذكريني للو لا اني المخرج زيد سالم كنت وياج في ال اف ام وبرنامج friday mornig show

    تاريخ نشر التعليق: 08/06/2011، على الساعة: 6:44
  6. حميد العبيدي:

    لله درك سيدتي فأن اشراقات ابداعك هلت علينا .ويكفينا فخرا انك بنت العراق.اطلالتك وجمالك واصالتك يزيدنا املا بعودة الحديقه المنزليه الجميله المليئه بانواع الازهار وان شاء الله سيعود(البرحي والخستاوي )بكمياته الوفيره لنجود به على بيت ام علي و…بيت ام عمر وبيت كوركيس وبيت كاكه حمه.(اقول انا العراق وكل ارض بها روح تقول انا العراق اذا قال العراق فصدقوه فأن القول ماقال العراق ….تقبلي تحياتي سيدتي

    تاريخ نشر التعليق: 07/06/2011، على الساعة: 20:55
  7. سلوى حارث:

    الصديقة الغالية اسيل
    لفد حرك مقالك هذا في مشااعر كثيرة ومتناقضة بحكم علاقة الصداقة القوية اللتي تربطنا ببعضنا رغم بعد المسافات هذه النوعية من المشاعر التي تبداء بضحكة طفولية فيها براءة ايام طفولة ومراهقة انقضت وتنتهي بشجن يللف زوايا الذاكرة ويخرج منها بحسرة وشهقة اه لاتريد ان تنتهي . . .

    تاريخ نشر التعليق: 06/06/2011، على الساعة: 15:09
  8. qutyba al-ani:

    بارك الله فيك وما اجمل الذكريات الجميله والتي مضى عليها ايام او اسابيع او سنوات وما اصعب ذكريات الالم والحزن ……… قلمك جميل والله يوفقك وتقبلي تحياتي

    تاريخ نشر التعليق: 06/06/2011، على الساعة: 13:12
  9. بشار عبد المنعم جميل:

    يمر الانسان بلحظات جميلة يجول بها في خاطره من ذكريات جميلة وناس كان لهم في يوم من الايام تاثير مباشر علينا ولكن سرعان مانتبه لها فاذا هي سراب يذهب مع اول مشكلة تصادفنا في حياتنا العملية

    تاريخ نشر التعليق: 05/06/2011، على الساعة: 18:02

أكتب تعليقك