لماذا لا أريد أن أتزوج ؟

يسري فودة

يسري فودة

لأن الزبون دائماً على حق، أعتذر للسيدات والسادة من القراء، أنا لست ضد فكرة الزواج كما شرعها الله، عز وجل، وارتضاها المجتمع، ولست بكل تأكيد ممن يحرّمون ما أحلّ الله وما ألفت النفس البشرية، لكننى فى الوقت نفسه من أشد المؤمنين بأن الزواج نقطة على طريق ووسيلة إلى هدف، وأن الأمور تبدأ فى الاعوجاج حين يصبح الزواج غاية تُقصد لحد ذاتها.

ورغم بداهة الفكرة وبساطتها، فإننى لست متأكداً من استقرارها فى عقول كثيرين ممن أعرفهم أو لا أعرفهم فى مصر، لأسباب تتعلق بهم شخصياً أحياناً ولأسباب أكثر تتعلق بالعقل الجمعى للمجتمع بشكل عام.

أحد الأمثلة على هذا هو ذلك المشهد النمطى لطالب وطالبة فى السنة النهائية يجلسان فى أحد أركان الحرم الجامعى حين تقول له إذ فجأةً: «طب وآخرة الحب ده إيه يا حبيبى؟» … (آااخرة)… (آخرة الحب)… يا ساتر يا رب.

إذا سافرت إلى بلد ولم يكن لديك وقت كثير للتعرف على أزراره فإننى أنصحك بالتدقيق فى إعلاناته، فى الصحف، فى التليفزيون، فى الشوارع. صاحب الإعلان يريد حقاً أن يبيع وأمام هذه الحقيقة يتوارى الرياء ويختفى النفاق وتسقط الأقنعة ويظهر نسيج المجتمع واضحاً فى تركيز المعلن على غريزة بعينها من بين قائمة طويلة من الغرائز البشرية، التى يتفاوت ترتيب أهميتها من مجتمع إلى آخر.

ولا عجب أن من أشهر الغرائز التى يستهدفها المعلنون فى مصر والعالم العربى غريزة الجنس (لأسباب يسهل فهمها) وغريزة «الفشخرة» (لأسباب يصعب فهمها).

أما إذا كان لديك متسع من الوقت وأردت فهم ثقافة مجتمع ما، فإن ناقدنا الكبير «على الراعى» ينصحك بدراسة المرأة، وهو يبنى ذلك على حقيقة أن المرأة أكثر حساسية وأكثر استعداداً للتأثر بالعوامل الخارجية من الرجل.

ولأنها تتمتع بقدرة أكبر على الامتصاص، فإنها تشكل وعاءً متنقلاً يمكن للمتأمل فى منحنياته وفى محتوياته أن يفصح لنا عن طبيعة النخاع الشوكى للمجتمع بشكل عام. والمرأة بهذا المعنى ضحية – إن جاز لنا استخدام هذه الكلمة فى هذا السياق – تحمل على كتفيها ذنوب الرجل وحسناته فى الوقت نفسه، مثلما تحمل آماله وإحباطاته.. لكنها إذ هى كذلك، لا تحمل شهادة إعفاء من المسؤولية.

زواجك إذن بامرأة من أى مجتمع، هو زواج بمجتمع كامل بكل حسناته وبكل سيئاته. وما يزيد الأمر تعقيداً فى حالة المرأة المصرية أنها نتاج مجتمع يكاد يكره نفسه، ويكاد يصل فى كراهية النفس إلى حد يصعب على التحليل وعلى الفهم. هو مجتمعنا فى مصر الذى حين يريد أن يستهزئ بقلة الذوق فى شخص ما أو فى شىء ما، فإنه – من بين كل الكلمات – يصفه بكلمة «بلدى» … (بلدى)… وحين يريد أن يوغل فى الاستهزاء يستخدم كلمة «بيئة»… (بيئة). فيما تعتز كل الشعوب بما هو أصيل لديها وما هو من طرح تربتها، نحتقر نحن أنفسنا ونخجل من بلدنا وبيئتنا.

وهو مجتمعنا الذى حرم نفسه بيديه من خيره عبر العصور، وقدّمه على طبق من فضة للخواجات وأنصاف الخواجات. مصر، على سبيل المثال، هى البلد الوحيد فى العالم الذى حين تعود إلى مطاره لا تجد طابوراً يرحب بأبناء الوطن ويميزهم عن ضيوف الوطن،

ومصر هى البلد الوحيد فى العالم الذى يفتخر بكل بلاهة بكلمة «مستورد»، ومصر هى البلد الوحيد فى العالم الذى يعتبر بياض البشرة معادلاً موضوعياً للجمال، بغض النظر عن أى شىء آخر، ومهما غنّى عبدالحليم حافظ: «أسمر يا اسمرانى» أو غنت وردة: «العيون السود»، فى بلدنا لا يستطيع الوعى الجمعى فى النهاية مقاومة «التفشخر» بأن البنت جدتها تركية أو أنها ولدت فى لندن. من أين أتت كل هذه الكراهية للذات؟!

استقيموا يرحمكم الله.

* كاتب صحافي و إعلامي مصري

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليق 259

  1. hebatt-allah abdelkader:

    هذا هو بالتحديد فكرى ومنهجى الغير مقبول فى هذا المجتمع المصرى الذى ااسف على انة لازال  ليومنا هذا لم ينل حظة من التحضر والتفهم لرفض فتاة-اكثر تعقيدا من رفض فتى- للزواج ويفسرونة على اساس انها عانس او معيوبة انا ارفض الزواج  لانى شخصيا ولست افرض رايى اراة عقبة لى فى تحقيق احلامى ولانى ارى ان الرجل المصرى وبكل احترام مهما تحضر لازال يتمسك ببعض الافكار التى لن اشبهها بمعناها الاصلى حتى لا اثير الحفيظة ولكن ساشبهها بتقليدية متقولبة لا تقبل المرونة او التغيير ولهذة الاسباب وبكل بساطة وانا فتاة  اتوافق مع سيادتك ولا اريد ان اتزوج

    تاريخ نشر التعليق: 15/06/2011، على الساعة: 2:35
  2. إسلام ماهر:

    مع احترامي ليك يا أستاذ يسري ومع اتفاقي مع كثير مما طرحت.
    لكن المشكلة ببساطة في الغريزة الجنسية التي تسعى البشرية جميعها إلى الاستمتاع بلحظاتها، فالمجتمع الغربي يقضي هذه الغريزة دون زواج، وبالتالي الزواج عنده ليس غاية يسعى إليها.

    أما المجتمعات العربية الإسلامية منها والمسيحية، فترى أن الزواج هو المكلل لهذا الحب والمستوعب لتلك الغريزة، وبالتالي من الطبيعي أن تقول تلك الفتاة: وآخرة الحب ده إيه؟

    الإنسان حر في زواجه أو من عدم زواجه، لكن حقيقي أنا مش فاهم لغاية دلوقتي لماذا لم تتزوج ؟ :)) (حسب عنوان المقال)

    تاريخ نشر التعليق: 15/06/2011، على الساعة: 1:58
  3. سهام كمال:

    الإعلامى المتميز أ.يسرى فودة رغم إقتناعى الشديد بل إيمانى ببعض النقاط التى أثرتها فى مقالك إلا أن الشئ الوحيد المؤكد لدى أنك عندما تحب حبا حقيقيا ستنسى كل هذه الفلسفة وتندفع بكيانك كله إليها طالبا القرب والزواج والإنصهار .. وأتمنى أن تكون مصرية لتعرف بنفسك كم هى رائعة .. المرأة المصرية بل ومبهرة

    تاريخ نشر التعليق: 15/06/2011، على الساعة: 1:33
  4. omar saraya:

    Yousry Foda is one of the very little people on T.V. that i COMPLETELY trust, and his show on T.V. is a must see..but on this words above i dont agree whatsoever w/him..and i see his perspective a very complexed one..if he truely sees woman as ALLAH described them in quraan , as he claims , his words shouldnt be the way they are above..besides the fact that even if he means what’s above( which is kin’o’hard to believe n’ comprehend) but hyperthetically assume so,in this case it should be said,understood n’ comprehended on his part , after’ve been through it..walla eih ?
    still like yousry n’ still my fav.on T.V. shows.

    تاريخ نشر التعليق: 15/06/2011، على الساعة: 0:30
  5. وليد:

    اسف اقصد هاجر الشعراوي

    تاريخ نشر التعليق: 15/06/2011، على الساعة: 0:20
  6. وليد:

    الاستاذة هدي الشعراوي
    كاتب المقال لم يقصد ان لا يحسن المرء اختيار زوجته بل العكس …. هو كان بيقصد اشمعني دونا عن كل الكلمات لم يختر الوجدان المصري سوي كلمة “بلدي” لوصف كل ما هو دون المستوي مع ان المفترض ان يكون اي شي مصري (بلدي يعني) يكون موضع افتخار لا احتقار و يتسآل هل هو احتقار للذات؟

    تاريخ نشر التعليق: 15/06/2011، على الساعة: 0:18
  7. Maged Mowafy:

    لا أجد ما أصف به إعجابي بمثل هذه العقلية .. وجهه النظر نفسها وجدت طريقا ً سهلا ً للفهم عندي على الرغم من كوني أطلع عليها لأول مرة .. دليلي فى هذا أنني أستشعرت بقوة هذه الجملة على سبيل المثال ( وأن الأمور تبدأ فى الاعوجاج حين يصبح الزواج غاية تُقصد لحد ذاتها. ) ..مع كوني أفهمها وأؤمن بها جدا ً إلا أنني لم أستخدمها بهذه البلاغة القوية ولم يخطر ببالي ترجمة ما أقتنع به اصلا ً ربما لقلة حيلتى .. وربما لأني أوفر عناء مشقة التبرير لمن لا يملك أصلا حق النقد ولا يملك حتى رحابة الفهم …
    ما زلنا ننظر للزواج على أنه نهاية المطاف .. على الرغم من مقولتنا الشهيرة إن ( الجواز قسمة ونصيب ) لكن إذا تاهت القسمة وضاع النصيب فإننا نسخط ونغضب .. ولا أدرى سبب الإنزعاج الذى يتسلل مخيفا ً قاتما فى قلوب الأهل , وسبب الريبة والنظرات الغريبة حول الشخص المفرد فى هذا المجتمع …
    فى النهاية أقول لا تصدق كل من يسعى بكل إهتمام زائف للبحث لك عن شريك أو شريكة فعن ملاحظة وتجربة وواقع لن يلبث أن يتلاشى كل هذا فور تخلصة منك , وكأن الدنيا خلت من المشاكل إلا سيادة المحترم الأعزب .

    تاريخ نشر التعليق: 14/06/2011، على الساعة: 21:56
  8. هاجر الشعراوى:

    عندما تقبل على الزواج فالتعلم أن زوجتك محسوبة عليك واحدة ست يعنى لما تكون عفوا “بلدى”الى مش عجباك فمتزعلش لما تسمعها فى مرة بتشرشح لجارتها فى مكان راقى انت عيشتها فيه و لما تلاقى أبوها بيتكلم مع ولدك بألفاظ بذيئة فلا تغضب و قل أصل أنا مش باحب الفشخرة … عذرا لك أيها الصحفى مع احترامى لك هذه ليست فشخرة و لكن حسن اختيار فالمجتمع كما قلت يتزوج مجتمع اّخر و لا يجوز الا أن يكون فى مثل مستواه الإجتماعى و العائلة تتزوج من عائلة و الا فان العرق دساس كما قال الرسول صلى الله عليه و سلم و عندماسئل كيف أختار قال اظفر بذات الدين تربت يداك

    تاريخ نشر التعليق: 14/06/2011، على الساعة: 21:14
  9. amr shalaby:

    انت برنس

    تاريخ نشر التعليق: 14/06/2011، على الساعة: 19:34
  10. dr mercy:

    جمييييييييييييل جدااااااااا

    تاريخ نشر التعليق: 14/06/2011، على الساعة: 18:20

أكتب تعليقك