هَوسُ القذافي وخطابُ الاستعمار المزدوج

أحمد السنوسي

أحمد السنوسي

حين كان العقيد معمر القذافي في زمن مضى يملك بعض الوشائج مع عروبة الصمود والتصدي (للشعوب بطبيعة الحال)، وهو ما تبين اليوم بشكل واضح وفاضح، قبل أن ينبذ هذه العروبة كجلد قديم، شوشت عليه الآلة الدعائية الإسرائيلية. وقد مرت مياه كثيرة في “النهر الصناعي العظيم” ولم يعد القذافي في حاجة إلى أحد، من أجل نشر الغث والسمين من أخباره، التي تتسابق صحف العالم على الترويج لها، ليس في صدارة صفحاتها السياسية، بل ضمن المساحات المخصصة للطرائف والنوادر المفروض فيها أن تسلي القارئ بعد استهلاكه لزخم أخبار أكثر جدية ورصانة.

وهو نفس المصير الذي كان يلحق بأقوال وأفعال عتاة افريقيا، من قبيل جان بيديل بوكاسا، الذي نصب نفسه امبراطورا على جمهورية افريقيا الوسطى المكلومة والجائعة إلى الخبز والحرية، وكذا عيدي أمين دادا، الذي حول أوغندا إلى حلبة للملاكمة يمارس فيها رياضته المفضلة إلى أن سقط بالضربة القاضية فحملوه إلى المنفى السعودي، كما أصبح مصير الديكتاتور بن علي، إيذانا بقرب حلول ‘عهد الهاربين’ من الدكتاتوريين والدمويين من الحكام.

وقد كان أولئك الحكام من رواد الحلم “البونابارتي” (نسبة إلى الإمبراطور نابوليون بونابرت)، وهو نفس الهوس الذي أوحى للعقيد القذافي بأن ينصب نفسه “ملكا لملوك افريقيا”، بعد أن اشترى بمال الشعب الليبي ولاء بعض القبائل الافريقية، كما اشترى في الماضي قبول أحد رؤساء افريقيا بالتحول إلى الإسلام، ولكن هذا الزعيم قبل المبدأ والمال، ورفض الختان، ثم سرعان ما عاد مهرولا إلى ديانته الأصلية.

كنت دائما أقول إن أكبر منافس للفنانين الساخرين هو هذا الصنف من الحكام المستبدين، لكنهم عكس مبدعي السخرية، لا يقصدون إسعاد الجماهير وإضحاكها، بل يمعنون في إبكائها بدموع الدم والحسرة والشقاء، وما يحدث في سورية واليمن، والدور آت على الشعوب الأخرى، أكبر دليل على ذلك، فيما يضحك خصوم الشعوب منها ويصلون عليها صلاة الغائب، كما فعل الرئيس الفرنسي ساركوزي في خطبة نادرة وغير مسبوقة ألقاها في جامعة دكار، أعلن فيها يأسه من قدرة الأفارقة على مواكبة العصر وقيمه، وهو نفس الخطاب الذي تبناه المستعمرون في بداية القرن العشرين، حين أكدوا أن احتلالهم القارة السمراء بمثابة الوصفة السحرية لشعوب أدمنت التخلف.

وهو نفس الخطاب، أيضا، الذي تبناه الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك، حين أعلن على الملأ أن الديمقراطية لا تصلح لشعوب افريقيا والشعوب العربية، وهو ما يعني ضمنيا أن هذا الابن الروحي للجنرال شارل ديغول يؤمن بأن شعوبنا تستحق الحكام المعتوهين الذين يدبرون شؤونهم ويعيثون فسادا واستبدادا في الأرض والبشر، مادام أنه ليس في الإمكان أبدع مما هو كائن.

وحينما اجتمعت قمة الثماني بمدينة دوفيل الفرنسية المخصصة لـ”الربيع العربي”، حاول رؤساؤها النأي عن ذلك المنطق الكولونيالي، على مستوى النوايا على الأقل، فأكدوا أن الشعوب لا تستحق أن تحكم من قبل مستبدين تطاولوا على الشرعية وفقدوا ما تبقى منها (إن كانت هناك شرعية أصلا)، انطلاقا من أن المسؤول الذي يأمر بإطلاق النار على شعبه يفقد شرعيته، حسب تعبير رئيس الديبلوماسية الفرنسية ألان جوبيه، بل إن بعض حلفاء العقيد القذافي وقعوا على بيان دوفيل الختامي، الذي يقول صراحة: “القذافي فقد شرعيته، وبالتالي عليه أن يرحل”، حيث قالت الخارجية الروسية إنه “لا مكان للقذافي في ليبيا حرة وديمقراطية، لذا عليه أن يرحل”.

هكذا سيكون مصير الحكام الذين نصبوا شعوبهم أعداء لهم ووثقوا في الاستعمار.

ولعل من مكرمات الربيع العربي أن صحح المنطق التحكمي المعادي للشعوب المقهورة، وحل محله اعتراف علني بحقها في الحياة والكرامة والحرية والحكامة والديمقراطية، وسارع رؤساء مجموعة الثماني إلى التعهد بضخ الأموال دعما للدول العربية التي تختار الديمقراطية ومساندة لـتطلعات الربيع العربي، مع الإشادة بالدور الذي لعبه الشباب والنساء في هذه الحركات التغييرية التي تكرس القيم المشتركة، كالحرية والديمقراطية.

لن نكتفي بتسجيل النوايا مادامت دول الغرب قد عودتنا على الخطاب المزدوج، والتضحية بالشعوب خدمة لمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.

لكن واقع الحال يقول إن الخطاب الغربي تحت ضغط الشارع والربيع العربي دخل في مرحلة إعادة الانتشار، والاحتكام إلى منطق جديد يفيد بأن مناصرة قضايا الشعوب العادلة حل لا مفر منه ولا محيد عنه، بعد أن أصبح فساد الحاكمين الظالمين لا يطيقه الحلفاء و الأصدقاء والخصوم على حد سواء.

* كاتب و فنان ساخر مغربي

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليقات 5

  1. بشير:

    ” الشاف ملاحظ” يسعدني ان يكون لدينا ” بلاطجة ” من مستواك نباهي بهم الامم . فلا تبالي ادن وسر ” الى الامام ” على بركة …. المخزن = le magasin

    تاريخ نشر التعليق: 05/07/2011، على الساعة: 17:57
  2. ملاحظ:

    اهلا ب – عابر سبيل –
    ارى انك ما ان يظهر مقال تافه لكاتبك المهرج حتى تلتصق به كظله منتظرا من سينتقد خربشاته لتنقض عليه مكشرا عن انيابك . . اكيد انك و اياه تنتميان الى حركة شواذ المزعومة التي افتضح امرها . .
    بالنسبة للجوئك الى كلمة المخابرات و الزرواطة و السربيس اقول لك انك عبارات -عطات ريحتها- و اكل عليها الدهر و شرب . . شوف ليك شي لغة جديدة تتماشى مع فضائحكم .

    تاريخ نشر التعليق: 15/06/2011، على الساعة: 17:08
  3. عابر سبيل:

    تحية إلى “ملاحظ” الضابط في سلك أجهزة المخابرات المغربية و الحامل لزرواطة افتراضية في هذا الموقع
    الله يخرج سربيسك على خير
    ياك ما نجيب ليك شي كاس ديال أتاي باش دوز العسة مزيان ؟

    تاريخ نشر التعليق: 15/06/2011، على الساعة: 12:45
  4. ملاحظ:

    الغرب ايها الكاتب المهرج كما يقول المثل – يكوي و يبخ – و ذلك ليس حبا لا في شعوبنا و لا حكامنا. تحليلك عما يحصل يفتقر الى فهم تاريخ الدول التي تعيش غليانا منذ ثورة تونس و كذا جغرافيتها. و لتفهم جيدا سر تمسك الحلف المذكور بالقضاء على حكم القذافي تذكر ان ليبيا تطفو فوق البيترول . . .

    تاريخ نشر التعليق: 15/06/2011، على الساعة: 12:35
  5. matmoura mahmoud:

    سيدي المحترم مقالكم رائع.و ما شدني في ثناياه الجدية و طريقة التحليل الرائعة والدقيقة.فنفيت عنكم صفة الكاتب الساخر الى الكاتب الذكي الجدي. شرحت الداء و طرحت الدواء.طريقتكم تذكرني بصديق لي .له نفس المنهجية و الافكار و الذكاء في التحليل و المقارنة وحتى الشبه شكلا.بالتوفيق استاذ ومشكورون على هذا المقال الرائع.

    تاريخ نشر التعليق: 15/06/2011، على الساعة: 0:17

أكتب تعليقك