أولُ رَئيسٍ عربي يَسُوقُهُ شَعبُه للمحكمة..أكاديمية مُبارك للأمن تتحَولُ إلى قاعةٍ لمُحاكمتِه

عمال يضعون آخر اللمسات على القاعة التي سيحاكم فيها مبارك في أكاديمية الشرطة بضواحي القاهرة التي كانت تسمى أكاديمية مبارك للأمن

عمال يضعون آخر اللمسات على القاعة التي سيحاكم فيها مبارك في أكاديمية الشرطة بضواحي القاهرة التي كانت تسمى أكاديمية مبارك للأمن

في آخر خطاب له الى الأمة كرئيس تعهد حسني مبارك بأنه لن يغادر مصر وأنه سيموت ويدفن في ترابها. لكن ربما يكون ثمن رفضه مغادرة البلاد فادحا.

وتبدأ في القاهرة محاكمة الرئيس المصري السابق بالتآمر لقتل متظاهرين شاركوا في الاطاحة به في 11 فبراير شباط بعد 30 عاما قضاها في الحكم. واذا أدين فإنه يواجه الاعدام رغم أن قليلين يتوقعون تلك النتيجة التي يريدها بعض المحتجين.

وكمؤشر على التغيير الذي اجتاح مصر أقيمت قاعة المحكمة في أكاديمية الشرطة في ضواحي القاهرة التي كانت تسمى أكاديمية مبارك للامن وكان اسمها السابق مكتوبا بكتل من الاسمنت المسلح لكن الاسم أذيل لاحقا.

وستكون لمحاكمة الرجل الذي صور نفسه زعيما للعالم العربي اثار خارج حدود مصر وسيتردد صداها في منطقة يواجه فيها قادة اخرون طال بهم المقام في الحكم تحديات غير مسبوقة من محتجين أو حركات تمرد مسلحة.

وقال مبارك في الخطاب الذي وجهه في العاشر من فبراير بينما وضع رابطة العنق السوداء التي وضعها منذ وفاة حفيده عام 2009 ان مصر “ستظل بلدا عزيزا لا يفارقني أو أفارقه حتى يوارينى ترابه وثراه .”

وفي اليوم التالي تولى المجلس الاعلى للقوات المسلحة الذي يرأسه مبارك السلطة وانتقل خلسة الى منتجع شرم الشيخ على البحر الاحمر وسط ابتهاج المحتجين في الشوارع.

ومنذ أبريل نيسان يرقد مبارك في مستشفى شرم الشيخ الدولي. وقال مصدر مقرب منه الاسبوع الماضي ان محاميه سيبلغ القاضي بأن مبارك مريض بشدة ولا يمكنه حضور الجلسة.

واذا ظهر مبارك في قفص الاتهام فسيكون أول رئيس عربي يحاكم بعد انتفاضة من انتفاضات الربيع العربي التي أطاحت من قبل بالرئيس التونسي زين العابدين بن علي الذي فر الى السعودية في يناير كانون الثاني.

واذا لم يمثل أمام المحكمة فان ذلك سيكون سببا لغضب المحتجين الذين يريدون أن يروه في قفص الاتهام.

ويتهمه المحتجون بحكم مصر كاقطاعية شخصية مما سمح لاسرته وحلفائه بالتربح بينما قطاعات واسعة من الشعب تعاني من فقر مدقع. كما يتهمه المحتجون بضرب المعارضة بيد من حديد.

وقدم مبارك نفسه دائما في شكل أبوي وحارس للامة وهو أمر أثار الاستياء العام على نحو متزايد. وزاد الغضب اشتعالا التقارير عن أن مبارك يعد ابنه الاصغر جمال لخلافته.

وفي أيامه الاخيرة في الحكم صار نقل السلطة الى جمال مستبعدا لكن مبارك لم يتخل مطلقا عن أسلوبه الابوي.

وقال في الخطاب الاخير له “انني عشت من أجل هذا الوطن حافظا لمسؤوليته وأمانته وستظل مصر هي الباقية فوق الاشخاص وفوق الجميع.”

وحتى يوم 25 يناير الذي شهد اندلاع الاحتجاجات بقوة فاجأت حتى بعض منظميها كان مبارك يشبه قوة لا يمكن زحزحتها. وراجت المزح عن عمره المديد. لكن بعد 18 يوما كان خارج الحكم.

ولم يكن مبارك القائد العربي الوحيد الذي سقط لكن سقوط قائد أكثر الدول العربية سكانا والذي كان شخصية محورية في السياسة العربية كان مدويا أكثر.

ولم يكن ينظر الى مبارك دائما على أنه الزعيم الذي سيبقى طويلا في السلطة. فقد وصل قائد القوات الجوية السابق الى الحكم بعد اغتيال الرئيس أنور السادات برصاص اسلاميين عام 1981 خلال عرض عسكري. وفي ذلك الوقت قال كثيرون انهم لا يتصورون أن مبارك سيعمر طويلا في الحكم.

وفي منتصف الثمانينات تمرد جنود قوات الامن المركزي الذين كانوا يشكون من سوء المعاملة من جانب قادتهم في القاهرة. وأرسل مبارك الجيش لاخماد تمردهم. وفي التسعينات أخمدت قوات الامن تمردا لاسلاميين.

وظل الاسلاميون هدفا خلال رئاسة مبارك. وكانت حكومته تشير اليهم باعتبارهم البديل اذا ترك مبارك الحكم في مسعى للحصول على دعم الولايات المتحدة والغرب حيث عبر سياسيون عن القلق من وجود ايران أخرى أو غزة بقيادة حماس على نطاق أكبر في الشرق الاوسط.

ومع ذلك فانه عند نزول المحتجين الى الشوارع لم يكن قادتهم من الاخوان المسلمين أكثر الجماعات السياسية تنظيما بل الشباب الماهر في استخدام الانترنت الذين جعلوا الوطنية قيمة أعلى من الدين.

وحتى ذلك الوقت لم يغير مبارك موقفه. وفي مقابلة تلفزيونية في الولايات المتحدة وجه اللوم الى الاخوان المسلمين.

وفي واحد من اخر خطاباته تحدث عن الاختيار بين الفوضى والاستقرار مؤكدا أنه مع الاختيار الاخير.

وبامكان مؤيديه أن ينسبوا له اعادة الاستقرار الى مصر بعد اغتيال السادات برصاص الاسلاميين وأن مصر لم تدخل حروبا في عهده وأنه أعاد العلاقات مع العالم العربي بعد معاهدة السلام مع اسرائيل عام 1979 وأنه بعد تأجيلات طويلة فتح الاقتصاد لدفع النمو.

واشتد عود الاقتصاد في السنوات القليلة الماضية واجتاز الازمة المالية العالمية بقليل من الخسائر.

لكن المصريين العاديين قالوا ان الازدهار كان ثقيل الوطأة عليهم حتى قبل أن تتسبب الازمة في كبح النمو. وقالوا ان الازدهار ملأ جيوب صفوة ثرية من خلال بيع الاراضي والمصانع المملوكة للدولة بأثمان رخيصة بينما ترك الاخرين يعانون من الفقر.

وكان مبارك يعبر دائما وبقوة عن ثقته بانجازاته التي لم يشك يوما فيها مما جعله بعيدا عن الشعور بالكراهية الشعبية التي كانت تتراكم ضده خلال 30 عاما.

وعلى الرغم من أنه سمح للمجموعة الوزارية الاقتصادية التي أدارها ابنه بفتح الاقتصاد رفض بشدة أي انفتاح سياسي.

وقال عام 2004 “لا أحد يتصور أننا يمكن أن نضغط على زر فتأتي الحريات. خلاف ذلك سيؤدي الى الفوضى وسيكون هذا خطرا على الشعب.”

وبعد عام أشار الى تحديات ادارة دولة تشهد تزايدا مستمرا في عدد السكان غالبيتهم من الشباب وقال “حكم مصر مش (ليس) نزهة. ليس شيئا سهلا.”

وبشكل اعتيادي زورت الانتخابات لمصلحة الحزب الوطني الديمقراطي الذي كان يرأسه. وقالت المنظمات التي تراقب حقوق الانسان ان انتخابات مجلس الشعب عام 2010 كانت مثالا فظا على التزوير لانها تقريبا لم تسمح بمقاعد للمعارضة.

وكانت تلك الانتخابات سببا في الغضب الذي أطاح به.

كانت بدايات مبارك متواضعة. فقد ولد في الرابع من مايو أيار عام 1928 في قرية كفر مصيلحة في دلتا النيل والتحق بالكلية الحربية عام 1947 ثم التحق بالسلاح الجوي. وقاد قاذفات القنابل وأصبح قائدا للقوات الجوية في حرب أكتوبر تشرين الاول عام 1973 مع اسرائيل.

وعينه السادات نائبا للرئيس. لكن حين صار رئيسا ترك منصب نائب الرئيس شاغرا حتى أيامه ألاخيرة في الحكم حين عين مدير المخابرات عمر سليمان في المنصب لكن الوقت كان قد فات وفشلت هذه الخطوة الصغيرة في وقف الاحتجاجات.

وكان مبارك هدفا للعديد من محاولات الاغتيال أثناء رئاسته من بينها المحاولة التي استهدفت موكبه في أديس ابابا عام 1995.

ومنذ التسعينات جعل مبارك من نفسه راعيا لعملية السلام في الشرق الاوسط وتوسط بين الفلسطينيين واسرائيل وبين الفصائل الفلسطينية المتصارعة سعيا الى تسوية بينها.

ويقول منتقدوه العرب انه أعطى وزنا كبيرا جدا للمصالح الامريكية والاسرائيلية على حساب الفلسطينيين العاديين.

وواكب حملة الرئيس الامريكي جورج بوش القصيرة من أجل الديمقراطية في العالم العربي وقرر اجراء انتخابات رئاسية تنافسية للمرة الاولى عام 2005 والتي فاز فيها على نحو لم يكن مفاجأة لاحد.

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

أكتب تعليقك