إناث في انتظار “الاغتصاب”

محمد أبو عبيد

محمد أبو عبيد

ثمة مفاهيم يغلفها البعض في إطار فعل واحد، أو أن تكون في نظرهم مفاهيم يُسْتمد معناها من شكل واحد، كالاحتلال، مثلاً، حين نصوره على أنه فقط من أفعال الجيش، مع أنه يكون أيضاً من أفعال العقل وتأثيرات الفكر.

الاغتصاب ليس في حِلٍ من هذا التأطير، حيث لا يتبادر إلى أذهان البعض، وربما الكثير، سوى أن الفاعل، الذكر في العادة، ينشب أظفاره في جسد الضحية لإشباع غريزته بالإكراه. وانطلاقاً من هذا التأطير الضيق أبيحت صور الاغتصاب الأخرى كما لو أنها ممارسات إنسانية حميدة، فصُرِف النظر عن الضحية ومعاناتها وتداعيات ذلك.

فروق قليلة بين الاغتصاب بفعله التقليدي وأشكاله الأخرى، وأحد أهمها هو أن الاغتصاب التقليدي يعاقِب عليه القانون والعادات، بينما أشكاله الأخرى يجيزها القانون والتقاليد.. يا لها من طامة! فالطفلة التي يقدّمها أهلها عروساً لمن يكبرها بعقود، وهي ذات الجسد الطفولي الغض، إنما عرضوها للاغتصاب برضا من حولها إلا رضاها، بمن فيهم المأذون الشرعي الذي “يُقوْنن” هذا الزواج اللاإنساني، وكان من الأولى أن يحافظ أهلها على بياض عذرية طفولتها لا أن يلطخوها بالأحمر النازف غصباً. إن زواج القاصر هو اغتصاب الطفولة بموافقة الأهل والمأذون.

فرق آخر وهو أن الأهل يخشون ما يسمونه “الفضيحة” في حال تعرض الفتاة الكاعب إلى الاغتصاب بمفهومه التقليدي مع أنها ضحية، فيما الفضيحة هي للفاعل وأهله، في المقابل يبتهجون في حال تعريضها للوجه الآخر للاغتصاب وهو إجبارها على قول “نعم” لمن لا ترغب فيه زوجاً. إنهم، إذن، يخشون فضيحة اغتصاب، ويبتهجون لشكل آخر منه.. يا له من تناقض!

إن الصامتين من مجتمعاتنا العربية والإسلامية أمام أشكال الاغتصاب الأخرى مدانون أيضاً باعتبارهم شاهدين على هذه الجرائم الإنسانية اليومية، وظلوا إما ممارسين لها ومشجعين، أو متفرجين لا يعارضونها مُحمِّلين الدِين ما هو بريء منه ومن أفكارهم.

يُخال إليّ أحياناً أن كل فتاة عربية هي “مشروع” اغتصاب حين تولد، وأن نجاتها من ذلك رهن في يد أهلها، فإن امتثلوا لتعاليم خالقها وأحكام الدين في الرفق بالقوارير، نجت من أنياب العادات الجائرة بحقها، وأما إذا استسلم الأهل للتقاليد الاجتماعية السائدة في التعامل مع “الأنثى”، أحاقت بها مخالب تلك التقاليد في انتظار شكل من أشكال الاغتصاب، لتبقى هي الضحية، وهي المُلامة، وهي من يدفع الثمن، وهي التي تلتصق بها الفضيحة، وهي التي تُحظر عليها ممارسة “لا” النفي والنهي، وإذا تمردت على ضروب الظلم هذه اغتصبها المجتمع مرة أخرى باتهامات باطلة.

كم أنت جبارة أيتها “الأنثى” العربية، تعيشين وسط أنياب اغتصاب متعددة ومازلتِ قادرةً على الابتسامة.

* إعلامي فلسطيني مقيم في دبي

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليق واحد

  1. محمد:

    أخي العزيز ..
    أنت تحدثت عن الموضوع على اساس أنه مشكلة … لكن أين الحلول؟!!

    أي شخص منا يستطيع ان يتحدث عن اي مشكلة .. لكن المهم ان نتحدث عن الحلول.. فما الحل بوجهة نظرك؟

    تاريخ نشر التعليق: 12/08/2011، على الساعة: 15:55

أكتب تعليقك