شرطة مَنْ ؟

يسري فودة

يسري فودة

الشارع الذى أسكن فيه اتجاه واحد وكغيره من شوارع مصر يعج بالسيارات المركونة على جانبيه بغير وجه حق. عندما قدت سيارتي عصر الجمعة فى طريقي إلى إفطار عائلي فى قريتي قرب طنطا، فوجئت بعد خطوتين بسيارة جيب خفيفة فى وجهي، وقعت عيني على لوحة الأرقام فقرأت كلمة «الشرطة».

وراء زجاجها لمحت ضابطين بالزي الأبيض. تقدم سائقها أكثر فتقدمت أنا أيضاً حتى صرنا وجهاً لوجه. مرت ثوان ثقيلة، فأنا أعرف أنني لن أتراجع عن حقي، ثم بدأت من وراء الزجاج أشرح لهما بيدي وأصابعى أن هذا الشارع اتجاه واحد، قرأت بكل وضوح ابتسامة اعتراف على وجهيهما يشوبها قليل من الخجل (أو هكذا طاب لي أن أتصور).

بعد ثوان أخرى ثقيلة حدثت «المعجزة» عندما بدأت سيارة الشرطة فى التراجع حتى أخلى سائقها الضابط فسحة من الطريق تكفي لعبوري. تقدمت وعندما اقتربت نافذتي من نافذته شعرت وكأنه يشعر بانكسار المهزوم فأصابنىي جانب من التأثر.

أخرجت رأسي من النافذة وقلت له مازحاً: «صباح الفل، هشتكيك للشرطة»، انفجر كلاهما ضاحكاً وهما يجيبان فى نفس واحد: «رمضان كريم يا باشا».

فى كل ورقة على كل شجرة فى الطريق الزراعي – ولم يعد على جانبيه الكثير – ذكرى ترد الروح، وخليط من الصور والأصوات والروائح التى تبعث فى النفس وهجاً لا ينطفئ، ينتهى الطريق بي، مثلما ينتهى دائماً، بين عيدان الذرة وحقول القطن التى تقودني أول ما تقود إلى مقابر القرية حيث أقرأ الفاتحة على روح أبي وأرواح ساكنيها كلهم.

فى هذه الحقول كانت لنا حياة، كنا ثلاثة أطفال ولا الورد البلدي الذى كان يطل من فوق سور دوار العمدة على العابرين، وكنا جميعاً قد ولدنا فى عام واحد تقريباً: هشام ابن عمتي، ومدحت ابن خالي وأنا، تمر السنون وهي تختزن لنا هذه الذكريات الجميلة كلها حتى يكون هشام «الجيش» ويكون مدحت «الشرطة» وأكون أنا «الشعب».

لم يجتمع ثلاثتنا فى مكان واحد منذ قيام ثورة 25 يناير، لكننا نتحدث الآن هاتفياً أكثر وأطول مما كنا نتحدث قبل الثورة، وكأن حالة القلق العام التي أصابت أضلاع الوطن الثلاثة تتلخص فى هذه الثلاثية العائلية، كلنا نشعر بالتعب وكلنا لا ندري ما سيحدث غداً، وحين يكون هذا تكون القرية ملاذاً يعيد إلى النفس جانباً من الطمأنينة.

تدور الدوائر ويدخل ابن أختي بعد العيد عامه الرابع والأخير فى أكاديمية الشرطة، استحق مني هدية بعد الإفطار فقد أبلغني أنه أحرز موقعاً متقدماً على دفعة قوامها 1700، لكنني صدمت حين علمت أن أول 500 يعينون فى الأمن المركزي وأن أول 100 من هؤلاء الـ500 يعينون فى العمليات الخاصة.

قبل أن أغادرهم انتحيت به جانباً فى حضرة أمي، وقلت له: «أعطني وعداً أمام الله وأمام جدتك بأنك فى يوم من الأيام ومهما كان لن تضرب مواطناً ولن تهين مواطناً بغض النظر عما يفعله»، وعدني بأغلظ الأيمان، لكن قلقي على ابن أختي شديد، وعلينا جميعاً.

استقيموا يرحمكم الله.

* كاتب صحافي و إعلامي مصري

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليقان 2

  1. مجدى عمارة:

    بعد الثورة …إن شاء الله كل واحــد يغير نفسه للأفضــــل .

    تاريخ نشر التعليق: 23/08/2011، على الساعة: 10:45
  2. عبدالرحمن:

    أستاذ يسري
    لما القلق فـــ أبن أختك سيكون ضمن ضباط الشرطه الشرفاء
    حتماً سيزول ذلك الفساد المتبقي من النظام السابق

    تاريخ نشر التعليق: 18/08/2011، على الساعة: 1:42

أكتب تعليقك