بين الطموح والخنوع

أسيل سامي

أسيل سامي

لم يعد الطموح هو الدافع الذي يسير باتجاهه المرء ويخطط لحياته وفقا له ، بل أصبح البحث عن الاستقرار والقبول بأقل الموجود في مقابل عيشة كريمة متواضعة هو جل ما يمكن أن يصبو إليه  الشاب والشابة ، بل إن فرصة العثور على وظيفة ، أية وظيفة ،هي غاية كبرى حتى  لو كانت تلك الوظيفة لا تناسب تطلعاتنا ولا تتفق مع مبادئنا ولا ترقى لمستوى الطموح بل ولا تتوافق مع الاختصاص الذي اجتهدنا سنينا للحصول عليه والخبرة والحرفة التي نمتلكها.

في فترة مسروقة من الزمن كانت الوظيفة أو العمل تتسق مع ميولنا وتحصيل حاصل لما نحمله من كفاءة واختصاص أو ربما هذا ما كنت اعتقده عندما كنت في مقتبل العمر وعندما كانت أحلامي ما تزال ملونة باللون الوردي ، لكن تعقيدات الحياة وتغير الظروف بدلت المبادىء وأجرت تسويات جبرية بين خيارات آمنة  ورفاهية تحقيق المطامح .

في العراق بدأ التخلي عن الوظائف المناسبة والتي ترضي الطموح مع بدء الحصار في التسعينات وتدهور الوضع الاقتصادي وسقوط العملة ، عندما أصبح الطبيب سائق “تاكسي” والمعلم بائع سجائر متجول الخ،  وتلك أمثلة شهدنا مثلها بالآلاف. كما اضطرت الظروف المادية الصعبة الكثير من طلاب الجامعات إلى العمل بعد ساعات الدوام بمهن مختلفة لعل أشهرها بيع الألبسة والبضائع في أروقة سوق ” الشورجة ” .

تسيب الكثير من الأطفال من مدارسهم وتخلى أولياء أمورهم عن حلم إكمالهم الدراسة والحصول على شهادات راقية ووظائف محترمة. وهكذا انتشر هؤلاء الأطفال في شوارع بغداد وعند إشاراتها الضوئية ، بعضهم يستجدي السيارات المارة ، وآخرون يبيعون بضاعة رديئة وآخرون يمسحون زجاج السيارات بخرق بالية تزيد الزجاج اتساخا بدلا من أن تنظفه.

ولن أنسى منظر السيدة المسنة الوقورة التي افترشت زاوية على رصيف شارعنا وراحت تبيع السجائر على لوح خشبي صغير متواضع وملامحها عكست ذلا خفيا وتوجسا ظاهرا ووقارا يشي بكونها ربما من عائلة ميسورة من عائلات منطقة الحارثية أو جوارها، اضطرها تردي الوضع الاقتصادي في البلاد وتهاوي العملة نحو الحضيض وفقدانها رجال وشبان الحرب في ساحة المعركة أو بين قضبان الأسر إلى امتهان هذه المهنة وبقائها حتى ساعات متأخرة من الليل في بلد يعد فيه خروج السيدات نهارا مجازفة كبرى.

وفي خارج العراق حيث لجأ الكثير من العراقيين فإنك نادرا ما تجد من يمارس اختصاصه،  أغلب الدول الأجنبية لا تعترف بشهادات العراقيين التي حصلوا عليها من الجامعات العراقية ، وهكذا يضطر المهندس أن يعمل عاملا في مصنع والأستاذ الجامعي سائق “تاكسي”   والموظفة تتحول إلى خياطة والرسامة إلى عاملة في صالون التجميل.

ومن يكن محظوظا أو من يمتلك القدرة المادية يقوم بإنشاء مشروع متواضع كأن يفتح دكانا صغيرا أو مكتبة.  وكيـّف العراقيون في الخارج حياتهم وفق نمط الحياة في الغرب فتخلوا عن إنفاقهم وبذخهم  وسياراتهم الفارهة وركبوا السيارات القديمة واستقلوا الحافلات.

سكنوا شققا ضيقة تزاحموا داخلها وغيروا عادات أكلهم وإسرافهم ، جاملوا أرباب عمل أقل منهم كفاءة وخبرة واستحقاقا ونفذوا أوامر تتنافى مع مبادئهم وما يؤمنون به لكنهم ضمنوا عيشا مستقرا آمنا بعيدا عن بلد التناحر والحروب وحالة اللاسلم التي يبدو بالنسبة لهم أنها لن تزول.

ولكم أن تتخيلوا حجم الضرر النفسي الذي يمكن أن يلحقه هذا الأمر بآلاف الشباب من العراقيين في الخارج والداخل وهم يرون أحلامهم وطموحاتهم تهدر قربانا لمتطلبات الأسرة وتوفير حياة كريمة .. ولكن الأمل بتوفير فرص أفضل للأبناء هو زاد الصبر الذي يتزود به كل من ضحى بطموحه وتخلى عن حلمه وآثر الحياة المستقرة الآمنة على حياة قد يصبح  التمسك بها ضربا من الخيال وبعدا عن الواقع بل  وزجا بالنفس نحو المخاطر في بعض الحالات.

ورؤية الأبناء وهم يسيرون المسار الطبيعي للحياة يواجهون بعض العثرات هنا وهناك ولكن وعلى قدر عزيمتهم واجتهادهم تتحدد فرصهم في المستقبل تقر أعين ذويهم وهم يشاهدون ثمرة صبرهم وتضحياتهم وقد نضجت بنضج هؤلاء الأبناء وقطافها أن يحقق أبناؤهم ما لم تمكنوا هم من تحقيقه.

* كاتبة و إعلامية عراقية مقيمة في الدوحة

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليقات 5

  1. فبصل الضويان:

    سيدتي
    قال الشعر اليمني البردوني
    فظيع جهل ما يجري وأفظع منه أن تدري

    تاريخ نشر التعليق: 20/08/2011، على الساعة: 14:11
  2. الخنوع والخضوع هو سيد الموقف العربي:

    اغلب العرب خاضعون لحكامهم وقانعون بما لديهم ولايطالبون بحقوقهم

    تاريخ نشر التعليق: 19/08/2011، على الساعة: 2:17
  3. ابو مهند:

    مقال رائع .. هموم عربية تعددت في اكثر من بلد .. وما هو الحال في العراق هو الحال في اليمن وفي بلدان اخرى ..مأساه حقيقيه .. متى يصحو ضمير الانسان العربي ؟ الحكام هم مسؤولون امام الله وبإمكانهم حل مشاكل بلدانهم ..لا للحزبية لا للطائفية؛ شرارة النار تحطم كل من حولها وربما تلتهم من اشعلها . وباعتقادي ان الشعب اذا اراد الحياة فليحسن اختيار ممثليه باعتبار وطنيتهم وانسانيتهم ومحاسبتهم ومنعهم من منصبهم اذا اساؤوا استخدامه . شكرا اختي الكريمة كل مقالاتك توقظ مشاعرنا وشعورنا بالاسى يزداد .

    تاريخ نشر التعليق: 18/08/2011، على الساعة: 15:19
  4. عبد الحق:

    1. وَيَجْعَلُونَ لِلَّـهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ ﴿النحل: ٥٧﴾
    2. وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ﴿القصص: ٥٨﴾
    3. وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُّرِيبٍ ﴿سبإ: ٥٤﴾
    4. أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴿الزخرف: ٣٢﴾
    5. وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ ﴿الطور: ٢٢﴾
    6. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ ﴿الواقعة: ٢١﴾
    7. وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ ﴿المرسلات: ٤٢﴾

    وركزوا على كلام الله لو في شهر القران
    1. وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّـهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴿الأنفال: ٢٨﴾
    2. إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّـهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴿التغابن: ١٥﴾

    تاريخ نشر التعليق: 16/08/2011، على الساعة: 1:58
  5. Aseel alkasam:

    والله كلامك علاالعين والراس بس شنوالفايده اكوشي تغير

    تاريخ نشر التعليق: 15/08/2011، على الساعة: 23:58

أكتب تعليقك