مفارقات محاكمة مبارك

عبد الباري عطوان

عبد الباري عطوان

من تابع الجلسة الثانية لمحاكمة الرئيس المخلوع حسني مبارك، عبر شاشة التلفزيون يلاحظ ان نجليه علاء وجمال كانا يتصرفان وكأنهما ما زالا في السلطة، وليس كمتهمين بسرقة المال العام والتربح من خلال مكانة والدهما في قمة السلطة.

النجلان اللذان ظهرا في قمة اناقتهما، حتى وهما يرتديان ملابس السجن، حاولا منع تصوير الكاميرا لوالدهما طوال الوقت، بحجب الرؤية من خلال الوقوف امامها، بحيث يتعذر على المشاهدين متابعة الرئيس المخلوع وهو راقد على السرير طوال الجلسة.

لا نعرف لماذا لم يطلب منهما الجلوس على المقاعد المخصصة لهما، او الابتعاد عن طريق الكاميرا، فلا توجد امتيازات او مراكز قوى في المحاكم، وانما تطبيق حرفي للقانون على الجميع، كباراً كانوا او صغاراً، ابناء الفقراء او ابناء الذوات.

نخشى ان يكون هناك بعض التراخي من قبل رجال الامن، ليس فقط تجاه هذه المسألة، وانما ايضاً تجاه بعض بلطجية النظام، الذين اعتدوا على رجال الاعلام بالضرب والقذف بالحجارة في الباحة الخارجية للمحكمة. فمن غير المنطقي ان يعتدي هؤلاء على الصحافيين واهالي الضحايا، بينما يقف خمسة آلاف شرطي ورجل امن، جاءوا لحفظ النظام، مكتوفي الايدي، لا يحركون ساكناً، الا في وقت متأخر جداً، وبعد ان حقق هؤلاء البلطجية مرادهم.

ما لا يدركه ابناء الحكام الجمهوريين ان امبراطوريتهم تتساقط احجارها، الواحد تلو الآخر، وانهم لم يكونوا سبباً في تدهور احوال بلادهم فقط، وانما في اذلال واهانة واخيراً اطاحة آبائهم من سدة الحكم، ووقوفهم كمجرمين في قفص الاتهام.

غرور القوة عمره قصير، وكذلك احتقار الشعب ونهب عرق ابنائه، وشاهدنا في الفصل الثاني من محاكمة الرئيس المخلوع الكثير من البراهين حول هذه المسألة. اذ يكفي ان نرى الرئيس مبارك احد ابرز رموز الفساد والعجرفة يمثل امام المحكمة بالطريقة التي شاهدناها.

الم يكن من الاكرم له، ولكل الديكتاتوريين العرب من امثاله، لو جرى تطبيق الاصلاحات الديمقراطية قبل عشرة او عشرين عاماً، وبما يؤدي الى تداول سلمي للسلطة، وخلق مؤسسات حقيقية ترسخ دولة الحريات والقانون؟

الطغاة لا يتعلمون من دروس التاريخ حتى يستخلصوا منها العبر، ويتعظوا من تجارب من سبقوهم، فالبطانة جاهزة دائماً لتبرير فسادهم واذلالهم لمن كتبت عليهم الاقدار العيش تحت مظلة حكمهم.

نستغرب ان يتقدم 1700 محام للدفاع عن الرئيس المخلوع والجرائم التي ارتكبها في حق مصر والأمتين العربية والاسلامية، على مدى ثلاثين عاماً من حكمه الديكتاتوري الظالم. اليس هؤلاء من ابناء الشعب الذي يعيش نصفه (40 مليوناً) تحت خط الفقر، وبأقل من دولارين في اليوم؟

نحن مع حق الرئيس مبارك في محاكمة عادلة، نزيهة، ومحامين يتولون الدفاع عنه، وهو حق لم يعطه لأي من ضحايا حكمه الذين قدمهم الى محاكم عسكرية اصدرت احكاماً جائرة بحقهم، لانهم عارضوا النظام وسياساته.

وما نستغربه اكثر هو هذا التعاطف الكبير معه من قبل الاسرائيليين، الذين اعترضوا بشدة على تقديمه للمحاكمة وهو على سرير المرض، ونسي هــــؤلاء ان المانــيا، وبضغط من هؤلاء، حاكمت حارس المحارق النازية ديميانيوك، وهو في التسعين من عمره، وجرى جلبه الى قاعة المحكمة على كرسي متحرك.

من الطبيعي ان يتعاطف هؤلاء مع الرئيس المخلوع، فقد كرس ثلاثين عاماً من حكمه من اجل خدمتهم، وحارب جميع حروبهم، سواء بالتواطؤ او الصمت، في غزة ولبنان، ومارس ضغوطاً شرسة على الفلسطينيين من اجل القبول بسلام مغشوش، وسكت عن الاستيطان وعمـــليات تقـــويض اساسات المسجد الاقصى، وتهويد القـــدس، والأهم من ذلك واخطـــر بيـــعه الغاز المصري بثمن التـــكلفة، في اكبر صفقة فساد في تاريخ المنطقة.

نحمد الله ان هذه الدموع التي تــذرف تعاطفاً مع الرئيس المخلوع تدينه، وتؤكد شرعية وطهارة كل نقطة دم قدمها ابناء الشعب المصري طوال ايام ثورتهم للاطاحة به ونظامه، لان التعاطف هذا لا يأتي من منطلقات انسانية بحتة، وانما خوفاً من مستقبل قد يكون مختلفاً جداً دون وجود الرئيس مبارك والطغاة من امثاله، الذين استسلموا امام التهديدات الاسرائيلية.

من يقتل الاطفال بالفوسفور الابيض في قطاع غزة، ويمزق اجسادهم الطرية بالقنابل العنقودية في جنوب لبنان، هو آخر من يحق له ادعاء التعاطف مع المرضى.

الرئيس مبارك لا يستحق اي تعاطف، وان كان يستحق محاكمة عادلة، وقد قدمت له مصر الثورة نموذجاً مشرفاً في هذا الاطار، لا يوجد له مثيل في اي من دول الجوار العربي، وهذا انجاز كبير، اكبر من كل انجازات الرئيس مبارك في حرب العاشر من رمضان، التي لا يجب ان تغفر له جرائمه في حق الشعب المصري.

* كاتب صحافي فلسطيني مقيم في لندن

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليقات 4

  1. معتز:

    كيف يا أستاذ عبد البارى أن تحكم على مبارك بأنه فاسد أو مدان قبل حكم المحكمه؟؟؟؟؟هذه الترديدات الكاذبه يروج لها فاسدون مغرضون ويصدقها جهلاء يحلوا لهم أن ينسبوا تدهور أحوالهم الى أى أحد أخر الا أنفسهم وخيبتهم , وأحوال هؤلاء لن تتحسن الا أذا أنتبهوا الى تصحيح الخلل الذى بهم ولن ينفعهم سقوط الف نظام .

    تاريخ نشر التعليق: 21/08/2011، على الساعة: 14:48
  2. احمد امير القوصى قنا قوص:

    والله يااستاذ عبد البارى اشعر انك مصرى بجد انا اشكرك على مقالاتك الممتازة التى انتظرها وتقوى من عزمى عندما اشعر بالاحباط اشعر احيانا ان الذين يحكمون مصر الان ليسو ثوريين بقدر الذين قامو بالثورة بس اؤكد لك انه برغم الاحباط احيانا من التباطؤ فى الاجراءات الثورية وبرغم الاعتقلات الكثيرة للمدنيين وتحويلبهم للمحاكمة العسكرية وكيف ان المجلس فضى اعتصام ميدان التحرير واحتل صنية الميدان لدرجة ان احد الشباب قال بسخرية خليهم ياخدو الصينية احنا بقى معانا الشاى والقهوة واخر قال ان العسكر بيفتكرو ان الميدان التحرير موجود فى مكانه فقط مصر كلها اصبحت ميدانا للتحرير. مصر حاتكمل للاخر اطمئنك ياأخى مصر ستكمل مشوار التحرير للنهاية المصريين برغم ان ناس كتير افتكرت انهم من المستحيل ان يثورو ولكنهم ثارو اعتقد انها ثورة تصحيح مسارنا وخطة عمل لابد ان نلزم بها اى رئيس يجىء الحرية الكرامة العدل القومية

    تاريخ نشر التعليق: 21/08/2011، على الساعة: 10:27
  3. motcho:

    بأسلوب جارح لا يمت للكتابة الصحافية المحترمة بصلة , كعادته دائما المألوفة لدى قرائه والمنفرد بها عن زملائه في الساحة الإعلامية العربية , كتب مؤخرا الصحافي الفلسطيني اللاجئ بالديار البريطانية , مقالا تحت عنوان « محاكمة مبارك أم تشييع مرحلة» وهو يمجد الزعيم العراقي الراحل , مبديا شماتته في الرئيس المصري المخلوع , مقارنا بين محاكمتي الرجلين , بأن « صدام كان يقف في قفص الاتهام متأبطا قرانه مدافعا شرسا عن عقيدته , محاطا بصقور حكمه …بينما يرقد مبارك ذليلا على سريره منبوذا … ذهب الراحل صدام إلى المقصلة مرفوع الرأس , ثابتا كالجبل , صلبا كالرمح , مرددا نشيد العروبـــة , مذكرا بقضاياها وعلى رأســها فلسطيـــــن … » إلى غيرها من تعابير المدح حد التبجيل في حق محبوبه وزعيمه الراحل . علما أن الحالة غير الإنسانية التي وجد عليها هذا الأخير (صدام) أثناء العثور عليه مختبئا في جحر , أسوأ مما هو عليه الآن مبارك , وجرائم الإبادة النكراء ضد الإنسانية التي ارتكبها في حق شعبه العراقي أفضع مما اقترفه حفيد فرعون في حق مواطنيه المصريين .
    لكن بالنسبة لزميلنا الكاتب الصحافي , جرائم صدام ليست هي الأهم , لذا فضل غض البصر ورفع القلم عنها , بما أن مرتكبها صديق القضية وليس هو العدو اللذوذ المقصود , وإنما هو السيد حسني , فوجه بندقيته صوبه , لأنه هو الهدف ولا هدف غيره , حيث وصف نهايته بعبارات حادة لا تخلو من الحقد والاستهجان , بأنها « مهينة مذلة يستحقها الرئيس المخلوع …بل يستحق ما هو أسوأ منها لأنه أذل عقيدة وسفك دماء شعبه وسرق المال العام .. » والحقيقة أن تشفيه في مبارك , جاء ليس لكون هدا الأخير سفك وسرق , لا .. وإنما لشيء واحد ,هو أنه (مبارك) لم يكن يؤدي عن غنائمه الزكاة أو الجزية إن صح التعبير للفلسطينيين وأقلامهم المأجورة . أي أنه لم يكن يقتسم معهم مال عام المصريين , لأنه كان طرفا وسطيا محايدا بين جيرانه الفلسطينيين والإسرائيليين , منفتحا على الجميع , لا يدعم , لا يؤذ ولا يعادي أحدا من كلا الطرفين (لا الفلسطينيين ولا الإسرائيليين ) وهذا ما أغضب صاحبنا (كاتب المقال) وجعله يشتمه ويرميه بكل هذا الوابل من الاتهامات التي وصلت حد اتهامه بإذلال العقيدة ! . عكس صدام الذي وصفه بالمدافع الشرس عنها , لدفاعه عن فلسطين وتمويله لفصائلها.. لأن هذا الصحافي لكثرة تعلقه وحلمه بوطنه اختلط عليه الأمر , فأصبح يربط ويرهن الدفاع عن العقيدة بالدفاع عن فلسطين !! فلو كان مبارك قد خصص نصيبا من أموال المصريين للفلسطينيين وبعض أقلامهم .. لرأينا بأم أعيننا الآن زميلنا يدافع عنه بكل شراسة ويصفه بضحية مؤامرة إسرائيلية أو أمريكية صليبية , حسب ما يراه مناسبا , أو يلتزم الصمت وذلك أضعف الإيمان إن استعصى عليه الأمر , ولما قال في حقه ما قال . لأن معنى الجلاد في نظره ينحصر في عدم معاداة إسرائيل فقط . وبعبارة أخرى أوضح , أي أن كل متعايش منفتح على إسرائيل فهو جلاد ديكتاتوري في مفهومه . والعكس بالعكس بالنسبة للضحية .
    هكذا ينظر صاحبنا إلى الأشياء وهكذا يفسر الأمور ..لأنه لو كان رأيه غير ذلك , لعدل بين الدكتاتوريين , ولما ميز بينهما بالتزام الصمت وصرف النظر عن فضائع الطاغية العراقي , والتركيز فقط على مساوئ حفيد الفراعنة , لمجرد عدم مشاطرته لنزعاته القطرية العنصرية . فهنا انزلق الزميل ووقع في الخطأ (بيت القصيد) لأنه بفكره هذا , أبان عن تعصب كبير مذك للطائفية والقبلية (التعصب القبلي) في زمن أصبح فيه العالم قرية صغير, ينفتح ويتعايش فيها الجميع بتسامح كبير بصرف النظر عن الانتماءات العرقية أو الدينية… وغدت فيه المصطلحات المسماة « القومية » و « أناشيد العروبة » , مفاهيم بائدة متجاوزة أكل عليها الدهر وشرب , ولم تعد صالحة للاستهلاك .
    صحيح أن الإنسان تحاصره دائما وتتحداه بلا هوادة مشكلة الولاء , فكل منا وبلا استثناء ينتمي إلى لون من الجماعات القومية أو العرقية أو الدينية , ومن المحال على أحد مهما يبلغ حجم احتجاجاته أو إنكاره أن يقول بأنه قد ارتفع فوق الروابط الحيوية (العضوية) التي تربط الفرد بالأسرة والمجتمع , و بطبيعة الحال بالقومية كذلك . لكن يجب أن تكون هذه الأخيرة خاضعة لضوابط تراعي خصوصيات المجتمعات وتحترم حق الناس في الاختلاف وإبداء الآراء المعاكسة .. لأن حرية الإنسان تنتهي حيث تبدأ حرية الآخرين ..فمن حق الكاتب أن يستميت في الدفاع عن فلسطين ,وأن تكون هي شغله الشاغل كونه فلسطيني تواق إلى وطن . لكن ليس من حقه إطلاقا , أن يجبر غير الفلسطينيين على الانشغال بها كما هو شأنه , والتحول قسرا إلى فلسطينيين مدافعين في كل ناد يصيحون ويخطبون .
    إن حل فلسطين بيد الفلسطينيين أنفسهم . فمن يريد الدفاع عنها ,عليه أن يحثهم على نزع ثياب الكبرياء إقرارا بموازين القوى , والنزول إلى أرض الواقع والركون إلى الحلول الوسطية , والاعتراف بأبناء العم , بعيدا عن كل تشدد وتعصب وعن كل إقصاء, تشبثا بقيم التسامح والاعتدال , واستغلالا للفرص…قبل فوات الأوان . لأن من يريد ربح الكل , دائما يخسر الكل . إن الأرض أرض الله , والدين دينه والوطن للجميع , وكلنا لأدام وادم من تراب .
    إن من يحب فلسطين عليه أن يكون صريحا مع الفلسطينيين : أن يقول لهم الحقيقة , انطلاقا من الواقع لا من الوهم . أما أن يظل يلوم ويشتم الناس , لا لشيء سوى أنهم أحرار في مواقفهم , فهذا أمر مدان غير مقبول إطلاقا..(الكل يبحث عن مصلحة وطنه , ومن أجله قد يتحالف حتى مع الشيطان إن اقتضى الأمر).
    تمالك نفسك واستعذ بالله , وابتعد عن الغضب عندما لا تستطيع أن ترى الناس كما تريدهم أن يكونوا مثلك وفي صفك , بما أنك بدورك تجد صعوبة أن تغير نفسك كما تريد أن تكون .
    وأخيرا على كل حال , « لا تظهر الشماتة لأخيك , فيرحمه الله ويبتليك» حديث نبوي شريف . مجرد تذكير لا غير. إن الذكرى تنفع المؤمنين , إن كنت منهم طبعا . (بكل ود دون أي حقد )

    محمد شملال
    كاتب صحافي مغربي

    تاريخ نشر التعليق: 18/08/2011، على الساعة: 2:42
  4. عبد الحق:

    .1. يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴿يونس: ٥٧﴾
    2. وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴿فصلت: ٤٤﴾

    تاريخ نشر التعليق: 16/08/2011، على الساعة: 2:17

أكتب تعليقك