الإشارات الحمراء الأربع في الأردن

محمد كريشان

محمد كريشان

من الصعب جدا أن يتحمل الأردن ما قد كان غيره قادرا على تحمله حتى الآن إذا خرجت الاحتجاجات السلمية المنادية بالإصلاح عن نطاق السيطرة.

أحد المعلقين المقربين من الحكم في عمان استهجن أن يرى هؤلاء المنادين بالإصلاح يضبطون ساعاتهم على ما سماه التوقيت الإقليمي، في إشارة منه إلى الثورات العربية المحيطة، سواء تلك التي أطاحت برأس النظام كمصر أو التي ما زالت تنتظر كسورية واليمن، مع أنه بات من الصعب على أي حراك أن يتجاهل أن الكل بات يضبط عقارب ساعته على هذا التوقيت، حكاما ومحكومين، وإن بنوايا متناقضة.

لا وجود في الأردن لحالة إنكار رسمية معلنة لوجاهة مطالب الإصلاح المختلفة، لكنه لا وجود في المقابل لاستجابة مقنعة وجريئة لها. ما حصل هو أن السلطة تحركت بخطى أقل وأبخل بكثير من المطلوب، مما أوحى في النهاية بعدم جدية من قبلها، عمـّق على ما يبدو أزمة الثقة بين النخبة السياسية والحكم عوض التخفيف من وطأتها.

وإذا ما أردنا أن نحدد أبرز المؤشرات المقلقة في المملكة، التي يمكن أن نعتبرها إشارات حمراء خطيرة، فإنه يمكن التوقف سريعا عند أربع هي تقريبا نفسها التي اجتمعت في حالات عربية سابقة، فجرت ثورات مختلفا لهيبها:

ـ انسداد أو تعثر الأفق السياسي، ذلك حين تجد النخب السياسية والاجتماعية نفسها مضطرة بعد طول صبر ومعاناة إلى الاستنتاج بأن السلطة لا تـَصلح ولا تـُصلح. أكثر من ذلك، حتى حين تقدم السلطة على إصلاحات معينة بعد طول انتظار وتسويف فإنه لا ينظر إليها عموما إلا على أنها غير كافية، هو ما حصل مع التعديلات الدستورية في الأردن، تزداد هذه الريبة عندما تتزامن مثل هذه الخطوات، رغم محدوديتها مع تشريع صحافي أُعتبر حاميا للفساد والمفسدين في المملكة عوض أن يكون مشجعا على كشفهما.

ـ استمرار الحديث بصوت يرتفع ويخبو عن حالات فساد في أعلى دوائر الدولة من قصر ملكي ورئاسة حكومة ومحيطيهما. هذه الصورة حين توجد، بغض النظر عن مدى صحة أو دقة الشبهات المثارة في هذا المجال، تعتبر مـُدمّـرة لأي جهد سياسي يقوم به هذا الطرف المسؤول أو ذاك بغرض إرساء جسور من الحوار مع الأطراف الغاضبة أو المتململة. يمكن اعتبار ما قاله المعارض الأردني البارز ليث شبيلات عن الملك وما لمح إليه غيره من قبله في هذا الشأن بعبارات أقل جسارة إلى جانب كل ما يساق ضد رئيس الوزراء معروف البخيت، القمم الأبرز ظهورا في جبال هذه الاتهامات المحرج طرحها والخوض فيها علنا في المملكة.

ـ تواصل اعتماد القبضة الأمنية في معالجة عدد لا بأس به من الملفات. المعروف عن الأردن قوة جهازه الأمني الداخلي، حتى إن لم يصل لحسن حظه إلى سمعة الدولة البوليسية التي كانت لغيره من دول الجوار سابقا أو حاليا، لكن اللجوء إلى هذه القوة لقمع مظاهرات أو إفساد عقد ندوات ومحاضرات أمر مقلق حقا. الأسوأ أن يدخل لفظ ‘البلطجية’ إلى ساحة التداول السياسي في البلاد، فهؤلاء المتهورون المستفيدون من حماية الدولة وتشجيعها هم أكبر مؤشر على اقتراب منطق أي دولة من حافة الإفلاس السياسي الكامل في إدارة الصراع مع المعارضين.

ـ اشتداد الضائقة الاقتصادية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، فهذا التذمر المعيشي عندما يقترن بالتذمر السياسي وانسداد آفاق التحول السلمي يشعل شرارة انفجارات تبدأ ولا تنتهي. وقد أظهرت دراسة أخيرة أن الإضرابات العمالية في الأردن مثلا زادت أكثر من أربعة أضعاف في التسعة أشهر من هذا العام عن كل العام السابق، خاصة في القطاع العام. يتصاعد هذا التحرك في بلد لا يوجد فيه أكثر من 17 نقابة لم يزدد عددها منذ قرابة الأربعين عاما.

هذه الأضواء الحمراء إذا ما أصبحت داكنة أكثر فإن الأمر قد يخرج عن سيطرة الجميع. عندها لن تجدي حيل السلطة في امتصاص غضب الناس بدون دفع الثمن المستحق، لا اكتفاء المعارضة بتعداد أخطاء السلطة وعثراتها بدون أن تقدم للناس سبلا واضحة للتجاوز والتغيير السلمي. المفروض والمؤمل أن يكون هذا وذاك أكثر حكمة لأنه إذا تحرك الشارع مع ما يصحب ذلك من خسائر ومضاعفات فقد يتم تجاوز الاثنين معا.

* إعلامي تونسي مقيم في الدوحة

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

أكتب تعليقك