ظل “حيطة” ولا ظل “راجل” !!

أسيل سامي

أسيل سامي

يمكنني أن أكتب قصة واقعية في عشر كلمات فقط : “بعد خمسة أشهر من الزواج أصبحت تلك الشابة سيدة مطلقة” انتهت القصة.

نعم فتلك قصة واقعية جدا وتتكرر في مجتمعاتنا الحديثة باستمرار ، أليس كذلك؟ زيجات سريعة وغير متكافئة ولا محسوبة النتائج تنتهي بديهيا بالطلاق .

شابة جميلة في مقتبل العمر ، تخرجت مؤخرا من كلية مرموقة ، بنت عائلة ، محترمة ، خفيفة الظل ، سريعة البديهة ، لبقة ، مجاملة وفاتنة. يمكن لأي شاب أن يقع في حبها ويحلم بالتقرب منها والزواج بها . ترى ما الذي جعل شابة بكل هذه المواصفات تتسرع بالزواج من أول شاب تقدم لخطبتها ، هل هو الخوف من العنوسة؟  أم الإحساس بعدم الأمان؟  أم الخلاص من واقع بائس ، أم مجرد تحقيق لحلم ارتداء الطرحة والفستان الأبيض؟ أم أنها أحبت تطبيق المثل المصري القائل : “ظل راجل ولا ظل حيطة”؟

 كل من حولها والمهتمين لأمرها نصحوها بعدم التسرع ، فهي ما زالت في مقتبل العمر والأبواب مشرعة لتحقيق الذات والتعرف على الحياة بمنظار النضج واكتساب الخبرات .

أما هو فلم يكن الشاب المثالي الذي يمكن أن يليق بها، ، ربما لأن كثيرا من نقاط الاستفهام كانت تدور حوله منذ البداية ، ومؤشر التوقعات لمن هم أكبر منها وأكثر خبرة يشير إلى أنه لن يكون الرفيق المناسب للدرب الشاق الطويل في هذه الحياة المليئة بالتحديات .

لكنها أصرت وتحدت أهلها والمقربين منها بأنها مقتنعة به وبأنه هو الرجل الذي يناسبها . قد تبدو قصة عادية ، بل مثلها آلاف القصص في مجتمعنا العربي والشرقي لكن نتائج هذه القصص كارثية على الطرفين أولا وعلى الواقع الأسري والمجتمعي ثانيا.

خلال زواج لم يدم سوى أشهر بدأت تتكشف حقيقة هذا الشاب لتلك العروسة ، حقيقة كانت واضحة للجميع منذ البدء إلا هي ، فهو غير مستقل ماديا عن ذويه ، يكذب عليها باستمرار ، وفي المقابل يشكك في كل تصرفاتها ، يعد ولا يفي بوعوده ، أناني يضع مصالحه ومتطلباته وملذاته فوق كل اعتبار ، جردها من حقوقها الطبيعية كالدراسة والعمل والخروج بعد أن كان قد أقسم كلمته بأنه سيساندها ويشد على يدها ويدعمها معنويا في تحقيق مشاريعها الذاتية .

وهل لرجل يحط من شأن المرأة وينظر لها نظرة دونية أي كلمة إنصاف بحقها؟ وتلك خصال لم ينتظر طويلا قبل أن يعكسها على تلك المسكينة المغشوشة بفحولته الظاهرية . وكان طبيعيا أن تبدأ سلسلة الجدل والخصام والمعارك منذ اليوم الأول للزواج . فهنا تكشف الأقنعة وتسيل الأصباغ عن الوجه المبتسم لتكشر أنياب الذئب المفترس الذي وضع على عاتقه وأقسم إلا أن يحطم تلك الفتاة البريئة ، ويصب عليها جام عقده وطبائعه وأخلاقياته الصعبة التي يستحيل فيها الزواج إلى ضرب من الجنون وتتحول فيه الحياة إلى محنة وامتحان عسير.

يحسب لتلك الفتاة أنها حسمت أمرها باكرا قبل أن تنجب منه أطفالا وتتحول المشكلة إلى كارثة يدفع ثمنها أطفال لا ذنب لهم سوى أنهم ولدوا لأبوين اعتقدا أن الزواج لعبة. لكن السؤال هو ،هل كانت بحاجة لأن تمر بهذه العملية غير المجدية التي لم تكسب منها سوى أنها تحولت من آنسة إلى سيدة مطلقة.

صديقتي ، اختي ، إبنتي ، أيا كانت دوافعك في التسرع والاندفاع نحو الزواج دون تفكير ودراسة، اسمحي لي أن أقلب المثل المصري القائل : “ظل راجل ولا ظل حيطة” ودعيني أقول لك ظل حائط ولا ظل رجل ، والحائط  الذي أعنيه يمكن أن يكون سدا منيعا  تحتمين تحت ظله من قسوة وتحديات الحياة ومتاعبها ,وسلاحا تحاربين به الزمن الصعب وتقاومين به الوحدة ، يمكن أن يكون أبا يغمرك بمحبته ورعايته، أما تفشين بين أحضانها أسرارك ، عائلتك التي لا يعنيها في هذا العالم سوى سعادتك ، صديقة وفية تلهين معها ، شباب تنعمين به .

يمكن أن يكون وظيفة تصبين فيها ما جنيته من علم ومعرفة أو موهبة تتقنيها وتعملين على تطويرها والاستفادة منها. فلم يكون الرجل هو الحائط الوحيد الذي تتكئين عليه وتحتمين بظله؟ ، خاصة إذا كان هذا الحائط هشا متداعيا، متصدعا،  آيلا للسقوط في أية لحظة وليس حائطا صلبا منيعا ، يقاوم هزات الحياة وزلازلها.

الوقت ما زال باكرا والطريق تعبدينه أنت بمثابرتك وإنجازاتك، ومكافئتك هي رجل يقدرك ويرفع من شأنك ، رجل يعي أن الزواج  ليس حائطا أصما يتكأ عليه ويفرغ فيه عقده فحسب، بل جدران متينة تنشأ بيتا عامرا من التعاون والتفهم والصبر والتضحيات المتبادلة .

* كاتبة و إعلامية عراقية مقيمة في الدوحة

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليقات 4

  1. عراقية حتى النخاع:

    ماقولك لمن مرت في قصة مشابهة تماما لكن استمر الزواج لمدة شهر واحد ؟ هل هذا الوقت من الزواج يستحق ان تحمل بعده لقب ( مطلقة على سن ورمح )!!!!!!!!

    تاريخ نشر التعليق: 23/10/2011، على الساعة: 8:11
  2. مازن:

    موضوعك يا عزيزتي بحمل الرجال مسوؤليته عن الي بحصل . ما تنسي انه الفتاه كمان الها الدور الكبير في تصرفاتها وعنادها وجبروتها وعدم احترامها للرجال داخل البيت
    في امثله كثيره وواقعيه في انه الفتاه هي الي بتصرفاتها الطائشه وعنادها المستمر هي الي بتدمر البيت مش الرجال

    تاريخ نشر التعليق: 17/10/2011، على الساعة: 9:56
  3. مريم الكناني:

    احسنت التعبير..الموضوع هويشغل تفكير الامهات بان يكون اختياربناتها صحيح واتمنى من بناتي قراءة ما كتبتي، من حكمةوجواهرمختصرةبقصة قصيرة ابعادها خطيرة …بصدق وصراحة لي بنت اختارت شخص في بداية الامر فسرت قبولها بالهروب من حياتي التي بعدتسعة اعوام من الغربةحالمة بحياة افضل.. تتحقق ممكن بالسفرلكن لله تعالى حكمة بان ارجع لبلدي وابدأ من الصفر يارب مقالتك درس يفيد بناتي الثلاثةشكرا ياعزيزتى واضيفى لبناتناخبراتك بالنجاح والتطور وانت يابنت بلدي مثال رائع يقتدى به امنياتي بالتوفيق والاستمرار.

    تاريخ نشر التعليق: 14/10/2011، على الساعة: 0:58
  4. هند الصائغ:

    الموضوع غاية في الروعه
    وانا اتفق تمام معك بان الارتباط ليس هو المهم المهم ايجاد الشخص المناسب
    وهذه مشكلة اغلب بنات الجيل هو التركيز على موضوع الزواج كحفل زفاف والتخوف من سن العنوسه

    ابدعت فعلا في الطرح

    تاريخ نشر التعليق: 12/10/2011، على الساعة: 20:42

أكتب تعليقك